الشاعر محمد الحسن حسن سالم (حميد).. يا حسرة على مشروع لم يكتمل بعد!

الشاعر محمد الحسن حسن سالم (حميد).. يا حسرة على مشروع لم يكتمل بعد!
حميد
  • 26 مارس 2022
  • لا توجد تعليقات

د. أحمد إبراهيم أبوشوك

(إعادة نشر بمناسبة مرور عشرة أعوام على وفاة حامل الاختام)
(1)
تمهيد
عندما غيَّب الردى الشاعر الفلسطيني محمود درويش كتب الأديب الناقد محمد خير، قائلاً: لم تكن قصائده الأخيرة “تُشبه قصائد النهايات، بل تميزت بخصوبة وطزاجة؛ لعلّها السبب في ذلك الشعور المتناقض الذي سكن قلب كلِّ مَنْ فوجئ بالرحيل؛ إذ امتزج الحزن بالطمأنينة في تركيبة نادرة، الطمأنينة لأنّ ذلك الشاعر الكبير منحنا الكثير من الشعر، حتى إننا لن نستطيع أن نفتقده، والحزن لأن ذلك العنفوان المتبدي حتى السطر الأخير، كان ينبئ بالمزيد من القصائد والصور التي وقفت تنتظر دورها، فلم تسنح لها الفرص.” هكذا كان الرحيل المُرّ للشاعر محمد الحسن سالم (حميد) أشبه برحيل درويش؛ وإن اختلفت الأعمار، والأوطان، والأسباب؛ لأن بين الاثنين قواسم مشتركة، وتجارب حافلة بالدروس والعِبَر التي لا يستطيع الآخرون استنساخها حتى لو ظنَّ بعضهم أنهم قادرون على ذلك. كان حميد مثل درويش، أنجبه رحم المعاناة وحيداً، وجعله الإيثار بالذات في سبيل النطق بقضايا الكادحين فريد عصره، رحل ولم يترك فينا وريثاً، بالرغم من أن إسهامات بعض المبدعين من أمثاله تتقاطع أسئلتها عند مشكلة الإنسانية، وجدلية الصراع بين الحُكام والمحكومين، وقضية الأشباه والنظائر في أصالة أهل الريف وحداثة أهل الحضر؛ ولكنها بلُغة غير اللُّغة التي شكَّلت وجدان قصائد حميد، وبغير الأسلوب الفلكلوري الذي مازه عن الآخرين، والصور المتقابلة التي انتظمت ملاحمه الشعرية الطاعنة في شرعية أهل السُّلطة والسُّلطان، ومناجاته المثقلة بضنك المهمشين، ومرافعاته باسم الكادحين والغلابة التي رسمها في لوحات شاعرية خالدة.
حاول الكثيرون أن يسجِّلوا بعض كلمات الوفاء وقصائد الرثاء على شاهد قبر الراحل حميد الذي احتضنته مقابر الحاج يوسف بدلاً عن نوري التي أحبّها حبّاً جمَّاً لا دخنة فيه، وشأنه في ذلك أشبه بشأن شيخ العاشقين عبد الله محمد خير الذي أضحى يعيش غربة ثانية في مقابر أحمد شرفي بأمدرمان بدلاً عن الكُكر، وكذلك الأديب الروائي الطيب صالح بمقابر البكري بدلاً عن كرمكول؛ ولا ندري ما السرّ الكامن وراء هذه المتناقضات. كتب كلُّ مجتهد من أولئك الأوفياء من واقع معرفته بالشاعر حميد؛ فطرق بعضهم على باب الإنسانية الذي كان يمثل مدخلاً رئيساً لشخصية الفقيد، ووضع آخرون حواشٍ على متون مشروعه الشعري، ونظَّمت صفوة منهم مراثيها وكلماتها من نسيج الإنسانية الذي تحلى به الراحل ذاتاً ووصفًا، ثم ذوقت ذلك النسيج الإنساني البديع بدرر من قوافيه الحسان. لا جدال أن قائمة أولئك الأوفياء العارفين لأفضال حميد الإنسانية وعطائه الأدبي السابل تطول، ويصعب حصرها على صفحات هذا البحث، ولكن من باب الاستدلال نذكر الأستاذ صلاح هاشم السعيد، والدكتور يس محمد يس، والأستاذ حسين خوجلي، والبروفيسور محمد زين العابدين عثمان، والبروفيسور عبد الله علي إبراهيم، والدكتور عبد الرحيم عبد الحليم، والأستاذ عبد الله الشقليني، والدكتور توفيق الطيب البشير، والدكتور عبد الرحيم محمد الحسن، والأستاذ أسامة حمزة، والأستاذ عمر محمد الحسن، والشاعر محجوب شريف، والشاعر محمد طه القدال، والشاعر أزهري محمد علي، والشاعر كمال حسن محمد، والشاعر عبد المنعم محمد أحمد العوض، والصحافي متوكل طه محمد أحمد، والصحافية أميرة أبا يزيد حسن. فلاشك أنَّ هؤلاء، وأولئك الذين سقطت أسماؤهم سهواً، قد تناولوا حياة الشاعر الراحل حميد من جوانب مختلفة، ووثقوا طرفاً من عطائه المنداح في فضاءات الإبداع المتنوعة التي جمعت بين الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ وبين الزين ود حامد، وست الدار بت أحمد، وبين تطلعات أهل الجابرية العذارى، وأحلام نورة التائهة في بيداء الحضر، وآمال عيوشة العراض في مواعين الزمن الضامرة.
