نزولاً لرغبة أسرة فاطمة لم يمر موكبها بدار الحزب الشيوعي

صالح محمود لـ (التحرير): الحكومة تعتم على صراعها مع هلال وقضايا الفساد 

صالح محمود
  • 11 سبتمبر 2017
  • لا توجد تعليقات

الخرطوم – التحرير:

ما تزال قوى المعارضة تتمترس في مواقفها الثابتة من قضايا الحريات العامة وحقوق الإنسان، في ظل تنصل الحكومة من هذه الحقوق رغم اقرار الدستور الانتقالي لها، كما أن المعارضة ظلت تؤكد باستمرار عدم اعترافها بـ “الحوار الوطني” الذي دعت له الحكومة العام الماضي.

القيادي بـ “الحزب الشيوعي” السوداني صالح محمود تحدث لـ (التحرير) عن عدد من قضايا الساعة، وفًند أسس التقارب الجاري بين الحكومة والمجتمع الدولي، وتأثيراته على ضحايا النزاعات والقوي المعارضة.

*كيف تنظرون لواقع الحريات في البلاد الآن عقب “الحوار الوطني” الذي دعت له الحكومة؟

– رغم إقرار الدستور الانتقالي في 2005م للحريات العامة الواردة في وثيقة الحقوق، وهي حقوق أساسية بموجب الاتفاقات الدولية التي وقع عليها السودان، يظل الجدل في مدى تطبيق هذه الحقوق التي أقرها الدستور، وبالتالي يظل المواطن السوداني محروماً منها بدرجة كبيرة، وفي بعض الأحيان يكون هنالك هامش للحريات إلا أن هنالك قضايا عامة ينبغي أن يتملك فيها الجمهور الحقيقة بحرية كاملة، إلا أن الحكومة ترى أنها قضايا خط أحمر، وبالتالي غير مسموح تداولها في الصحف أو التداول العام.

* هل يمكن أن تحدد لنا هذه القضايا؟

– مثال ما يدور في دارفور من انتهاكات وقضايا الفساد احياناً يتم التعتيم عليها، أو حظر التداول فيها، وكما نرى أنه في بعض الأحيان ترد معلومات وتدوًن بلاغات، مثل قضية الحاويات التي دخلت ميناء بورتسودان وهي تحمل “حبوب مخدرة” وغيرها، وتقرير المراجع العام يكشف كل عام تجاوزات وفساد في المال العام ولكن بعد ذلك تختفي القضية ولا أحد يعلم ما حدث.

إلى ماذا تعزو ذلك؟

– هذه القضايا تمس أنشطة الحكومة أو متنفذين في الدولة،     ربما يكونوا طرفاً فيها، وهنالك حديث متداول  يشير إلى أن متنفذين في الدولة متورطين في هذه الانشطة ، وبالتالي هذه هي المعضلة ، أما  في ما يتعلق بوضع الحريات، والتي جعلت مجلس الأمن يصدر قراراته الخاصة بوضع السودان ضمن البند العاشر، بسبب عدم موائمة القوانين في الدولة مع الدستور، فهذا يدل على عدم إحداث إصلاحات قانونية في مؤسسة العدالة بأكملها.

*هل تعتقدون أن برلمان “حكومة الوفاق” يمكن أن ينجح في إحداث اختراق في مسألة الحريات وإصلاح العدالة؟

– في تقديري أنه يستحيل في أي برلمان، يكون موالٍ للسلطة بحيث يشكل الأعضاء الموالين للحكومة أكثر من 50% عضويته، أن يحدث تحولات حقيقية غير التي تتماشى مع مصالح الحكومة، وهذا هو حال البرلمان الحالي؛ علاوة على أن تكوين هذا البرلمان شابه جدل كبير حول مشروعية ونزاهة العملية الانتخابية، التي جاءت به، حيث توصف بأنها كانت غير شفافة وصاحبتها عمليات تزوير واسعة، كما أن  منسوبي الحكومة بالبرلمان عبر الأغلبية الديناميكية لن يسمحوا بتحقيق رغبات الجمهور، وقد شاهدنا أن البرلمان في كثير من الاحيان يسعى لسن تشريعات قبل أن يتم اقترحها من الجهاز التنفيذي .

