هل تندلع حرب أهلية شاملة في السودان؟

هل تندلع حرب أهلية شاملة في السودان؟
  • 05 فبراير 2024
  • لا توجد تعليقات

فتحي الضَّو

الفصل الثالث من كتاب (الطوطم)

قبل أن نقرأ:

هذا هو الفصل الثالث من كتاب (الطوطم) والذي نُشر قبل اندلاع حرب الجنرالين بثلاثة أشهر، وقد ارتأينا إعادة نشره للمرة الثانية دون إجراء تعديلات فيه لربما وجد فيه الذين ما زالوا يتساءلون عن الكيفية التي بدأت بها الحرب مُبتغاهم. علماً بأنه جرت متغيرات كثيرة على الأرض، ولكن يظل سؤال البداية قائما. ومن المفارقات أن هذه الحرب حُظيت بأكبر عدد من النعوت والأوصاف، مرة الحرب العبثية وأخرى الكارثية وثالثة المأساوية ورابعة الغبية في حين أنها محض حرب مكشوفة كم يقول هذا الفصل. والذي نعيد نشره لعل الإعادة تنفع الغافلين!


قد يبدو سؤال العنوان هذا مُرعباً للمِثاليين Idealists، وكذلك للواقعيين Realists، أو حتى لأصحاب الفلسفة الذرائعيَّة Pragmatists، ولكنه ليس كذلك بالنسبة لعوام الناس أو الشعبويين Populists، الذين يُعِدُّون مُستلزمات الحرب الأهليَّة وهُم لا يشعرون. ذلك ما يبدو جلياً في كتابٍ صدر العام 2022م للكاتبة الأمريكيَّة ذائعة الصِّيت بربارة والتر، ونُشر بعنوان رئيس ابتدرته بتساؤل افتراضي: “كيف تبدأ الحروب الأهليَّة؟”، وآخرٌ فرعي مُتسائل أيضاً: “كيف يمكن إيقافها؟”. والكتاب يتحدَّث عن حالة تمُرُّ بها المُجتمعات المُختلفة، وهي ما سمَّته “الديمو سلطوية Anocracy”، أي الحالة الانتقاليَّة التي يكون فيها المُجتمع (الدولة) مُتحوِّلاً من الوضعيَّة السُلطويَّة بأشكالها النمطيَّة المُتعدِّدة إلى تصوُّرٍ مُعيَّن لنظامٍ ديمقراطي. وتسترشد الكاتبة بدُولٍ في المحيط “العالمثالثي” التي حاولت الانتقال من السُلطويَّة إلى الديمقراطيَّة، فأنتجت نوعاً من الصِّراع الطبقي الاجتماعي، الذي يقود في الغالب إلى حربٍ أهليَّة. وبالتالي ذلك يعني عودة السُلطويَّة بثوبٍ جديد. ولم تجد الكاتبة كثير عناء في استدعاء النموذج الإثيوبي، حيث لفت آبي أحمد الأنظار بطريقة جاذبة، وقام في فترة وجيزة بإصلاحاتٍ ديمقراطيَّة بَرَعَ في توصيفها أحد المسئولين الأمريكيين بقوله: «إنه حقق أكثر أمنياتنا جموحاً»، على حد اقتباس المُؤلفة، وبموجب ذلك استحقَّ منحه جائزة نوبل للسَّلام عن جدارة. لكن ما لبثت تلك الإصلاحات أن استنهضت المارد النائم، وهي المُعارضات العرقيَّة والإثنيَّة والمناطقيَّة في قُطرٍ يُطلق عليه “متحف القوميات”، فقادت في النهاية إلى حربٍ طاحنة كادت أن تلتهم الإصلاحات التي تاق لها الإثيوبيون.