(2)
بعد أسابيع من وفاة حميد كتب إليَّ أحد الأصدقاء معاتباً: “إنك كتبتْ كلمات رثاء عن الشاعر عمر الحسين محمد خير (ت. 2005م) ، والأستاذ الطيب محمد الطيب (ت. 2007م) ، والشاعر عبد الله محمد خير (ت. 2008م) ، والأديب الطيب صالح (ت. 2009م) ، ولم تكتب عن الأستاذ محمد الحسن سالم (حميد)، هل لك موقف أيديولوجي معين؟ أم ما السبب وراء هذا التراخي؟” فكتبتُ إليه قائلاً: الشاعر محمد الحسن سالم (حميد) لا تسعه مواعين الانتماءات الأيديولوجية الضيقة؛ لأنه كان شاعراً بحجم الوطن الفسيح الذي تشكل في مخيلته الخصبة من واقع “بلد صمي وشعبِ واحد عصية على الانقسام”. نعم إنَّ الرفاق قد وجدوا في بعض قصائده استجابات لأطروحاتهم الفكرية، فروَّجوا لعطائه السابل في هذا المضمار، ووصف بعضهم حميد باليسارية، ولكنها كانت “يسارية بلا ضفاف” ، كما يرى الدكتور عبد الله علي إبراهيم؛ لأنها كانت منداحة في كلِّ أرجاء السُّودان، و”معطونة” بعرق الترابلة، وبحارة السُّفن، وحشاشة القصوب، وكلَّات الموانئ لم تجعل من نفسها طليعية متأففة عن معتقدات الآخرين، وعاداتهم، وتقاليدهم. هكذا كان حميد ملحاً له مذاق خاصّ في موائد كلّ قطاعات الشعب السُّوداني، وأبيات أشعاره فتوحاً للجميع، وأبوابها مُشرَعة لكلِّ طارقٍ. لذلك عندما رثاه الشاعر المهندس عبد المنعم محمد أحمد العوض، استهلَّ مرثيته بأبيات صادقة في معانيها، ومعبرة في مقاصدها عن فَقد ذلك الشاعر الفحل، الذي كان مسكوناً بحبِّ الناس، ومهموماً بإنجاز مشروع الوطن الذي كانت تحلم به نورة: “نورة تحلم بي عوالم … زي رؤى الأطفال حوالم … لا درادر .. لا عساكر .. لا مظاليم لا مظالم”. وفي ضوء هذه الخلفية المشحونة بآهات الآخرين وطموحاتهم المرجوة يجسد المهندس عبد المنعم عظمة الفقد الجلل بقوله:
ياناس نعزي مع منو؟
ونقول شنو؟
حامدنوا رب العالمين
حميد بنبْكي مع منو ؟
يمكن يباكو مع فطين
قول نورة يبقى مع الحسين
بالله مين قدرك حزين
آآه يا وطن
أيوه الوطن
ياهو الوطن
(3)
من أين أتى هذا الشاعر التربال؟
وُلُد محمد الحسن (حميد) عام 1956م بقرية جريف نوري بالولاية الشمالية، وفي ذلك العام نال السُّودان استقلاله، وانسلخ الختمية عن الحزب الوطني الاتحادي قبل أن تكتمل فرحة الاستقلال، وكوَّنوا حزب الشعب الديمقراطي، الذي حصل على تأييد مقدرٍ في منطقة مروي. وكان والد حميد، حسن سالم، من أنصار ذلك الحزب الوليد المخلصين الذين رفعوا شعار “عاش أبو هاشم … وحزب أبو هاشم” عالياً خفَّاقاً في سماء ذلك الظرف السياسي الحرج. وفي هذه البيئة القائمة على قيم التكافل الاجتماعي، والمشبعة بإنشاد الختمية، والمعطرة بتراتيل القرآن في خلاوى الحمدتياب، والحواجنير، والعراقاب؛ والباكرة على أصوات التربالة والقوى العاملة في مزارع مشروع نوري الزراعي الذي أسسه المستعمر البريطاني عام 1917م نشأ الصبي حميد مثل سائر أبناء جيله. درس الأولية والوسطى بمدارس نوري، والثانوية بمدرسة عطبرة الشعبية، وعاش طرفاً من حياته بعاصمة الحديد والنار (عطبرة)، حيث ألف قصيدته المعروف بـ “شن طعم الدورس ما دام بكانا مشي قطر”، وعمره لم يتجاوز السبعة عشرة ربيعاً. وبعد تخرجه عام 1978م آثر العمل بهيئة المواني البحرية، متنقلاً بين الخرطوم وبورتسودان. وعندما ضيَّقت الأجهزة الأمنية الخناق عليه نتيجة لأشعاره المناهضة لأهل السُّلطة والسُّلطان هاجر إلى مكة المكرمة عام 1992م، ثم قضى طرفاً من حياته في مدينة الدوحة في صحبة صديقه الفنان الراحل مصطفى سيدأحمد في عقد التسعينيات من القرن الماضي. لكنه أخيراً آثر العودة إلى أرض الوطن، مفضلاً العيش في الريف، تربالاً بجريف نوري، حيث كان يحلم بزراعة خور أبودوم، الحُلم الذي عجز تهراقا عن تحقيقه، وذلك حسب ما جاء في محادثته الهاتفية الأخيرة مع الشاعر الدكتور محمد بادي، التي يقول الشاعر الراحل في أحد مقاطعها: “قرأتُ قصّة مفادها أنَّ الملك تهراقا عزم مرة على زراعة هذا الوادي، فوقفت أمه في طريقه ومنعته. وقالت له: هذا الوادي ممتلئ بالجن، ولو أصررت على فكرتك هذه ستفقد ملكك”. علَّق حميد هذه النصحية قائلاً لصديقه الدكتور بادي: “أما أنا فلا أم لي لتصدني عن ذلك، ولا ملك لي أخشى عليه من الزوال.” وفي فجر اليوم التالي لتلك المحادثة الغريبة شدَّ حميد رحاله إلى الخرطوم؛ لحضور تدشين ديوان الشاعر السر عثمان الطيب “بحر المودة”، ولكنه فارق الحياة الدنيا قبل أن يصل الخرطوم، إثر حادث مروري على طريق شريان الشمال الذي يربط العاصمة الخرطوم بالولايات الشمالية، وذلك في صبيحة يوم الثلاثاء الحزين، الموافق العشرين من مارس 2012م.
(4)
حميد صاحب مشروع شعري لم يكتمل بعد!