*على مستوى السياسي كيف تنظر لمسألة الحريات المكفولة للأحزاب؟

-هنالك حالة من الشد والجذب حسب توازن القوى في الشارع بين الحكومة والمعارضة، أحياناً تتاح بعض المجالات للممارسة السياسية، لكن المهم جداً الاشارة إلى أن نشاطات الأحزاب حتى الجماهيرية ظلت محصورة فقط داخل دورها، وهذا وفقاً لقوانين جهاز الأمن، وهو  الجهة التي تمنح التصديق لقيام تلك النشاطات؛ وهذا الأمر يخالف الدستور، الذي يؤكد على حق التجمع السلمي ومخاطبة الجماهير كحق أصيل ، كما أن حرية الصحافة مازالت مكبلة ولم تتوقف آلية الرقيب القبلي (بكسر القاف) ومصادرة الصحف أو منع الصحافيين من الكتابة.

*لكن رغم هذا التضيق على الحريات العامة نشهد حالة تقارب بين أميركا والاتحاد الأوروبي والحكومة كيف تفسر هذا؟

– نعم هذا صحيح، هنالك الآن تغيير في علاقة الولايات المتحدة وبعض دول الاتحاد الاوروبي مع الحكومة، وهذا يأتي في اطار  سياسة جديدة تعرف بـ (عملية الخرطوم) وهي تقوم على فكرة التعامل مع نظام الخرطوم بدلاً من مقاطعته، والحكومة تفسر هذا بأنها أزاحت عن كاهلها معاناة العزلة الدبلوماسية التي امتدت نحو عشرين عاماً، وبالتالي الآن الحكومة تشعر بالراحة في تعاملها مع هذه الدول، وتأمل أن تتعامل معها في مجالات متعددة وهى تتوقع في هذا الاطار رفع كامل للعقوبات الأميركية.

لكن حالة التقارب هذه لا تعني بأن هذه الدول غضت الطرف عن التزاماتها تجاه المواطن السوداني خاصة ضحايا النزاعات والجرائم الانسانية، والحقيقة أن هذه الدول ما تزال ثابته في مواقفها حيال هذه الملفات، ولم تتنازل في قضايا العدالة وحقوق الانسان، وهذه الدول غيرت مواقفها تجاه الحكومة لأنها تعتقد أنها يمكن أن تحقق مكاسب كبيرة للضغط على الحكومة، من خلال التعامل معها، وبالتالي تمسك هذه الدول بملفات حقوق الإنسان، ومسألة العدالة لن تتأثر بهذا التقارب الحالي مع الحكومة، وستجبر هذه الدول الحكومة للتوقيع على اتفاقية “سيداو”  واتفاقية “الكات” المختصة بوقف التعذيب ، لهذا أعتقد أن الحكومة في موقف حرج أكثر من خلال هذا التقارب.

*ما تأثير هذا التقارب بين الحكومة والمجتمع الدولي على القوى المعارضة؟

-لا يؤثر على المعارضة، إلا إنه يصيب ضحايا النزاعات بخيبة أمل لأنهم تعودوا على مواقف معلنه وواضحة من هذه الدول، التي تمثل المجتمع الدولي، وفي تقديري رغم هذا التقارب الظاهر إلا أن المواقف الحقيقية هي أن هذه الدول لم تتراجع عن التزاماتها تجاه المواطن السوداني، وذلك لأن هذه الدول تضع ألف حساب لمواقف شعوبها من هذه القضايا، وبالتالي لا تستطيع التراجع عنها، وما يجرى الآن من تقارب في تقديري يمثل اللعبة على فكرة العصا والجزرة، وأعتقد أن المجتمع الدولي يلعب بالاثنين في مواجهة الحكومة لتحقيق أهدافه.