بعضُ المُراقبين يعتقدون أنَّ الحروب الأهليَّة حِكرٌ على دول العالم الثالث، أو بتعبيرٍ آخر، الدول المُتخلِّفة، ولا تندلع في البلدان الناضجة ديمقراطياً، أو بتعبير آخر: الدول المُتقدِّمة. لكن ذلك ليس صحيح كلياً. فهذه الدول المُتقدِّمة شهدت في ماضيها حُرُوباً أهليَّة أشدَّ فتكاً عمَّا نعيشه في عالم اليوم. ولكن تلك الدول تجاوزته بتقادُم الأزمنة وتصالحت مع حواضرها، غير أنَّ هناك حالات نشاز، فمثلاً الحرب التي اندلعت بين روسيا وأوكرانيا اتضح أنها ذات أهدافٍ خفيَّة رغم علنيَّتها، من بين ذلك قد تكون ماضية في اتجاه حرب تطهير عرقي في القُطرين معاً في حال تطاوُل أمَدِها، واستدعت غبائن التاريخ.

في التقدير، أنَّ كثيراً من الخُطوط تلاشت في عالم اليوم، فقد تضاءلت النظريات وتخالطت المُسلمات، وهذا ما ذهبت إليه والتر في كتابها وضربت في ذلك مثلاً بالهند. ففي عام 2014م، ولأوَّل مرَّة منذ ثلاثين عاماً يحصُل حزبٌ على الأغلبيَّة ويصل ناريندرا مودي إلى الحُكم، وكان في شبابه قد انتظم مع إحدى الجماعات الهندوسيَّة المُتعصِّبة، وتحت الشعار الشعبوي “الهند للهندوس” تمكن عدد من المتعصِّبين من الإمساك بالسُّلطة، حتى أنَّ رئيس وزراء أكبر ولاية هنديَّة إنتربرادش المُنتمي للحزب، وصف المُسلمين الهُنود بأنهم: «حيوانات تمشي على رجلين»، وتغيَّرت أولويات الدَّولة الخدميَّة بشعاراتٍ جذبت المُتعصِّبين، وبهذا عاد مُودي من جديد إلى الحُكم في عام 2019م، وأصبح الأمن لطائفة كاملة من المُواطنين مُهدَّداً.

لعلَّ أكثر فصول هذا الكتاب إثارة، هُو ما أشارت إليه الكاتبة في الدراسات التي تمَّت لاستكشاف العناصر التي تقود إلى الحُرُوب الأهليَّة، خرجت الدراسة باثنين وثلاثين مُؤشراً يمكن أن تقود إلى حرب أهليَّة، إن وُجدت معظمها في قطرٍ ما، ومنها الفقر، والنظرة العرقيَّة أو المذهبيَّة، حجم السُكان، عدم المُساواة، الفساد، غياب العدالة، التهميش لقطاعٍ من المُواطنين. وهُنا لو صحبنا بعض تلك العوامل اليوم بالنسبة للسُّودان، سوف نُذهَل عندما نصل لنتيجة أنَّ هذه العوامل تُشكِّل 90% من المشهد السُّوداني الرَّاهن. ليس ذلك فحسب، وإنما إدراك هذه العوامل يكون صفراً بالمائة للنُخب الماضية في بُحُور اللامبالاة والتردُّد والخوف، وتفتقر للبرنامج الوطني، فتقِلُّ الثقة بها، لأنها تخلق رابحين وخاسرين، وكلَّما كبر حجم الخاسرين، اقترب إشعال الزناد لحرب أهليَّة، كما أنَّ الإصلاحات البطيئة تسبب عدم اليقين لدى النُخب، وخاصة إن تزامنت مع سياسات اجتماعيَّة واقتصاديَّة خرقاء.( )