يصف الأديب صلاح هاشم السعيد عطاء الشاعر حميد الأدبي بأنه “مشروع شعري” لم يكتمل بعد، ولا عجب أن هذا الافتراض محلّ إجماع كثير من الأدباء والنقاد؛ لأن إشكالية ذلك المشروع تكمن في حبّ الوطن، ومعاداة ظلم الحاكمين، وتحريض المحكومين على مدافعة الظلم. قد نسج حميد هذه المنظومة الثلاثية في أول قصائده التي أنشدها بعد رحيله إلى الخرطوم، التي كانت تعاني من ظلم العسكر وجبروتهم، فجسَّد موقفه الرافض لحكم العسكر بقصيدته الرمزية الشهيرة بـ “نادوس”، التي نادى فيها ثورة الغلابة، قائلاً: “تعالي وشي الوطن دركان عساكر آخر الزمن واطاه *** تعالي وما علي كيفك تعالي وريِّحي الواطة “. فلا جدال أنَّ هذه القصيدة التحريضية قد جلبت عليه وابل غضب النظام المايوي، فتعرَّض حميد، حسب رواية الدكتور يس محمد يس، “لأسوأ أنواع المضايقات من رجال الأمن والسُّلطة، وهو لا يملك حولاً ولا قوةً” ، سوى الكلمة التي صنع منها سلاحاً ماضٍ في وجه زبانية النظام المستبد، وجعل من رائحتها باروداً في أنوفهم، عندما استنصر بالغبش الغلابة، قائلاً:
آه يا غبش
ما عندي ليكم غير نغيم
برجوه ينفض لي غبار زمن القسى الكتَّاح
يهز عرجون نخل صبر الغلابة الطال
يحت يخرت تباريح الأسى الممدودة فوق نور الدغش
يا نورة آه
كانت نورة تشكل أبعاداً رمزية مصفوفة في مخيلة مشروع حميد الإصلاحي، الذي يبدأ بتوصيف المشكلة، وعرضها من جوانب متعددة، بغية خلق نوعٍ من الوعي الجمعي في أذهان الناس، ثم بعد ذلك تبدأ عملية التحريض الثورية الموثَّقة بشارات النجاح التي تُشبه في نهاياتها مبادئ جمهورية أفلاطون القائمة على العدل والمساواة بين الناس، وفي رخائها مدينة الفارابي الفاضلة. لذلك كانت نورة تعني بالنسبة له الوطن الجريح، وتعني التكافل بين الناس، وتعني التمازج القومي في السُّودان عندما يناديها قائلاً: “يا بت العرب النوبية … ويا بت النوبة العربية … يا فردة نخوة بجاوية … أو شدر الصحوة الزنجية”، وبذلك يُؤكِّد ما ذهب إليه البروفيسور يوسف فضل حسن: إنَّ قطاعات كبيرة من سكان السُّودان الأصليين تعرَّبت بفضل نفوذ القبائل العربية الوافدة، “واستوعبت البنيات القبلية، فاختار الهجين الجديد الانتماء إلى الأصول العربية، عبر النسب، وتمثلوا العادات العربية مثل الوراثة عن طريق الأب، وليس الأم كما كان شائعاً بينهم. ولمَّا تمَّ استعرابهم بدَّلوا لغاتهم الوطنية بلسان عربي، ولكن غالبية البُجة، والنُّوبة القاطنين شمال منطقة الدَّبَّة ظلُّوا متمسكين بلغاتهم الأصلية حتى يومنا هذا. وكانت عملية الاستعراب العرقي والثقافي تفاعلاً ذا اتجاهين، يشمل استعراب المجموعات الوطنية، وتأصيل العرب، وتأثرهم بمقومات سودانية؛ دماً وثقافة.” وبعد ذلك يحدد الشاعر حميد جغرافية الوطن الجريح “ما بينات نخلة وأبنوسة”، وهنا تتشكل رمزية أخرى أشبه بتيار الغابة والصحراء الذي أُسس وفق منطلقات شعرية وثقافية، تنشد التصالح بين الثقافة العربية والثقافة الإفريقية في السُّودان. فالغابة كانت تعني لرواد هذا التيار رمزية العنصر الزنجي، والصحراء رمزية العنصر العربي، وبلغت هذه الرمزية ذروتها في مشروع “إنسان سنار” الذي نصَّبه الدكتور محمد عبد الحي ورفاقه الخُلاسيون إنساناً معيارياً لهُويَّة أهل السُّودان؛ لأن السلطنة الزرقاء من وجهة نظرهم كانت تجسد معالم التلاقح السياسي، والاجتماعي الذي حدث بين العبدلاب (العرب) والفونج (الزنوج)، والذي أفضى بدوره إلى تشكيل هُويَّة أهل شمال السُّودان ذات السحنة الخلاسية.
وبعد أن رسم الشاعر حميد خريطة السُّودان بالكيفية التي أشرنا إليها أعلاه حاول أن يبلور مظالم أهله في قصيدته المشهورة بـ “الجابرية تحي الثورة” والجابرية من خلال قراءة نصوصها الشعرية قرية منغلقة على ذاتها، وهمومها مفتوحة في فضاء السُّودان الواسع، حيث جسدها الشاعر في محاور قصيدته الأربعة الرئيسة التي يتصدرها محور الجابرية الرمز، الذي يشكل مطاطية البُعد المكاني، وطبيعة الهم المنداح في فضاء الهموم الإنسانية المشروعة، ثم ينتقل من هذه الهموم إلى شرعية المطلب الجماهيري، ونرجسية الوعد الكاذب الذي أعلنته الحكومة، وآثاره النفسية السالبة على أهل الجابرية، وأخيراً يلقي الضوء ساطعاً على دور المثقف الباخس لتطلعات الأغلبية الغالبة من أهل الجابرية ومعارضته الصارخة لنظام العسكر. وبهذه الكيفية عَمَدَ حميد إلى وضع الريف السُّوداني على بؤرة عدسة مقعرة تعكس واقع التهميش الذي يعاني منه القابضون على جمر المعاناة؛ لأن الخدمات الاجتماعية، والصحية، والثقافية لا تُقسم بينهم وأهل الحضر سوية، فضلاً عن أن أهل السُّلطة لا يزالون سادرين في غيهم وخداعهم المتطاول مع الزمن، دون أن يدركوا أن فلاحهم وصلاحهم مرهون بشفافية عطائهم الخدمي المنبسط للناس أجمعين، وبوضوح رؤيتهم في تقسيم الثروة والسُّلطة بين المركز والتخوم عدلاً، وفق برامج إصلاحية تسعى إلى النهوض بقيمة الفرد والجماعة في إطار حكومة سودانية راشدة.