*ألا تعتقد أن الحكومة بهذا التقارب مع تلك الدول سحبت البساط من المعارضة خاصة أنها قطعت شوطا بعيداً من خلال مؤتمر برلين؟

– الأحزاب السياسية المعارضة منفتحة على كل المبادرات التي تسعى لإيقاف الحرب وقضية استعادة الديمقراطية، وبالتالي في تقديري هذا التقارب لن يؤثر على موقف القوى المعارضة، وخاصة تحالف “قوى الاجماع الوطني” لأن لدية رؤية واضحة حيال عملية السلام، وهو يرحب بكل مبادرة إقليمية ودولية يمكن أن تسهم في تحقيق أهدافه، لكن لديه شروط ينبغي أن تتوفر في المبادرة المعنية، ومربط الخلاف الأساسي بين المعارضة والتقارب الأميركي والأوروبي مع الحكومة أن الدول التي تمثل المجتمع الدولي تؤيد الحوار الوطني الذي جرى بالداخل وتدعو إلى تسوية مع النظام في اطار هذا الحوار، على الرغم من أن المعضلة  أن لديها  موقف من مخرجات هذا الحوار، وترى أنها غير كافية وغير مقنعة، وهذه هي نقطة الخلاف التي تحتاج إلى حوار حقيقي، ولا توجد جهة تستطيع أن تفرض على المعارضة المشاركة في مخرجات هذا الحوار، الذي لم تكن جزء منه، ويظل السؤال هل النظام لدية القدرة لفتح ملف الحوار من جديد وبشروط المعارضة، لإجراء حوار حقيقي وشامل، ولا يهيمن عليه المؤتمر الوطني ( الحزب الحاكم)  وهذا إن لم يحدث سنظل في المربع الأول.

* الحكومة استفادت من الصراع داخل “الحركة الشعبية” وتتحدث عن تقارب بينها وعبد العزيز الحلو، في تقديركم إلى أي مدى يمكن أن يؤثر هذا على أزمة الشعبية؟

– موقف الحزب الشيوعي واضح في هذه القضية، وهو أنها قضية تخص “الحركة الشعبية” وقواعدها، وهي المعنية بحلها ولديها القدرة على ذلك ، نعم الآن هنالك قيادتان للحركة بعد تأزم الخلاف،  ونحن موقفنا ظل ثابتاً حتى الآن، ولم نتعامل مع قيادة على حساب الأخرى، والحديث مبكر لتحديد موقف من أي قيادة لصالح الأخرى؛ وكما أسلفت هذا الأمر تقرره جماهير الحركة الشعبية نفسها، في كل الأحوال توازن القوى في المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) وتوازن القوى في إدارة المؤسسات تفرض الأمر الواقع، ومع من يمكن التعامل، و المجتمع الدولي والاتحاد الافريقي، وكل الأطراف المعنية لن تتجاهل أن هنالك قيادتين، وكما اسلفت الوقت مبكر لمعرفة أيهما أكثر تعبيراً عن رؤية الجماهير ويمكن الوقوف بصفها.

*ما الذي حدث في يوم تشيع الفقيدة فاطمة أحمد إبراهيم ،ولماذا تم تغيير مسار الجثمان الذي كان تقرر أن يمر بدار الحزب الشيوعي؟

– المسألة ليست بهذه البساطة ولا يمكن اختزالها في موكب الجثمان ومساره، هنالك جهات كثيرة في مؤسسات الدولة لعبت دوراً، وهذا نلاحظه في إعلان رئاسة الجمهورية تكفلها بنفقات المأتم ، وقد تم رفض هذا الأمر من قبل الحزب، وحلفاء الحزب، في  اللجنة القومية، وقد صدر بيان مشترك في هذا الخصوص، وهذا لتأكيد أن فاطمة تنتمي للحزب الشيوعي اولاً وكل الأطراف التي حاولت أن تعلب دوراً سالباً في المناسبة لم تستطع أن تنسب الفقيدة لأي جهة عدا الحزب الشيوعي، وهذا كان واضحاً على المستوى الاقليمي والدولي وفي الإعلام المحلي والعالمي ، ولم يفت علينا أن الفقيدة لها أسرة وجيران في العباسية ولها علاقات على مستوى القارة الافريقية والمنطقة العربية وعلى المستوى العالمي لدورها وإسهاماتها التاريخية المعروفة. الحزب أدرك هذه الأبعاد وفتح الباب لكل من يريد أن يشارك ولم يستثن أحداً حتى الحكومة، ووجه كوادره بهذا الأمر، وكان الحزب مع كل الوفود، وأصدر بياناً شكر فيه كل الجهات والشخصيات الرسمية والشعبية، التي كان لها دور في اخراج المناسبة بالمستوى الذي خرجت وخاصة هيئة مطار الخرطوم وشرطة المرور بالولاية.

