صبري الذئب

صبري الذئب
  • 01 يوليو 2022
  • لا توجد تعليقات

صالح زمانان



من طبائع الشعراء الشهيرة: اللؤم، الأنانيّة، الشهوانيّة، الخيانة، والنميمة. هذا هو الغالب عند كلّ الأمم، ويستوي في هذا صاحب القصيدة العظيمة وصاحب القصيدة التافهة، إلّا أنّ الأخير لا تستطيع قصيدته أنْ تُؤجّل ملاحظة طباعه الهابطة، في حين أنّ الأوّل قد ينال التغاضي حينًا من الدهر.

قلّة قليلة من الشعراء يكونون من أهل المروءة والرِفعة والشهامة. إنهم نادرون للغاية، لدرجة أنهم لن يستطيعوا تشكيل فريق كرة قدم. وفيهم -أيضًا- صاحب قصيدة عظيمة، وصاحب قصيدة تافهة. وهذا الأخير لا تستطيع الرداءة في قصيدته أنْ تُؤجّل ملاحظة علوّه، غير أنّ الأوّل يستريح في عريش الخلود، كلّما قلّت أسباب المروءة كتبَ قصيدة راعفة، وكلّما زادت أسباب المروءة نسيَ القصيد. وبين هذا وذاك؛ حشود من العاشقات البعيدات، ترى كلّ واحدة أنه حبيبها الأحقّ بالمحبّة، وكم تتمنى لو أنه في زمانها ومدينتها.

المهم..

صبري الرحموني، شاعر شهم، ومبدع نبيل، نعم. ومذ عرفتهُ وأنا أناديه بالذئب –”الذيب”- وذلك اتّباعًا لدلالة التشبيه في بوادي العرب، وبعيدًا عن دلالته في شمال الأرض؛ فقد عرفتْ العربُ الذئبَ معرفةً دقيقةً وحاسمة، ومثلهم الهنود الحُمر. وكلاهما سمّى المواليد تيمنًا بالذئب، لكنّ العرب -البدو- تميّزوا بإطلاق لقب “الذئب” على رجلٍ أو صديقٍ بعينه في سياقٍ أو ظرفٍ معيّن، فكما هم يميّزون الذئب عن بقيّة السباع، فإنهم يميّزون من يلقّبونه به عن بقيّة الرجال.

بلى.. الذئب كائنٌ كريم الطباع ونبيل المنسب، وهو مستودع الأساطير الشعريّة وبطلها؛ حتى إنهم -البدو-إذا ما شاهدوه ليلاً يحفر الأودية وحيدًا، قالوا: يأكل الجنّ!

وصبري.. الذئب صبري الرحموني، اجتمعتْ في روحه العروبيّة الأصيلة.. المروءة والأنفة والشهامة، والشِعر العظيم الخالص. إنه من أولئك القلائل الذين لن يحظوا بمباراة كرة قدم. إنه الذئب الذي يكتب قصيدته في أرضٍ غير مأهولة، يبردها بالنيازك ويكسوها بالصاعقة، وليس لها إلّا أن تستقر في أرضٍ ضد النسيان، موعودة بالشهقات، والعرائش.
يقول صبري في قصيدة البداية:

بطعنةٍ في القلب ولدتُ
حاملاً داخلي بذرة الحزن
منذ البداية،
كبرنا معاً في جسد واحد.
تقول سيدة جلست بجانبي:
“عروقك خضراء”!
أقول
أغصان شجرة نمت داخلي،
كاشفًا عن ساقي:
انظري سيدتي ضربات الفؤوس.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ويقول في قصيدته “مسرحية سوداء”:

أُؤَدِّي دَوْرَ المَلِك المريض
في مسرحيةٍ سوداء.
شَعْبِي غاضب،
جَيْشِي بَعيد
وزوجتي دَسَّت لِيَّ السُّمَّ في الكأس.
.
ضوءُ شمعةٍ بجانبي يَرتَجِفُ
مِنْ صوتِ الكمان الذي يأتي
من وراء السِّتار.
ما يُشْبِهُ الشَّفَقَ
يَنْبَعِثُ من جهة اليمين
ومَنْ كانوا مَعِي صاروا عَليّ.
.
مَطْلوبٌ مِنِّي
أَنْ أَحْتَضِرَ في افتتاح العَرْض،
أَنْ أُبَلِّلَ ثوبي الشَفِيفَ بالعَرَق
وصِدْغَيَّ بالدموع.
وأَنْ أَسْتَعِيرَ حُنجرة الغَزال الذَبيح
مِنْ أَجْل زَفْرَتِي الأخيرة.
ثم يدي
تسقط من يَدِ الطَبيب.
.
ورُغْمَ أَنَّ ظُهُوري
لا يَرْبُو عن دقيقة في المشهد الأول،
تارِكًا للأبطال ساعتينِ ونِصْفًا
كَيْ يَتَفَوَّقوا عَليّ.
إلا أنَّنَا بَعد انتهاء العَرض
واقِفِينَ أمام التَصْفِيق جَنْبا إلى جنب.
حُضُوري الخَفيف
مَنَحَنِي لَمَعان الفضّة
في كومة الفَحْم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن قصائد صبري التي أعشق، “جرح في قربة عسل”:

عيناي
حفرتان في جدار خرابة
ينام فيها عقلي المريض
شبيهًا بذلك الغزال الذي يحتضر
في قصيدة لوركا.

أنفي
حلزون محطّم الفؤاد
من حُب حلزونة بعيدة.

أمّا جبهتي
فطاولة شيش بيش منصوبة
أين يلعب النحس والأذى كل ليلة
من سيفوز بي غدًا؟

ورغم محنتي المُرّة
وهواني على الناس
ما زال فمي
كما كان دائمًا
جُرحًا غائرًا
في قربة عسل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • هذه النصوص الثلاثة أعلاه من مجموعة “فونوغراف غير مرئي” لصبري الرحموني، الصادرة عن دار زينت للنشر والتوزيع، تونس، 2022م.
  • الصورة المرفقة، جمعتني بصبري Sabri Rahmouni في مدينة نابل، مايو 2017م.
الوسوم صالح-زمانان

التعليقات مغلقة.