غير أنَّ العنوان بصيغته الواردة: “هل يمكن أن تندلع حرب أهليَّة؟” لا يُعبِّر تماماً عن الواقع السُّوداني. ذلك لأنَّ الحُرُوب الأهليَّة في السُّودان ظلَّت دائرة فيه منذ الأزل وحتى يومنا هذا. ولسنا بصدد الخوض في دهاليز التاريخ لنفي أو إثبات ذلك، إذ تكفي النماذج التي صاحبت دولة ما بعد الاستقلال، حيث شهد جنوب السُّودان أكبر مثالٌ لحرب أهليَّة بامتياز، وكذلك كانت الأطول في القارة الأفريقيَّة، وأهدرت من الموارد وجلبت من الخسائر الماديَّة ما يصعُب حصره. وقد استخدم نظام الطَّوْطَم الإسلاموي أكثر العناصر حساسيَّة في الحُرُوب الأهليَّة وهو عُنصُرُ الدِّين، إلى أن انتهت “الحرب الأهليَّة الجهاديَّة” بانفصال ذلك الجُزء العزيز من أرض الوطن.

المثال الثاني، والذي استخدم فيه ذات النظام أكثر العناصر حساسيَّة أيضاً، وهُو الحرب في دارفور. حيث وجَّهت المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة ثلاثُ تُهم غليظة لرئيس النظام البائد ورهطه، وهي: جرائم حربٍ، جرائم ضد الإنسانيَّة والإبادة الجماعيَّة، وهي تُعتبرُ سنام الاتهامات المُوجَّهة ضد رئيس دولة، غضَّ النظر عن شرعيَّته. وحرب دافور بالرَّغم من أنه مضى عليها أكثر من عقدٍ ونصف، والنظام الذي أشعلها ذهب إلى مزبلة التاريخ، إلَّا أنَّ تداعياتها ما تزال مستمرَّة، وكما أشرنا من قبل، ليس هناك إحصائيَّة يُعتدُّ بها في عدد الضحايا، لكن مع كل ذلك لا تعترف النخبة السُّودانيَّة بأنها حربٌ أهليَّة، كان وقودها الناس والزرع والضرع.

غالب الظن عندما تتحدَّث النُخب السُّودانيَّة عن حرب أهليَّة واحتمالات حدوثها من عدمه، كما في العنوان أعلاه، يكون المقصود في عُرفها هو الوسط النيلي، وبدقَّة أكثر العاصمة الخُرطوم وضواحيها. وفي الواقع فإنَّ الخيار وبشاعته يُسألُ عنه بالدرجة الأولى نظام الحركة الإسلامويَّة، الذي جلب الكوارث للوطن منذ تسنُّمه سُدَّة السُّلطة، جعل خلال تلك السنوات كل مستحيلٍ مُمكن. أمَّا الآن، في ظلِّ النظام “الهجين” الحالي، الذي هو امتدادٌ للنظام البائد، فإنَّ الاحتمالات صارت أكثر قُرباً وواقعيَّة بالنظر للقنابل الموقوتة التي تركها ذلك النظام خلفه. والصِّراع حول السُّلطة منذ أبريل 2019م، عام سقوط النظام الإسلاموي. ولعلَّ السُؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما الذي جعل الحديث عن حرب أهليَّة يزداد أكثر من ذي قبل؟ وما الذي جعل احتمالات حدوثها ماثلة بحُكم مجريات الأمر الواقع؟

إن الإجابة المباشرة على هذه الأسئلة تكمُنُ في عاملٍ واحد، وهو الذي دخل الحياة السُّودانيَّة على حين غُرَّة حتى فرض نفسه كعامل ليس منه فكاك، وهو قُوَّات الدَّعم السَّريع. والتوتر الخفي بينها وبين القُوَّات المُسلَّحة. حيث كاد هذا التوتر يتحوَّل في أحايين كثيرة إلى حربٍ والناس عنه غافلون. وبين أيدينا ثلاثة نماذج كادت العاصمة فيها أن تتحوَّل لرماد تذروه الرياح.