* لكن لم تجب على السؤال، لماذا تم تغيير مسار الجثمان ولم يمر بدار الحزب الشيوعي كما كان معلن؟

– نعم كان هنالك مسار معلن، وهو أن يمر الجثمان من المطار بدار الحزب ثم إلى منزل الأسرة، وذلك لأن الحزب له تقليد ثابت مع قياداته بأن يتم وداعهم الأخير من مركز الحزب، لكن هذا لم يحدث في حالة الفقيدة فاطمة نزولاً لرغبة البعض من أسرة الفقيدة، والحزب لا يريد أن يدخل في خلاف ثانوي لحد كبير حتى لا نفقد مغزى المناسبة، وما حدث في ميدان الربيع من هتاف حين وصل موكب النائب الأول لرئيس الجمهورية بكرى حسن صالح أمر جاء بصورة عفوية من الجماهير التي أرادت أن تعبر عن مشاعرها حينها ليس أكثر.

* الحكومة طرحت مشروعاً لجمع السلاح وبدأت في التنفيذ بولايات دارفور وكردفان.. كيف تقيمون نجاح  الفكرة في ظل وجود مليشيات رفضت هذا الامر كقوات موسى هلال؟

– موقف الحزب الشيوعي واضح في هذا الأمر، وهو أنه يرفض تسليح المليشيات القبلية كبديل للقوات المسلحة، والحكومة تتحمل هذا الواقع، لأنها هي التي خلقت هذه القوات الموازية للقوات المسلحة كالدفاع الشعبي والدعم السريع، وقوات حرس الحدود و جزء منها قوات موسي هلال وبعض هذه القوات قوامها قبلي، وفي تقديرنا أن البلاد لا تتحمل هذه القوات لأنها تعاني من استقطابات أثنية، وبعض القبائل لديها امتدادات في دول الجوار، وهذا ما يفتح الباب واسع لتهديد السيادة الوطنية والأمن القومي، والحكومة هي التي جعلت قضية دارفور تتصاعد بهذا المستوى، لعدم استجابتها لمطالب الحركات المسلحة في وقت مبكر، ما أدى لتفاقم القضية، والأسواء من كل هذا أن مسؤولين كبار بالحكومة كانوا رافضين لمنح أهل دارفور حقوقهم، وقالوا بلغة واضحة أن من يريد هذا الحق عليه أن يأتي ليأخذه بالقوة، وبالتالي الحكومة لم تكن حكيمة في حل الأزمة، واختارت الخيار العسكري لحسم القضية وهو اتجاه غير مجدٍ، ورأينا التجربة في الجنوب، فالتمرد يمكن أن تهزم قواته في منطقة لكن لا يعني ذلك القضاء عليه.

هذه الحركات أيضا لا تستطيع أن تنهي الحكم في العاصمة وهي تقاتل في الأطراف، وبالتالي الأفضل أن نعمل على القضاء على أسباب الصراع ، ولهذا فإن الذي يدفع الثمن في هذه الحرب هو المواطن، ونفتكر أن تجريد السلاح ينبغي أن يكون شاملاً ولا يقتصر على دارفور، فالسلاح يوجد داخل الجامعات السودانية بأيدي المنسوبين للنظام وهو يهدد حياة المواطنين، والآن يجري تراشق بألفاظ شديدة المرارة بين قوات موسى هلال والحكومة، وقد قال زعيمها ( هلال)  إنه مستعد لمنازلة الحكومة، وهنالك حديث لاستقطاب قوات من دول أخرى على أساس قبلي في حال تطور الصراع مع الحكومة، وإذا اعتبرت الحكومة  قوات حرس الحدود قوات شبة حكومية عليها أن تجد سبيلاً لجمع سلاحها حتى لا تجرى صراعاً داخل القبائل، فقد نسمع عن صراع بين شيخ موسى و حميدتي و حسبو وهم جميعهم منسوبين لقبيلة واحدة.

المؤسف أن الحكومة لا توضح للرأي العامل طبيعة الصراع والناس بالتالي ستتابع ما يرد في الأسافير من معلومات وهذا يؤثر على مصداقية ما تقوله الحكومة.

 

 

التعليقات مغلقة.