اغتراب الموج

اغتراب الموج
  • 24 يونيو 2022
  • لا توجد تعليقات

محمد ود قاسم



تخرج إليك ملساء من غير سوء ، تفيض بالدهن الذي يمنحك الدفء وأنت تحتاجه في موسم حصادها البارد . تكون حبات الفول السوداني ناضجة وطرية حين خروجها من غلافها المدفون تحت التراب ، هكذا جعلها الخالق في قرار مكين لتأتيك نظيفة وطاهرة فتحرك غرائزك في امتلاكها ، ثم تقلبها بين يديك فتستمتع بها كعروس لم يمسسها قبلك إنس ولا جان .
والخريف هذا العام كان موسوما بخضرة مزهرة ، ونسمة ندية ذات أريج ، وفتيات القرية كالفراشات يرحن ويجئن بين الترعة وبيوت القرية . والحقول ترسل نوارها فيختلط شذا البساتين فيرسل عبقا كزهر الفل ، فتستحيل الحياة جرة من عسل النحل . والأولاد يتقافزون ، ويهمسون ، ويأتمرون بالجمال والوداعة ، والحياء الذاخر . حياء كحياء حبات الفول السوداني ، تبقى في غلافها حتى يأتيها صاحب النصيب ، فتفيض عليه من شبقها ، فيتلقاها بلهفة من انتظر عشقه الأبدي مكابدا عنت الأيام والشهور .
سيكون محصول هذا العام وفيرا ، وسيتم تحميله في ثلاث شاحنات . وتهافت التجار عليه لن يهزم طموح عبد الرحيم في الحصول على سعر مجز . فهو سيدفع منه المهر، ويستجيب به لكل عادات أهله في الكرم ، والتفاخر . وأبوه يقف بين الناس ، يحلف بالطلاق أن حفل زواج ابنه سيكون مسموعا في كل القرى والفرقان ، وأنه ينوي ذبح ثلاثة عجول من خيرة مراحه .
ليالي الحصاد باردة ، وفئران الليل تمنعه النوم ، لكن لا مفر ، فهو سيبقى هنا إلى جوار جرن الحصاد حتى تعبئه المحصول في جوالات البيع . كلما فتح غلافا وجده يحتضن حبتين من الفول الناضج ، ممتلئتين بالدهن ، فيرسل غناءه في الآفاق ، ليصل إلى أعماق الحبيبة المغلفة برداء الحياء الذي ينضح أنوثة . وعند الصبح ترسل الشمس أشعتها لتمتص تدريجيا رطوبة الغلاف الخارجي لحبات الفول فيكتسب صلابة تجعله يقوى على قسوة الدق وحركة الانتقال ، وكلما ازدادت أيام الانتظار يزداد غلاف الفول صلابة ، ويزداد معها غلاف الحياء صلابة . لكن الأبواب الموصدة دائما تنتظر من ينقر عليها لتنفتح له على مصراعيها فتكشف طواعية عن ما تواريه خلفها .
لم يخب ظن عبد الرحيم بجرن الفول ، حين خرجت من الحقل شاحنات ثلاث كل واحدة تتبع أختها محملات بمائتين وأربعين كيسا من الفول الناضح ، الممتلئ بالزيت . تراقصت آمال عبد الرحيم وهو يجلس إلى جانب السائق في مقصورة القيادة بالشاحنة الأخيرة . غدا يبيع المحصول ، ويعود محملا بوعوده للغالية ، فتفرح أمه ، ويطرب أبوه ، وتكتمل الزينة لتجعله محط أنظار شباب القرية . والمدينة تفغر فاه مصانعها لتعبئ مجهود عبد الرحيم كلّه في صفائح ، وتجعل من بعضه علفا للماشية . وعبد الرحيم لا يهتم إلا بالجنيهات التي ستدخل جيبه وتيسر له فض غلاف الحياء ليستطعم مكنوناته كما استطعم من قبل حبات الفول الناضجة خلف غلافها المتين .
تجّار القرية لم يتمكنوا من قهر رغبة عبد الرحيم في نقل محصوله إلى هناك ليبيعه بنفسه لمصنع الزيوت ، لكن تجار المدينة انتظروه عند مدخل المصنع ، وغمروه بعطائهم ، فأسالوا لعابه ، وملئوا جيبه بالأماني . وعندما قبض عبد الرحيم تلك الرزم من الجنيهات ، فكّر بشراء المدينة . واحتواه كرم أبناء قريته في منزلهم العامر بذلك الحي القصي . واستجاب عبد الرحيم لنداء الأمواج المغتربة ، فما هو إلا موجة تسير باتجاه الريح ، فاستأجر مخبزا ولم يكن بإدارته خبيرا ، لكن ابن عمه الذي سبقه إلى الاغتراب اكتسب خبرة في هذا المجال .
والعمل في المخبز يستدعي وجود عبد الرحيم لأكثر من ثلثي اليوم ، ثم ينام عبد الرحيم ، ليصحو باكرا ليبدأ دورة جديدة في فجر اليوم التالي . بدأت ذاكرة عبد الرحيم تتساقط شيئا فشيئا ، المشي على حافة الترعة ، مراقبة الفتيات جيئة وذهابا بين الترعة وبيوت القرية ، شجرة الطلح الكبيرة وهي تغرس جذورها في قاع الترعة ، حياء حبة الفول ، ونقائها ، وحالة انتظار نضج الحبة وفض غلاف الحياء المتجذر في أعماق ابنة خالته . وخلف بطانيته احتمى عبد الرحيم من برد الشتاء في موسم الحصاد ، ولم تعد فئران الليل في الحقل تزعجه . والآن لا حاجة لعبد الرحيم بهذه الذكريات ، فهنا تسير أموره كدورة قطعة الخبز ، ثم تأتيك طازجة من الفرن إلى مائدتك كاشفة عن حمرة وجهها واستوائها دونما حياء . وفتيات المدينة يقفن حاسرات في صفٍ طويل للحصول على الخبز ، ويتسابقن للفوز بالوصول إلى طاولة عبد الرحيم ، فيبادل الواحدة منهن كلمة أو كلمتين وربما يهفو قلبه لواحدة أو اثنتين فتخرج منه ابتسامة خليطا بين نقاء الموج الخارج من البحر وأدران البر . ويتمدد اغتراب الموج هنا ، وهناك تنضج حبات الفول ، ويقوى غلافها ، فتحتمي به حتى تمتد إليها أيدي آكليها ، فتلقاهم ندية ، نظيفة ، ناضجة . وعبد الرحيم لم تعد تشغله حبات الفول ونضجها ، فهو فقط يفكّر بحبات الخبز المحسّن والتي اعتاد تزيين وجهها بمادة كيميائه قيل أنها تسبب السرطان للبشر .

الوسوم محمد-ود-قاسم

التعليقات مغلقة.