• الأولى: يلحظ الناس “سواتر” محشوَّة بالرَّمل والحصى أمام مبنى القيادة العامَّة في الخُرطوم على مدى محيطها. وهي عمليَّة تأمينيَّة بمشورةٍ من الاستخبارات العسكريَّة في أعقاب أوَّل توترٍ مشهود بين قُوَّات الدَّعم السَّريع وقُوَّاتٍ من المُدرَّعات في الأسبوع الثالث من يوليو 2019م، أي بعد الإطاحة بالنظام البائد بنحو ثلاثة أشهر، متسبِّبةً برفضها تدخُّلات قُوَّات الدَّعم السَّريع وتشابُك مهامها مع القُوَّات المُسلَّحة وتمدُّدها، الذي أثار حفيظة جنرالات العقيدة العسكريَّة على جنرالات العقيدة الخلويَّة..

بدأ التوتر أساساً في سلاح المُدرَّعات بمنطقة الشجرة. عندما انبرى قائدها اللواء نصرالدين عبد الفتاح بالرد على مخاطبة مستفزَّة قام بها الجنرال محمد حمدان دقلو، كانت توحي لكأنما قُوَّاته ستكون بديلاً للقُوَّات المُسلَّحة. وجاءت المخاطبة أو ما سُمي تنويراً عسكرياً، بعد نشر قُوَّاتٍ من الدَّعم السَّريع في منطقة سوبا وفتاشة ومفاصل العاصمة المُثلثة، وسيطرتها على منافذ الوحدات العسكريَّة المُختلفة، بما في ذلك مبنى القيادة العامَّة ووزارة الدفاع وهيئات الأركان المُلحقة به، في إجراءٍ كان يُوحي لناظره بقُدُوم ريحٍ صرصر عاتية في الطريق.

من جانبه، أفصح الفريق ياسر العطا عن وقائع ما حدث بنفي خلاف بينهما، ولكن بتأكيد حُدُوث الرواية نفسها بصيغة أخرى، حيث قال لصحيفة ‘الانتباهة’ 23/7/2019م، بعد أقل من أسبوع تقريباً: «ما حدث سوء فهم، قائد الدَّعم السَّريع كان يتحدَّث عن أنَّ قُوَّاته تحمَّلت فوق طاقتها من عملٍ في ظروفٍ صعبة وشتائم وسب وقتل، وقال إنَّ صبر قُوَّاته له حُدُود ويخاف أن تنهار قواته»، وقال العطا في السياق ذاته: «في المقابل اعتقد قائد المُدرَّعات أنه يقصد أن يُحمِّل الجيش مسئوليَّة التقصير فاستفسره».. وأضاف قائلاً: «قائد الدَّعم السَّريع ردَّ عليه بما يقصده وانتهى الأمر».

الواقع أنَّ الأمر لم ينته كما قال، فقد كانت تلك البداية لسلسلة من التوترات الباطنيَّة. مصدرٌ موثوق قال للمُؤلف تعليقاً على تلك الواقعة، إنَّ الجنرال ياسر العطا قال له منفعلاً: «لا يمكن البلد دي نخليها لنفرين يعملوا فيها زي ما هُم عايزين».. وكان يقصد بذلك، الجنرالين عبد الفتاح البُرهان ومحمد حمدان دقلو.