ولذلك يصف الأستاذ عبد الله الشقليني ذلك الواقع من زاوية أخرى قائلاً: عَبَر حميد “النيل إلى فضاء السُّودان الرحب، وأغدق عليه من نبض مشاعره، وتمكن من حمل بذرة الوطن الكبير بتنوعه الثقافي، ولامست قصائده عاميّاتٍ انتشرت في كافة بقاع السُّودان الكبير. لم ينزع لباس اللُّغة الثقافية الخاصّة بموطنه الأول، بل حمل البيئة في مخادع ليله، وحمل شعلتها المنيرة في صدره، وجمّل بها بيوت الوطن المتعدد المشارب، والسحنات، والأعراق، واللُّغات، وحاز شعرُه المكانة العالية في وجدان العامّة والخاصّة، بل حمل الطعام الذي تصنعه الأمهات في” الدُونكَّا”، ونشر طعمه الشِعري على كلِّ البطاح.”
هكذا كان حميد مثقفاً حسب تعريف الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937م) الذي يرفض التعريفات القائمة على أساس التصنيف الذهني واليدوي؛ لأنه يعتقد أن مفهوم المثقف أوسع من ذلك، سعةً تشمل كلّ إنسان يمتلك رؤية ثقافية معينة تجاه البيئة التي يعيش فيها؛ لأن الثقافة في عُرفه ليست مهنةً، ولا معياراً يُقَسَّم المثقفون على أساسه إلى طبقات وظيفية. ونلحظ أن هذا التعريف النائي عن الخيار النُّخبوي يؤيده الكاتب المصري أحمد مجدي حجازي الذي يصنف المثقف في ضوء كسبه المعرفي الناتج عن خبرته المتراكمة، أو تعليمه النظامي، ويشترط أن يكون ذلك الكسب المعرفي موظفاً لمصلحة المجتمع، وليس كسباً خاملاً. ومن ثم يقسم نشاط المثقف إلى نشاط محلي حيث تكمن الخبرة، ويتعاظم الارتباط بالقيم المحلية، ونشاط قومي حيث تتكامل الخبرة والوعي الثقافي المتسامي على القيود والروابط المحلية.
وواضح من هذه التعريفات أنَّ النضال في سبيل ترسيخ القيم الإنسانية بين الناس يشكل المحصلة الوسطى التي يستند إليها مفهوم المثقف القويم. ولا عجب أن هذه الروح النضالية كانت محطة مهمّة في حياة الشاعر حميد، بلور الدكتور يس بعض معانيها باستشاهد فطن من رائعة حميد الموسومة بـ “النخلة”، منوهاً بأن النخلة في عُرف أهل الشمال تعني الاستقامة والعفَّة، وتعني التسامح، وتعني التكافل، وتعني الثبات على المبدأ؛ لأنها تموت واقفة بعد أن يتعطل نبض قلبها العامر بالعطاء، لكن فوائدها تستمرَّ إلى ما بعد الممات، وتسد ثغرات مهمَّة في حياة الناس. ودعونا في هذا المقام نكتفي بالصمت، ونسوح مع كلمات حميد النضالية الشارحة لنفسها برمزية سامقة المقاصد، والمجسدة لعطاء النخلة في مراحل حياتها ومماتها المختلفة.
النخلة في الليل المهول
وحيدا في عز الرياح
فارس يدارق في الرماح
الجايا من كل اتجاه


ما ليها غير تطرح تمور
تملأ الشواويل … القفاف
ينتم زين … ينحل دين
ينطلق ضهر زولا بسيط
واقف على حد الكفاف
ومن ركة الرزق المتاح
رزقو المعلق في الصبيط
ينزل كما الطير الخفاف …يقدل نشيط
يخضر زي شتل الضفاف
كل ما النشاف بدأ في الصبيط


والنخلة لو عنف الرياح … الصاقعة
أهوال الفصول … آفة الذبول …
قدرت على ساقا الهفيط … تقع
آ بتموت …….
تلقاها خشت في البيوت … بي كل صراح
تبروقة …سجاجة طهورة ..
طبق من العرجون … ضنيب طابة طبطابة..
قفة وكسكسيكة … حبل متين
فتلوهو في ضل الدليب
نشلوبو من بير للشراب
نسجوبو بنبر وعنقريب


النخلة ترباية العباد
بي جلالا تنحول رماد
ورمادا ينحول سماد
وسمادا يدخل كم بلاد
وديانا تخضر والبطاح
شوف كيف كفاح النخلة
شوف كيفن بتتحدى الرياح
تصبر على مر الحياة
وتمطّق الموت بي جلد


وكل الرياح فوقا بتمر
يكفيها دا … ويكفيها صاح
ما استسلمت لي ريح غريب
وكل الرياح فوق بتمر
والنخلة ما بتعرف خلاف ريح اللقاح
والهمبريب ريح الصلاح
يا معوض الليل بالصباح
يا معود النار اللهب
روض نخلنا على الرياح
وفي لجة البحر الغريب
أدي الرواويس الصلاح
يكفيها دا … يكفيها صاح
مفردات المشروع
يقول الأستاذ صلاح هاشم بشأن مفردات حميد:
“نحن هنا بصدد الاحتفاء بشاعر الشمال محمد الحسن سالم حميد، فهو شاعر مسكون بازدحام، ومترع بلغة رضع أسلافه من لبنها، لغة تخلَّقت وتأصَّلت في الماضي، واكتملت هناك، لذا وجد حميد خواتم روحه فيها، وملء التعبير عن ذاته، بعد أن نفض الغبار عن الكثير من مفرداتها، وأزال ما علق بصياغاتها وتعابيرها من شوائب، كما أعاد الشباب إلى العديد من الكلمات، والأوصاف بعد أن اشاختها القشور، واستعلائية الوسط الخرقاء. فأصبح بذلك صدى مدوياً وعلامة مميزة، واستطاع أن ينقل صورة صادقة وأصيلة عن هموم وأهواء أهله البسطاء الكادحين. حميد لم تبهره أضواء المدينة، ولم يدرج مشروعه الشعري داخل لُغة السائد المألوف، كما فعل بعض شعراء الشمال، اعتقاداً منهم، أن تبني لُغة المدينة، لا يُعدُّ خضوعاً، أو اندراجاً في سياقها، بل فيه تحدٍّ لنفوذها، وسيطرتها، باتخاذهم لأدواتها الخاصّة. فقط لا أدري كيف لـعم عبد الرحيم أن يكون بغير الذي كتب به.!!.. وكيف لنورة، وطيبة.!!..”
