حكايات فارسكى و النيل
رغم مرارات الغدر قالت تبت يداك ثم تدثرت بالعشق

حكايات فارسكى و النيل <br> رغم مرارات الغدر قالت تبت يداك ثم تدثرت بالعشق
من أطلال فارسكو
  • 17 يناير 2023
  • لا توجد تعليقات

محمد يوسف وردي

الذين رأوا ( فارسكى ) تجلس على عرش البهاء مليكة ,صولجانها النخيل وتيجانها الحقول وبساطها الجنات وحراسها أولئك النشامى طويلى القامة ,لا يعرفون التاريخ الطويل من المرارات التى تعايشت معها فى كبرياء . فقد تعرضت للخيانة القاسية من صديق هو أقرب اليها من نبض القلوب . لقد طعنها النيل عدة مرات من الخلف فقاومت و استبسلت وبقيت فى المقدمة ,ثم اختارت التسامح معه رغم غدره لأنها كانت تنشد مستقبل الأحفاد ومجدهم وسعادتهم,
أكثر الناس لا يدركون أن الحد الغربى المحازى لنيل فارسكى ماهو إلا صنيعة غدر النهر الجارف المعروف باسم ( الهدام ) أى النحر, وإن قصر جدنا محمد أحمد يوسف الذى وجدناه على حافة النهر فى أيامنا كان بينه وبين النيل فى الماضى مسافة تربو عن الكيلو مترين مغطاة بصفوف النخيل الكثيفة التى تتخللها اراضى الزراعة والبيوت .. اختفت النخيل وابتلع النيل كل تلك المساحة من الأرض خلال هجمات متوالية عبر السنين.
وقد سمعت عن هذه المأساة لأول مرة فى الزقازيق فى منتصف الثمانينات من خال والدى محمد نور المعروف باسم ( أرو ) – والذى خرج من البلد فى سن مبكرة – حيث سألنى فى سياق الحنين للبلد : كيف تبدو صفوف النخيل غربى قصر جدكم محمد اجمد يوسف ؟!! ولما رأى الدهشة تعلو وجهى ، قال متحسرا إن منظر النخيل ما يزال يسكن روحه وأنه يحتفظ فى بنك الذاكرة بصور المراكب التجارية الضحمة ( بيليك ) -والتى يفوق عددها العشرين -المملوكة لسر التجار ميرغنى محمد احمد والراسية على شاطئ النيل كأحد تجليات المكان وحيويته على وقع أصوات بحارة تلك المراكب القادمين من شتى مناطق المحس لنقل البلح إلى مصر والبقوليات الى أمدرمان ،وقال : رغم أننى تركت المنطقة يافعا منذ عشرات السنين إلا أننى لا أزال أتذكر أنهم كانوا يحكون عن عالم ضخم ابعد مما رايت ويشمل حقول القمح المترامية والمتاخمة للنخل التى كانت على مد البصر تلمع تحت أشعة الشمس الذهبية وان المسافة بين شاطئ فارسكى وجزيرة بجبوج كانت بضع أمتار فقط بحيث يمكنك أن ترمى حجرا نحو قلب الجزيرة وأنت جالس فيصله فى ثانية !!!! ولا يخفى على فطنة القارىء أنه يتحدث عن صفوف قليلة من النخيل لأن أغلبها كان قد قضى عليها قبل مولده بسنوات طويلة ، ثم ولدت أنا بعده بأقل من سبعين عاما ولم أجد حتى تلك الصفوف القليلة ، فتأمل !!

من الناحية التاريخية معروف أنه وحتى قبل مجئ جدنا محمد أحمد يوسف من كُلُّوبْ فى سدلة وزواجه من سكينة همت لم تقف الأخيرة مكتوفة الأيدي خاصة إبان الفظائع التى ارتكبها الدراويش الذين كانوا ضمن جيش ود النجومى وكادت هى نفسها ان تكون إحدى ضحاياهم لولا الذكاء الذى اكتسبته من عبقرية المكان ، فقد أعملت كل طاقتها لإرساء دعائم فارسكى الجديدة .وقال لى الفيلسوف صالح سروج الذى كان شديد الإعجاب بشخصية سكينة أنها كانت مستوعبة للماضى بكل سوءاته وانها أجبرت من معها على الدخول فى الحاضر بجرعة كبيرة من الوعى الذاتى وقال أنه فى طفولته كان شديد الالتصاق بسكينة ابنة خالة والدته ورأى كيف كانت تسيطر عليها ثقافة مهووسة بالمستقبل تجبرها على التركيز على الإنجازات .. كانت فارسكى شيئا مركزيا فى عالم هذه السيدة العظيمة ما جعل كل واحد من الذين جاءوا من بعدها يتوق الى ماضيها الاسطورى ويتمنى اعادة الساعة الى الوراء . لقد ظل ماضيها يفيض ويغمر الاجيال المتعاقبة , ولم يتوقف تاثيرها عند أبنائها وحدهم ولا ذويها الذين قربتهم الى جوارها ولا كل أبناء الناحية بدون فرز الذين وفرت لهم فرص العمل وكان نتيجة ذلك أنها جعلت الجميع يرون أنفسهم فى فارسكى فصارت جزءا منهم. قيمة هذه المليكة أنها جعلت أهل فارسكى يشعرون بقيمة المكان ولا غرو أن الجميع حتى بعد مرور عشرات السنين على رحيلها ينظرون إليها اليوم باعتبارها العمود الأساسي فى هوية فارسكى وذاكرتها .