ذات المصدر قال إنَّ التوتر بين سلاح المُدرَّعات والدَّعم السَّريع يرجع إلى حقبة النظام البائد، الذي كان رئيسه الجنرال عُمَر البشير، يحاول أن يجعل لقُوَّات الدَّعم السَّريع وضعاً مُميَّزاً، الأمر الذي وجد عُزوفاً من بعض الوحدات العسكريَّة، وعلى رأسها سلاح المُدرَّعات، وتحديداً من قائد ثاني العميد عبد الباقي الحسن بكراوي. تفاقم التوتر عندما طالبت قيادة الوحدة العسكريَّة بإرجاع عددٍ من المركبات المُدرَّعة وضعت قٌوَّات الدَّعم السَّريع يدها عليها إبان السجال مع القُوَّات المُسلَّحة، وظلت تلك الآليات محجوزة في معسكر تابع لُقوَّات الدَّعم السَّريع في دارفور. وكاد أن يحدُث اشتباكٌ بين الطرفين. المُفارقة، أنَّ تلك الآليات “الدبَّابات” تمَّت أيلولتها لقُوَّات الدَّعم السَّريع منتصف يوليو 2022م، وخاطب الجنرال “حميدتي” قوَّاته مُبشراً لهُم بأنَّ قائدهم أصبح وزير دفاع لكل السُّودان، أو كما قال.

• الثانية: تزامنت ملابسات تلك القضيَّة مع إلقاء القبض على الفريق أوَّل هاشم عبد المطلب رئيس هيئة الأركان السابق واللواء ركن بحر أحمد بحر قائد المنطقة العسكرية الوُسطى السابق وعدد من ضُبَّاط الجيش وجهاز المخابرات وقيادات من الحركة الإسلامويَّة يوم 11/7/2019م بتهمة التخطيط للقيام بحركة انقلابيَّة تعيدهم إلى السُّلطة التي اندحرت قبل ثلاثة أشهر فقط من ذلك التاريخ. واعترف عبد المطلب بانتمائه للحركة. ولم تستجب المحكمة لطلبه عندما قال إنه يطالب بإحضار قائد قُوَّات الدَّعم السَّريع وشقيقه عبد الرحيم دقلو، مثلما تمَّ إحضار اللواء بحر أحمد بحر (حوكموا ما بين 9 و5 سنوات والطرد من الخدمة). وتُعَدُّ تلك أيضاً من الحركات الانقلابيَّة المُضحكة، وذلك لسوء التخطيط الذي يقارب حدَّ السذاجة.

• الثالثة: محاولة انقلابيَّة أخرى، شابتها كثير من الملابسات، ولكن الثابت فيها أنَّ الضابط الذي تزعمها هو عبد الباقي الحسن عثمان بكراوي، الذي تمَّت الإشارة إليه بعاليه، وكان قد شغل منصب قائد ثانٍ لسلاح المُدرَّعات مع اللواء نصرالدين عبد الفتاح. والذي استند في مبرراته إلى رفضه تغوُّل قُوَّات الدَّعم السَّريع على مسئوليات القُوَّات المُسلَّحة وسجَّل موقفه ذاك كتابة ورفعه جهراً لقيادة القُوَّات المُسلَّحة. وبعد ثورة ديسمبر، رفض أي وجود لقُوَّات الدَّعم السَّريع بالقُرب من سلاح المُدرَّعات وكانت تلك أولى المشاكل التي حدثت بينه وبين قادة تلك القُوَّات. قام بتسجيلات صوتيَّة بعد نحو أسبوعين من فض الاعتصام ونشرها على وسائل التواصُل الاجتماعي ممَّا أدَّى إلى إحالته للتحقيق وإعلان فشل المحاولة يوم 21/9/2021م، وإيقافه بسبب ما اُعتُبر إساءة للجنرال محمَّد حمدان دقلو، في حين أنَّ تسجيلاته تركزت في انتقاد القُوَّات المُسلَّحة بسبب ما أسماه: «تقاعُسها عن الدفاع عن شعبها وهو يُقتل أمام بوابات القيادة العامة دون أن يحركوا ساكناً»، ذلك في إشارة لفضِّ الاعتصام. وهذا ما اتفقت عليه أقوال الضُبَّاط المُتهمين في قولهم: «إنَّ السبب الأساسي خُطورة قُوَّات الدَّعم السَّريع والحركات المُسلحة على الأمن القومي للبلد».