ويصبُّ قول الأستاذ صلاح هاشم فيما ذهب إليه من قبل البروفيسور علي المك، عندما قدَّم ديوان أنا المعجب للشاعر عبد الله محمد خير، قائلاً: إنَّ بعض المثقفين يظلمون الشعر العامي عندما “يقولون عنه أنه لا يسمو ولا يتسامى للتعبير عما في النفس من خبايا وشجون، ولعلَّ ذلك قد جعل العامية محصورة فيما يسمى بشعر الغناء على الأقل”، لكن عطاء شعراء العاميَّة السابل، وفي مقدمتهم حميد، قد تحدى “دكتاتورية الكلمة الفصيحة” ، وفرض نفسه في الريف والحضر. وبذلك يكون الأستاذ صلاح هاشم محقّاً فيما ذهب إليه؛ لأن خصوصية التاريخ لا تُولد، وإنما هي سيرة صنعتها الأيام والسنون، وتعاقبت الأجيال عليها ما بين انكسار وصمود. فحميد كان يمثل ذلك الصمود الذي نقل العامية الدارجة من حيز المحلية إلى مصافي القومية؛ لأن دارجة حميد كانت تكتنز معاني جمالية سامية، وقيماً إنسانية شامخة، لذلك استطاعت أن تشكل وجدان معاناة أهل السُّودان، الذين تواضعوا على فهم نصوصها الضاربة في أعماق المحلية لفظاً، والجاثمة في أحشاء مشكلات أهل الأرياف والحضر معنى ورمزاً، فضلاً عن أنها بشرتهم بغدٍ مشرقٍ، إذا واصلوا النضال بصبر أشجار النخيل، وصلابة عم عبد الرحيم. لذلك ذاع صيت أشعار الشاعر حميد في كلّ البنادر والأرياف، حيث نقلها المبدعون، أمثال الفنان مصطفى سيدأحمد، والفنان يس عبد العظيم، والفنان محمد جبارة، والفنان صديق أحمد، والفنان محمد النصري، والفنان محمد وردي، والمهندس عبد العظيم منصور، والفنانة حنان النيل، والمطربة نانسي عجاج، وبفضل هؤلاء وفضل قنوات التواصل الحديثة اقتحمت ألفاظ الريف المنثورة شعراً قواميس أهل الحضر والبنادر ومعاجمهم، مُشَكِّلةً نغماً في أسطواناتهم المسموعة، وشاغلة حيزاً في قنواتهم الفضائية المرئية. وبذلك استطاع حميد أن يغرس مفردات مشروعه الشعري في وجدان أهل السُّودان باختلاف ثقافاتهم وأعراقهم المحلية.
ونلحظ أيضاً أن مفردات مشروع الشاعر حميد تتمتع بقوة اكتنازية خارقة؛ لأنها تحمل أكثر من تفسير، وذلك بحكم أغلبيتها الموغلة في الرمزية، والقابلة للتطويع والتطبيع حسب مزاج القارئ، أو السامع الثقافي، ودرجة وعيه وإلمامه بالمناسبات التي طُرحت فيها، وأحياناً نلحظ أنَّ آخرين يوظفونها حسب سياقات أجندتهم وخطابهم السياسي المطروح. ولذلك عندما سألت الإعلامية نسرين النمر الشاعر حميد عن معاني بعض المفردات، رفض الإجابة عن ذلك السؤال، متعللاً بأن مهمة الشاعر تنتهي عند إطلاق النصّ في باحات الهواء الطلق وفضاءاته الإسفيرية، أما وظيفة الشرح، أو التفسير، أو التعليل، أو التوظيف حسب المناسبات فهي وظيفة مفتوحة لكلِّ قارئ فطن، له أن يفسرها كيف شاء، ويوظفها حسب منطلقاته النضالية التي تصبُّ في معين المشروع الذي ينشد حميد تحقيقه.
شخصيات المشروع المحورية
بعد أن أبرز حميد قضية مشروعه الكلية في قصيدة نورة، وقصائد أخرى مشابهة للغرض ذاته، انتقل إلى تفاصيل الحياة السُّودانية الزاخرة بمعاناة الغلابة في صور شخصيات اختارها بعناية فائقة؛ لتعطي نماذج حية لذلك الواقع، وأكد أهمية ذلك الاختيار الحسن في الحوار التلفزيوني الذي أجرته معه الإعلامية اللامعة نسرين النمر. ويأتي في مقدمة تلك الشخصيات عم عبد الرحيم الذي يصفه الشاعر بقوله: كت فلاح في يوم في إيدك تنوم… على كيفك تقوم… لا دفتر حضور … لا حصة فطور … تقرع بالقمر… تزرع بالنجوم… لكن الزمن دوار آ بدوم… الدنيا أم صلاح… تبدأ من التُكلُّ … من حجة صباح … في حق الملاح … في اللبس الجديد … في القسط القديم … وبيناتن عشم … في الفرج البعيد”. ثم يعضد حميد ذلك الواقع باصطحاب أمونة، التي كانت مقدرة للظروف والحال الحرن، عندما خاطبت زوجها عبد الرحيم، قائلة على لسان الشاعر: “النعال والطرقي انهرن … ما قالتلو جيب … قالتو شيلن يا الحبيب غشهن النقلتي والترزي القريب.” فأجابها عم عبد الرحيم بعبارات مثقلةٍ بهموم الواقع الكئيب، ومقدرةٍ لمشاعر زوجته المثالية: “بس يا أم الحسن طقهن آبفيد !! طقهن آبزيد !!انطقن زمن… وإن طق الزمن … لازمك توب جديد وبي أية تمن … غصبًا للظروف والحال الحرن … شان يا أم الرحوم ما تنكسفي يوم لو جاراتنا جن … مارقات لي صفاح أو بيريك نجاح … ده الواجب إذن … وإيه الدنيا غير لمة ناس فى خير، أو ساعة حزن.” وبعد هذا المشهد التوافقي الحزين تمضي القصيدة بوتيرة صاخبة، صابةً جامّ غضبها على مسالب الوضع الاقتصادي التي حولت حياة الكادحين والغلابة إلى حجيم. وعند هذا المنعطف يعلو صوت الشاعر التحريضي قائلاً: “في هذا الزمن تف يا دنيا تف … يا العبد الشقي … ما اتعود شكي … لكن الكفاف فوقك منتكي … والسوق فيك يسوق حالا ما بتسر …. إلا كمان في ناس فايتاك بالصبر…. ساكنين بالإيجار لا طين لا تمر … واحدين بالإيجار ما لا قين جُحر …. سلعتم الضراع والعرق اليخر… عمال المدن … كلات الموانيء … الغبش التعاني … بحارة السفن … حشاشة القصوب … لقاطة القطن … الجالب الحبال … الفطن الفرن الشغلانتو نار والجو كيف سخن … فرقاً شتى بين … ناس عيشا دين … مجرورة وتجر … تقدح بالأجر … ومرة بلا أجر … عيشهم كمهو … وديشن هان قدر.”
