هل ينقلب العسكر على اتفاق جوبا؟!

هل ينقلب العسكر على اتفاق جوبا؟!
  • 30 سبتمبر 2022
  • لا توجد تعليقات

إسماعيل عبدالله

سيندم الموقعون على اتفاق جوبا (للسلام) أيّما ندم، لما ارتكبوه من خطيئة كبرى بدعمهم للانقلاب العسكري الذي نفّذه قائد الجيش، ذلك الاتفاق الصوري الذي حلّت محله صفقة سريّة بين قادة الحركات المسلحة وبين قائد الجيش ونائبه وبقية العقد الفريد من العسكريين الممثلين لسلطة الأمر الواقع، وتأكيدنا على حتمية ندم (أبطال) اتفاق جوبا في آخر مطاف المهزلة، هو خصيصة الغدر الملازمة للعسكر منذ حدوث الانقلاب الأول والتلون والتبدل والحربائية، التي يقتاتون على ميكيافليتها في السيطرة والاستحواذ على مقاليد السلطة، وما دعانا لذكر هذا الاحتمال هو الوضع البائس الذي يعيشه رموز التوافق الوطني المندغمين مع العسكر (الذين لا أمان لهم)، لكن لا عذر لمن أنذر، فقد نصح بعض المقربين من القيادة العليا للجبهة الثورية – الاسم الجامع لفصائل اتفاق جوبا – رموز هذه القيادة العليا، بعدم الانسياق وراء وعود العسكريين وضرورة الاتعاظ بتاريخ العلاقة غير السويّة بين الانقلابيين والحزبيين، لكن وبحسب مدلول المثل السوداني: (كلام القصير لا يُسمع)، والقصير هنا ليس بالضرورة الرجل المنخفض القامة، وإنّما هو الأقل مكانة في التنظيم والتراتيبية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ودائماً ما يرجع المخطئون لقول هؤلاء القصار بعد أن يحمى الوطيس ويفوت الأوان، فهذه الاتفاقية الصفوية الانحيازية المفرغة من مضامين نصوصها الجميلة نظرياً، تحتضر الآن.
اتفاقيات السلام المنعقدة بخصوص تحقيق الأمن والاستقرار في المثلث الملتهب – دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق – تفقد بريقها وألقها إذا لم تلامس واقع المكتوين بنار المعاناة التي دعت لعقد هذه (الصفقات)، فالضامن الأوحد لهذه التعاقدات والتعهدات هو النازح واللاجيء الذي هُجّر وقضت آلة الحرب على بيته ومزرعته وعائلته، وليس رجل الدولة الحاكم في الخرطوم الذي لم يهتم لموت الملايين بجنوب البلاد من قبل، فالوقود الدافع لعجلة الوجود الشرعي للذين يدّعون تمثيل اللاجئين والنازحين وسكان المناطق المنكوبة، هو تضامن هؤلاء القاطنين لمخيمات الذل والهوان ومعهم المواطنين المقيمين بالأرض التي رفع شعارها (المناضلون)، من أجل إزالة التهميش ووقف المظلمة التاريخية الطائلة للمساكين المُتاجر بقضيتهم في محافل انعقاد الصفقات العلنية والسريّة، فلن يكون هنالك مسوّغ أخلاقي وقانوني لوجود شخص بالسلطة، في حال زوال الحجج التي أتت به إلى هذا الموقع المتقدم في الهرم الإداري للدولة، وكغيرها من الاتفاقيات المغرضة ذات الأجندة الخفيّة، احترقت أوراق السلام المُفترى عليه من قبل في المساحة الواقعة بين شارعي النيل والبلدية بعاصمة البلاد، ومن المحزن أن الوصولية التي يمارسها المتشدقون باسترداد الحق المسلوب وإعادته لأهله، قد خلقت في الأنفس البريئة بمناطق النزاع بغضاً وكرهاً لكل أفندي مربوط العنق يتحدث عن الضمير الانساني.
الضمور التأييدي والإحباط الشعبي وسط مجتمعات المثلث الملتهب – دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق – شجّع العسكريين على عدم الاستجابة للوفاء بأجندة الاتفاقيتين السرّية والعلنية، وهيّأ الساحة للمناورة والمماطلة مثلما كانوا يفعلون في عهد الدكتاتور، الذي أدرك محددات سيكلوجية الانتهازيين المستغلين لمأساة أهاليهم في الحصول على الوظيفة العامة، فشاهدنا كيف تم استدراج رياك مشار إلى مجلس تنسيق الولايات الجنوبية عبر اتفاقية الناصر، التي لم تناصر الحق الجنوبي إلى أن أتى جون قرنق بنيفاشا التي وضعت حداً لأطول حرب أهلية بأفريقيا، واليوم ذات الممارسة آخذة في الإعادة والتكرار مع النّخب الوصولية بالمثلث الملتهب، فبعد أن قام العسكر بتوريط جماعة (سلام) جوبا في فخ الانقلاب وماطلوهم في تنفيذ بند الترتيبات الأمنية، ستكون الخطوة القادمة إخراجهم من الحكومة عبر التسوية الأممية المرتقبة، التي سوف تساوي بين الغريمين – المجلس المركزي والتوافق الوطني، ويجب أن يُقرأ هذا التحليل مع الخط المهادن الذي أبداه عرّاب اتفاق جوبا – نائب قائد الانقلاب – مع دعاة المدنية الرافضين للانقلاب من يومه الأول، فلن يجدي (التوافقيين الوطنيين) التلويح بعصا العودة للتمرد، لأن التمرد لابد وأن تسنده الحواضن الاجتماعية، وكما هو ملحوظ قد لعب الاعلام المضاد لصفقة جوبا دوراً فاعلاً في تحييد المجتمعات التي لم ترى نفسها في مرآة اتفاق جوبا.

اسماعيل عبدالله
ismeel1@hotmail.com
29 سبتمبر 2022

التعليقات مغلقة.