كنت أعرف أنها كانت ترتبط بوشائج بمعظم أهل أقترى السابقين من حيث قرابة الدم .لكن فى المرة الوحيدة التى قابلت فيها العالم بالأنساب مولانا محمد عثمان فقير والد الدكتور مرتضى وإخوانه طلب منى أن أعيد مصافحة رجلين ضمن جمهرة من أهل الغرب كانوا فى معيته وقال لى أن أحدهما جدك عن طريق سكينة همت والآخر عن طريق محمد أحمد يوسف وقال أيضا إن عائلة ( عطية ) فى شدة هم أقرب الناس لسكينة.
ويكفى أن نعرف أنها لم تنفصل عن محيطها الحيوى فى فارسكى القديمة رغم انغماسها فى التجارة والاقتصاد ،وأتذكر أن مرسى حامد قال لى مرة أنها كانت مدار المعانى الانسانية ومحور الافكار والرأي السديد دون أن تخفى أدق عواطفها وبواعث أفكارها وأحاسيسها بالذات مع أقربائها وقال أنها وفرت فرص العمل له ولشقيقه علينتود ورهط من أبناء مشيرفة وهم بعد صبية لصلة الرحم .
والشاهد أن المحيط المجاور لها كان ممتلئا عن آخره باقربائها. ويبدو أن المكان كان مكتظا بالفعل ,فقد رأينا أطلال البيوت التى كانت عامرة يوما . ومعروف انها قبل الزواج كانت تعيش فى بيت مشترك مع بنت خالتها امنة خلاص والدة صالح سروج, كما أن عثمان دونة ابن عمتها شيد بيتا الى الجنوب منها بخطوات بينما على شمالها كان بيت أقربائها عالية عثمان والدة أيوبيه وبيت والدة أحمد فانة ورهطها من الفرجاب جماعة زوجها ( فانة ووالدة فقير عمر وابو على فضل من أقرب الأرحام لسكينة عن طريق أمها ويرثن معها فى أرض فارسكى ) . والى الجنوب الغربي منها كان بيت طه قرفوج والد محمد وسيد احمد ومصطفى وجذبت سكينة ايضا الى جوارها أوشارى ومكة ومعهما جميع العكوداب . وتلك بيوت تشبه فى بساطتها ناسها الذين كان متاحا لهم التمتع بمنظر النيل وبالافق الاخضر الممتد من جهة الشرق بفوله وقمحه … ويا طارق البيت رفقا حين تطرقه .. فانه لم يعد فى الدار أحباب . ولترحم الدار لا توقظ مواجعها … للدور روح كما للناس أرواح .مع العلم بأن هذه الصورة تعكس فقط فارسكى فى بداية القرن العشرين اما ماعداها بالذات ما يتعلق بالماضى البعيد أى البيوت وأصحابها الذين كانوا يعيشون على ضفة النيل قبل الهدام فهو أمر بات منسيا نسبة لغياب التوثيق.