وتتضاعف قيمة الحزن والكآبة بمتوالية هندسية عندما يلقي محامي الوطن، المجسد في شخص عم عبد الرحيم، ضوءاً ساطعاً على الصور المتناقضة والمستفزة، قائلاً: “وناسا حالَ زين مصنع مصنعين … طين في طينو وين؟ ما مرابا مُر … بارد همها لا يعرق جبين لا وشاً يصر … عين والله عين … كلها كمها عزها هان قدر … في الجنة أم نعيم … في الجنة … أم قصر … يا عبد الرحيم … إلا ورا القبر … يلكد في الحمار … لا تسرح كُتر … وإن كان الفقر … يا عبد الرحيم … أشبه بالكفر.” وهنا تبرز قيمة من قيم الصراع الطبقي، لذلك نلحظ أنَّ الرفاق قد أتحفوا بقصيدة عم الرحيم، وهي واحدة من القصائد التي جعلتهم يصفوا حميد باليسارية، دون أن يدركوا أن يسارية حميد يسارية بلا ضفاف، منداحة للناس أجمعين، مادامت معاناتهم مرتبطة بأساسيات الحياة القائمة على المأكل، والمسكن، والمشرب، وبقية المسائل الخدمية الضرورية.
وإذا انتقلنا من مآسي عم عبد الرحيم إلى مشهد آخر، نلحظ أنَّ الجوابات المتبادلة بين ست الدار بت أحمد والزين ود حامد تعطينا أكثر من رسالة، ترتبط في جوهرها بتشكيل الوعي الجمعي لقضايا المعاناة في الريف والحضر، وتفضح الحاكمين الظالمين، ثم تدعو المظلومين إلى مواصلة النضال الشريف في سبيل إرساء قيم الإنسانية الحقَّة، بعيداً عن إفرازات الزمن الجائر. ونستشهد في هذا المضمار بالرسالة التي بعثتها ست الدار بت أحمد من أطراف الريف القصي إلى ساحات البنادر، حيث يقيم زوجها الزين ود حامد، شارحة له الحال في البلد باستفاضة، وحاثَّة إيَّاه على العودة إلى الجذور إذا كان “أصلوا كتالك ياهو كتالك”. وتبين الرسائل المتبادلة أن اهتمام حميد لم يكن محصوراً في قضايا التهميش في الريف، ولكنه كان يرى أن حال المهمشين في الحواضر أشبه بحال إخوانهم وأخواتهم في البوادي والأرياف، وذلك استناداً إلى كسبهم المتواضع، الذي جسده الشاعر في مأساة عم عبد الرحيم، والزين ود حامد، وآخرين. وعند هذا المنعطف تخاطب ست الدار بت أحمد زوجها الزين ود حامد قائلة:
نحنا نصاحاً زي واطاتنا
نحنا نصاح إلا القراص والتجار والحاصل البحصل كل صباح
شتلاتك قبضن
الحملان كبرن بلحيل
العضمين الروكة انزرعن


البرسيم طهرنا البارح
نعجة راشد صبحت والدة
الحيضان سقناهن لوبي
التومات طيبات ونصاح
راشد طيب
كل الناس يا الزين طيبين
ينشدو منك في الافراح
وفي الاتراح الزين الزين
ما تشغل بالك
بس يا الزين كان درت مشورتي
اصلو كتالك ياهو كتالك
تجي مندلي
الوطه تراها
وبي جاي جاي.. بندبر حالك
أما النموذج الآخر فيتمثل في جواب الزين ود حامد إلى زوجته ست الدار بت أحمد الذي يصور عنت العسكر وتسلطهم إلى درجة بلغة حد الرقابة على الرسائل الخاصّة (جاني جوابك مفتوح شارع)، ثم يصف سياسة الخصصة التي تبنتها الحكومة حسب وصفات البنك الدولي، وكيف أسهمت تلك السياسة في تشريد العاملين، وكيف كانت الشرطة مستبدة في تكميم أفواه المعارضين، وإشاعة الخوف والفزع في نفوسهم. ويعكس الجواب من زواية أخرى ملكة حميد الشاعرية في تجييش الوعي الجمعي ضد أنظمة القهر والاستبداد. ومقاطع خطاب الزين التي نوردها أدناه شارحة لنفسها، ولا تحتاج إلى مقدمات أفضل وأرشد من نصوص الشاعر المحكمة في تصوير المشهد المأساوي.
ست الدار بت أحمد كيفك
جاني جوابك مفتوح شارع
جاني جوابك وأنا بتذكر في ناس راشد والتومات
في الشتلات والحالة عموم
ناس حلتنا التحت .. الفوق
الليهم الله وعيشة السوق


ست الدار سامعاني يا أخيتي، ومرتي، وأمي، وأم الكل
أنا بندهلك من شارع الله .. فوقي هجير والتحتي بقل
سبي معايا الشردو راجلك .. والحرمونا شوية الضل
سبي الحالة العالة علينا .. حتى أحكيلك بالتفصيل


حاصل الحاصل يا بت أحمد
جانا وفد في المصنع زاير .. وكان الوفد ده أمريكاني
لفّ وفات اليوم التاني
جانا مدير المصنع فاير
وشو حمار العمدة العاير
نف المصنع فيهو خساير
وقالوا يخفضوا مئتين عامل
مئتي عامل في فد مرة
مائتين عامل .. مائتين عامل
يبقوا هوامل .. يبقوا هوامل ؟؟
ما يهموش .. الهم المصنع
تفّ قرارو وفات في حالو
مسؤولين ونقابيين ما في العارض واللا اترجى
العمال من سمعوا احتجوا … سيرو موكب صامد وصامت
اتضامنا معاهم سرنا ..
أب عرام دور عربيتو .. العربية الأمريكية
زنقح خلا الموكب ثابت
احتجينا مع الاحتجو
اتكلمنا كلام موضوعي
قلنا المصنع حق الدولة .. والعمال أصحاب الحق
هي اللي تقرر والتتولى
هي البتحدد سير المصنع
إيد العامل هي العاد تنتج
ما المكنات الأمريكية
زيت العامل ياهو البطلع .. مو المكنات الأمريكية
ودرن الأيدي العمالية
أنضف من لسنات الفجرة
ودين الدقن الشيطانية
ومن كرفتة البنك الدولي .. وكل وجوه الراسمالية


داك الحين المصنع هاج
جات عربات اللات بوليس .. فضوا العالم بالكرباج
والبمبان الأمريكاني
شرقت شمس اليوم التاني
كنا حداشر ونوباوية
متهمنا بالتخريب والتحريض والشيوعية
البوليس صاقع شيوعية
وفاكر نفسو بنبذ فينا
هي آ بوليس أمك مسكينة
البوليس عمدني شيوعي
التحقيق طلعني مدان
التحقيق طبعاً تحقيقهم أو تحقيق الأمريكان
أسبوعين عشناهم جوه
أسبوعين زادننا قوة
ست الدار ما تشفقي خالص
ست الدار أنا ياني الزين
ست الدار سامعاني كويس ؟
كل الهم ما يغشى الغم … بيتنا وراشد والتومات
وكل الناس الحالهم شاهد
ست الدار الشوق الواحد
لي حلتنا وليكم ليكم
وللإشراق في عينيكم
وكل الناس الزولهم صامد
شوق وسلام
الزين ود حامد
أما الشخصية الرابعة التي كان لها حضور مؤثر في منشورات حميد وعرضحالاته الشعرية فهي اللقيطة عيوشة: “الليل هديماتا … شمش الله برطوشة … تشرب من الشارع … وتاكل من الكوشه”. وعند هذا المشهد المشحون بآهات المعاناة تبرز المشكلة الأخلاقية بوضوحٍ سافرٍ، وتقف مؤسسات الأمن الاجتماعية عاجزة عن العطاء، وصون حقوق المشردين. فدار أطفال المايقوما تشكل طرفاً من القضية بشقيها الأخلاقي والإداري. أما الطرف الآخر فيتمثل في واقع الذين شردتهم أهوال الحروب، ودفعتهم ظروف المعاش الضامرة إلى التسكع في شوارع المدن، فأطلق عليهم العامة مصطلح “الشماسة”. وقف حميد حزيناً عند هؤلاء، وعند واقعهم المنكوب، ثم رسم لهم لوحة معبرة بحجم مصيبتهم، وكآبة مستقبلهم المرجو، ولسان حاله يقول:
باكر تلاقيهن .. في وجبة فوق كوشة
جنب مجرى يحكولك
ودونا لي ضابط .. كالعادة وانكفرن قال وين أوديهن
والعندي ما قادر بالموية أكفيهن
والعسكر أدونا
سوطين وفكونا
كالعادة يا أخونا .. حيكومة مربوشة
دايرين شغل .. مافيش
غير نغسل العربات غير نضرب الاورنيش
عتالة .. جرسونات .. شغلاً ما يوكل عيش
وبالحالة دي الكشة
بلدية والبوليس … مرات يجيك الديش
ما يقبضوا الباعوض .. ما يقبضوا الضبان .. والما بدور فتيش
الارزقي السمسار .. اشمعنى نحنا وليش
إحنا الحراميه ولا البدسو العيش
الزول يخاف يكفر .. يرجع يقول معليش
شقيش نقع شقيش .. حتى السجن مافيش
هكذا كان الرائع حميد يختار شخصيات مشروعه الشعري بعناية فائقة، وينسج خلفها لوحات موحية بالظلم، والاستبداد، والفقر، وضيق ذات اليد، ثم يجعل تلك الشخصيات تتحرك بحرية كاملة على مسرح الأحداث، الذي يُعج بمشكلات أهل السُّودان، وبذلك يحاول أن يخلق وعياً جمعياً من خلال السرد القصصي للنصوص الشعرية، ومضابط الحوار بين أطراف القضايا المطروحة. ثم بعد ذلك تعلو نبرة النصّ المُعرِّية لسوءات النظام الحاكم، الذي يتصدره يوماً “العسكري كسار الجبور”، ويوماً آخر “باسم النبي تحكمك القبور”. وعند هذا المشهد الدرامي يضحى المزاج العام مهيأ لتحريض الشاعر، الذي يهدف إلى إسقاط الأنظمة الحاكمة الظالمة، ويسعى إلى تنصيب بديلٍ آخر، يكون قادراً على الوفاء باستحقاقات ست الدار بت أحمد، وعم عبد الرحيم، وعيوشة، ونورة التي “تحلم بي عوالم … لا مظاليم لا مظالم”. أنه حقّاً مشروع جمهورية أفلاطون، وحلم مدينة الفارابي الفاضلة.