حتى تسعينات القرن الماضى كانت أطلال البيوت حول بيت سكينة موجودة ورغم غياب أصحابها فان الجلبة التى عرفت بها كانت تعود لأرجائها من حين لآخر بصورة تجعل المرء يتساءل إن كان من قبيل الصدفة التاريخية ،وجود طين ( الرواق ) الذى يستخدم فى تنقية مياه الشرب العكرة فى موسم الفيضان فى ذلك الجزء من فارسكى دون غيره ،بما يصنعه من حشود تقصده فى كل يوم ليس من ناس الناحية وحدهم بل من الأماكن البعيدة شرقا وغربا, ونفس الشئ يمكن أن يقال عن مشروع أقترى الزراعى الذى بات مصدر ضجيج فى ذلك الجزء أيضا بعدما ران الصمت عليه عقب انتقال جدى إبراهيم آخر الراحلين من فارسكى القديمة للعيش فى بيت إبنه محمد الكائن فى أقصى الشرق. وعلى ذكر جدنا إبراهيم فقد كان معروفا ان الحنين الى فارسكى القديمة كان يطارده ويثير شجونه وأنه حتى وفاته كان يحملها وشما فى صدره ,يذهب اليها مرتين فى اليوم ,اول الصباح واخر النهار وكنت تراه أحيانا على الوضع الراقد بجوار بيت شقيقه ميرغنى يناجى طيف من رحلوا وأحيانا كنت تجده منهمكا فى رسم خطوط على الأرض عندما تطفو الذكريات المنسية ربما ،وكأنه يقول أن ذكريات أيام فارسكى الزاهرة لا يمكن دفنها,ومعروف انه نقل مسئولية عشق فارسكى لإبنة شقيقه فاطمة سيدى وشقيقها مبارك فحملا صورة فارسكى على جدار ذاكرتهما حتى الموت .وكان مبارك يردد دائما ان كل من عاش فى فارسكى سواء من السكان الاصليين او القادمين للعمل فيها كان يتميز بالفرح والرضا ، ليس فى قاموسهم شئ اسمه المعاناة من القلق وعدم الأمان كما هو حاصل فى البلاد الأخرى. بينما كانت فاطمة سيدى لا تذكر اسم جدتها سكينة الا مقرونا بلقب الكونتيسة !!
وهكذا فى كل عام كان النيل يخرج سكاكين الغدر ويطعن بها فارسكى ,حتى فى الماضى القريب أذكر ونحن طلاب فى المرحلة المتوسطة فى نهاية السبعينات أن النيل أخذ معه فى إحدى هجماته الشرسة العشرات من النخيل المثمرة فى الناحية وكانت إحداها بنت مودة مختالة كانت بمثابة طعم الحب الأول عندى وذهبت مبكيا عليها. وفى ذلك الموسم حضرت جهات حكومية لرصد الخسائر وتقدير التعويضات وأذكر ان واحدا من الوفد قال لنا إنه يشعر بالتعب وهو يحصى أشجار النخيل التى فقدناها .فعاجله جدى محجوب بقوله ماذا أنت فاعل لو قلنا أننا نريد إحصاء لآلاف النخيل التى التهمها النيل فى الماضى وقال له أيضا إنكم تتحدثون عن تعويض عن عشرات النخيل التى خسرناها فى هذا العام فقط, فما بالكم لو طالبنا بتعويض عن الالاف من النخيل ؟!! .والشئ بالشئ يذكر فقد رزئ المكان فى الموسم ذاته بكارثة غرق الطلمبة الزراعية الكبيرة من حجم عشرة خيل فى ليلة كشر فيها النيل عن أنيابه .غادر المزارعون المكان ليلا وهم مطمئنون نسبة لبعد المسافة بين الطلمبة والنيل وجاءوا فى الصباح الباكر ليجدوا ( وابور قيل ) – اى الاحمر وهو اسم الدلع كناية عن لونه -فص ملح وداب ما أدى لإلغاء الموسم الزراعى الشتوى برمته رغم حاجة المزارعين الفقراء للمحصول .ولا يغيب عن الذاكرة منظر نزول هؤلاء النشامى للنيل بعد انحساره للبحث عن الطلمبة وبينما فشل الكل فوجئ الناس بمحمد قرشى يخرج الى سطح المياه مثل الدولفين رافعا بكلتا يديه طارة الطلمبة التى لايقوى على حملها عشرة رجال لثقلها المتناهى .
يظل الغدار مكروها من الجميع لكن النيل ظل على الدوام محبوبا ومعشوقا فى فارسكى رغم حماقاته المتكررة. وربما لهذا السبب لم يجأر أجدادنا بالشكوى ولم يندب أحدهم حظ المكان التعيس الذى يوجد جزء غال ونفيس من تاريخه تحت المياه . ورغم هذه السماحة فان مجرد ذكر النيل فى حضور الأجداد كان كفيلا باطلاق موجات من الذكريات والتجارب المؤسفة من أعماق الذاكرة وعل اسوأها على الاطلاق هى حادثة غرق خالنا ( صلاح سيدى) فى النيل أثناء لعبه الطوطحانية مع أقرانه من أطفال الناحية . كان النيل ممتلئا وكانت النخلة التى يستخدم سعفها فى ربط اللاعب قريبة من حافة النيل وعندما قام زميله
محمد ناسة إبن أحمد فانة وست الناس فضل -شقيقة عمر وابوعلي فضل – بدفعه باتجاه صفحة المياه كالمعتاد تمزق الجريد وهوى بصلاج الى لجة النهر .