(5)
أبعاد المشروع التنموية
عندما قرأتُ قصيدتي “سوقني معاك يا حمام”، و”أرضاً سلاح” انتابني شعور صادق بأن حميد قد وقف على طرفٍ من مضابط الحوار الذي أجراه الدكتور محسن محمد صالح مع الدكتور محاضير محمد (رئيس وزراء ماليزيا الأسبق)، عندما سأله عن سر نجاح التجربة الماليزية، فأجاب المسؤول قائلاً:
في ماليزيا لدينا اختلافات دينية، وعرقية، وثقافية، ولُغوية، ولدينا تباينات اقتصادية، ولكننا اعتبرنا أنَّ أهمّ شيء للتطور هو تحقيق الاستقرار الذي يقوم على التسامح فيما بيننا … ثم قررنا أن نشرك الجميع في السُّلطة والثروة … لأنك لا تستطيع أن تستحوذ على كلّ شيء لنفسك … وإذا حاولت أن تفعل ذلك فسيكون هناك عدم استقرار وفوضىَ، ولن يتحقق النمو الاقتصادي … أما عندما تتحقق مشاركة الآخرين، فإنهم سيشعرون أن لهم نصيباً في السُّلطة والثروة … أما باقي الأمور فهي مسائل إدارية، تحتاج إلى تخطيط حاذق يقوم على الخبرة والكفاية المهنية.
فقصيدة سوقني معاك يا حمام من القصائد المفتاحية في مشروع حميد، الذي ينشد الأمن والاستقرار في السُّودان، ويعتبرهما لبنتين أساسيتين للنهوض بالوطن الجريح، الذي أفسدت الحروب ودَّه، وجعلت شطريه الشمالي والجنوبي في حرب مستعرة، أقعدت الناس عن العطاء، وجففت مواعين البلد من الإنتاج. فكان هدفه المنشود في ذلك الواقع المشحون بتداعيات الحرب يتبلور في قوله: “سوقني محل ما المحنة … وأيادي تقطر سلام … سماحة الحياة فوق أهلنا … وبلادي تقرقر وئام … درب من دم ماب يودي … حرِب سُبّه حرب حرام … تشيل وتشيل مابِ تدِّي … عُقب آخرتا إنهزام … أخير كرّاكةً بتفتح … حفير وتراقد الركام … أم الدبابة البتكشح … شخير الموت الزؤام … تعالوا بدل نبني ساتر … نخيب ظن الصدام … نطيَّب للعازه خاطر … نقوم لي لأطفالها سام”. ثم ينتقل من هذا المشهد التصالحي إلى وصف واقع الموارد الطبيعية والبشرية التي تستند إليها التنمية في السُّودان، قائلاً: “فقارى ولكن غنايا … غنايا بهذا الغمام … بهذا النيل كم تغايا… وتيرابناً نرميهو قام.”
ثم يواصل نداء التعمير والبناء القائم على التعاون، والتعاضد، والتفاني، قائلاً: “ما طال فى بحرك في مىِ وتمرك مفدع بالجريد … شدرك إمد حد السمي طيِنك معتق بالطمي … نبنيك أكيد نبنيك هوا … نبنيك ايوا سوا سوا … منو وجديد نبنيك جديد … يا إيد أبوي على إيد أخوي، على إيدى أنا … على إيد وإيد تجدع بعيد فى اللجة من رأس ميضنة … حيكومة الفقر الكجار الكُضُبُن والصهينة … واللى نقاص أيامنا جات … اليالطيف سوس البحر نرجم قفاهو حجر حجر … من ها الرصيف الما قدر قدام سريحة الموج يقيف … آمنا بيك وموحدين … في إيدنا فاس وقلم رصاص شتلة كمنجة ومسطرين … وطبنجة في خط التماس حراسة من كيد البكيد … ضد الرصاص والإنتكاس … نبنيك جديد واشد باس.”
ثم يرى أن ذلك المسعى لا يتحقق إلا في ظل نظام ديمقراطي، يتواضع الناس عليه، ويشدون من أزره، ويصونون عقدهم الاجتماعي مع الحاكمين، ولسان حالهم يقول: “أرضاً سلاح أرضاً سلاح … لو نتحد ضد الجماح … نبني الديمقراطية صاح … نبنيه صاح وطن البراح … وطنا مجير، لا مستجير، لا مستبد، لا مستباح … أرضاً سلاح … أرضاً سلاح.”
(5)
خلاصة
نعم إنَّ مشروع حميد لم يكتمل بعد؛ لكن عدم بلوغ نصابه لا يمنعنا القول بأنه خرج من صلب قضية سكن الشاعر في عمقها، وجثم بين أحشائها، كما يقول الدكتور توفيق الطيب البشير، و”رسمها شعراً، وزينها فكراً، وعطرها برائحة السلام، وزينها بأحلام” يستحيل تنفيذها إلا في دواوين “دولته الفاضلة التي جاهد من أجلها، ومات دون أن يستمتع” برؤيتها وهي قائمة على سُوقها . نعم، كما يرى الدكتور عبد الرحيم عبد الحليم، أنَّ حميد وُلُد عام الاستقلال (1956م)، ورحل في “أزمنة الحزن والانفصال” ، وهو غير راضٍ؛ لأنه كان يحلم بي “بلد صمي وشعب واحد عصية على الانقسام”؛ لذلك ضاقت قاعدة دولته الافتراضية الفاضلة قبل أن يأخذ تأشيرة رحيله إلى الدار الآخرة على طريق شريان الشمال؛ لأنه كان يريد أن ينفذ ذلك المشروع على أرض السُّودان الموحد، تلك الأرض التي وصفها بـ”مخلاية التعب … مصلاية العشق الصعب …ما بتستباح”. ولذلك، كما قال الأستاذ عبد الله الشقليني، “ولما أحزنه واقع القابضين على أحلام الوطن، والموتورين بالحروب، امتلأت عيناه بالدمع المالح، وأحسّ بخذلان مشروع الوحدة الذي أحبَّ فيه السُّودان وطناً متنوعاً، يتسع لأهله بكلِّ أطيافهم.” ألا رحم الله الشاعر حميد رحمة واسعة بقدر ما كان محبَّاً للسودان وأهل السُّودان.

التعليقات مغلقة.