ومما فاقم من المأساة أن الاطفال لم يقوموا بإبلاغ الكبار بسرعة خاصة وأن والده سيدى كان متواجدا فى دكانه غير بعيد منهم، وقيل أن محمد ناسة الذى كان أبكما وأصما هرول نحو سكينة همت وأومأ لها بإشارات فلم تفهم ونادت على الناس لكى يفسروا ما يحاول قوله ، وفى خاتم المطاف لم يلحقوا صلاح ولم يعثروا على جثمانه !!
وفى سياق العلاقة المرتبكة بين النيل وفارسكى يروى الناس هناك الحادثة المحزنة التى أسفرت عن غرق السيدة عائشة والدة ضكر والخير ويو سالى , ويقولون أنها بعد إنهاء عملية الحجامة لسكينة همت ذهبت للاغتسال فى النيل وعندما تاخرت خرجت دولت التى كانت تلازم سكينة للبحث عنها فلم تجدها وأبلغت الرجال بغيابها فهرول الجميع نحو النيل ليفاجأوا بوجود اثار إنزلاق فى الماء وبجوارها طرحتها والمأساوي ان جثمانها لم يتم العثور عليه رغم البحث المضنى … و أذكر أيضا أن فارسكى عاشت أياما سوداء عندما غرق ممدوح لبيك فى السبعينات ورغم أن الحادثة وقعت فى ( ستور) إلا أن تأخر العثور على الجثمان أضاف بعدا أخر للماساة كان أثره ظاهرا فى وجوه نساء ورجال فارسكى الذين رابط بعضهم فى مكان الغرق بينما بقى البعض يترقب عودة المجموعة التى اتجهت شمالا بقيادة عمنا خيرى يوسف للبجث عن الجثمان فى تروس وتوندى. غير أن الجثمان خرج الى السطح بعد ثلاثة أيام من نفس موقع الغرق .
وبعد ذلك بسنوات قليلة أذكر أن النيل كان قد نفذ محاولة فاشلة لاختطاف كريمة شرف الدين على موسى التى جاءت من سنار برفقة أسرتها لقضاء الإجازة الصيفية . وهكذا نزلت ذات يوم بصحبة بنات الحى لجلب الماء من النيل ثم انزلقت قدمها فجأة ليجرفها تيار النيل القوى ,لكن حسن تصرف البنات كتب لها عمرا جديدا حيث أرسل البعض منهن نداءت استغاثة بصوت عال بينما سار معها البعض يتابعها عن قرب وتمكن فريق منهن من صنع حبل متين من الطرح استخدم فى سحبها للبر بنجاح .وحقيقة يبدو الشعور بالحنين الى الماضى اكثر تعقيدا لا سيما عندما يرتبط بالنيل ..لذلك فان الشوق والرغبة فى العودة الى الماضى يقوم على عناصر على راسها العلاقة مع النيل بجمالها وغناها وحزنها وارتباكها.فالنيل كان ولا يزال مصدر مياه الشرب وكان الناس يغسلون ملابسهمم فيه فيما مضى بالاضافة الى الزراعة ولذلك كانت الساقية التى تتوسط فارسكى بمثابة مكان للترويح بالنسبة للشباب على مر الاجيال بخاصة بعد استقدام المزارعين الصعايدة فى اكثر فترات فارسكى تألقا .وهو وسيلة مواصلات أساسية لنقل الناس والحبوب والأعلاف علاوة على أنه مصدر مواصلات عامة واذكر اننا كنا فى طفولتنا نتبع ادم قدار رئيس المركب وهو يتجول من بيت الى بيت فى فارسكى لجمع قيراط البلح الذى يعد بمثابة اشتراك يتيح لصاحبه استخدام المركب . ونيل فارسكى رغم صخبه فى موسم الدميرة كان يكثر فيه اللهو الحذر وصيد السمك , لكن عندما يعود النهر لسكونه وهدوئه فى الصيف يتغير لون الماء الى صاف رقراق يغرى الناس بالتدفق اليه خاصة بصحبة الشخصيات التى تنشر المرح بخاصة وانه لا توجد فيه ولا صخرة كالتى توجد فى مشيرفة . التحية لنساء ورجال فارسكى الذين رحلوا فقد كانت نبوية شرفنتود تحكى أنها وصويحباتها كن يقطعن المسافة بين جزيرة بجبوج والشرق وهن يحملن على رؤسهن عشاء البهائم.فما أعذب الشوق والرغبة فى العودة لماضى فارسكى .
وليت آلة الزمن تعيدنا الى هناك بين النهر والتلال لنطفى نشوة الاشتياق ونعود إلى طفولتنا لنلتقط كل ذكرياتنا وفاء لذلك المكان الرائع !!!!
الصور: أطلال فارسكى القديمة
( نتابع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*