• الرابعة: عندما طرح الدكتور عبدالله حمدوك رئيس الوزراء آنذاك مبادرته، كان التوتر بين الجنرالين عبد الفتاح البُرهان ومحمَّد حمدان دقلو قد وصل مرحلة الصدام المسلح بحسب مصدر موثوق. وقال إنَّ السبب كان نتيجة أنَّ الثاني قال بأنَّ لديه معلومات تؤكد أنَّ الأوَّل بدأ في تسليح وتجهيز آليات مُدرَّعة، وراج أنه يستهدف قُوَّات الدَّعم السَّريع، وكان ذلك غريباً للذين يرصدون الأحوال عن قرب، إذ أنَّ العلاقة بين الطرفين كانت ترقى لدرجة الحِلف الخفي. ولكن المصدر قال إنها ليست هكذا دائما،ً فهُناك تقاطعاتٍ كثيراً ما تحدُث نتيجة أنَّ الثقة بين جميع الأطراف ما تزال مضعضعة ولا تخلو من تنافس.

من الواضح أنَّ الرَّابط بين الأربع أحداث المذكورة أعلاه، هو أنها تمثل شكلاً من أشكال التمرُّد داخل وحدات مفصليَّة وهامَّة في أوساط القُوَّات المُسلَّحة السُّودانيَّة، وأهمُّها: سلاح المدرعات، وسلاح المدفعيَّة، والفرقة التاسعة المحمولة جواً (المظلات). والتمرُّد ليس على عدم شرعيَّة قُوَّات الدَّعم السَّريع فحسب، وإنما على تمدُّدها وتغوُّلها على القُوَّات المُسلَّحة. ممَّا يعني أنَّ هذه الوضعيَّة خلقت اختناقاً مُزمناً يُنبيء بحدوث انفجار كبير قد يكون دامياً ويؤدي إلى اندلاع حرب أهليَّة في العاصمة المثلثة، بالمعني الذي ذكرناه في عنوان هذا المشهد.

في التقدير، أنَّ قائد قُوَّات الدَّعم السَّريع الجنرال محمَّد حمدان دقلو، هو الوحيد الذي يكاد هذا السيناريو المُظلم لا يُفارق مخيَّلته. فهو ليس على استعداد لخسارة قُوَّاتٍ تمدَّدت حتى كادت أن تفوق القُوَّات المُسلَّحة عدداً. أمَّا العتاد، فإن الجنرال وشقيقه عبد الرحيم دقلو وضعا ذلك نُصب عينيهما، وصار غاية همَّهُما، فهُما من دون ذلك لا يساويان شيئاً مذكوراً. أي سيعودان من حيث انطلقت بداياتهما. لذلك يلاحظ المُراقبون بأنهما يُوليان اهتماماً كبيراً بتسليح قُوَّات الدَّعم السَّريع. ومن المثير للدهشة، أن ذلك لا يلفت أنظار أحد.

ولنا في العلاقة مع روسيا مثالاً ينضحُ بالوضوح التام. فالأخوان تسابقا نحو إقامة علاقات وإبرام عُقودات تسليح وأجهزة استخباريَّة ومعدَّات تكنولوجيَّة متقدِّمة، وكذلك تدريب كوادر في إسرائيل، وكُل هذا يجري بعزم من لا يخشى لومة لائم. من هذه الصفقات رشحت “كوتة” الدبَّابات الروسيَّة وعددها نحو ألف دبَّابة. وصفقات مجهولة الهُويَّة قام بها الشقيق في زياراتٍ متوالية إلى إسرائيل. وقد تسرَّب مُؤخراً تدريب طيَّارين من قُوَّات الدَّعم السَّريع في قاعدة دبرازيت الحربيَّة في إثيوبيا.

بناءً على ما ذُكر أعلاه، فإنَّ الجنرال “حميدتي” يحاول أن يسد النقص في قُوَّاته. وسبق أن قلنا إنها عددياً ظلت تتنامي تصاعُدياً. ففي سنوات ما بعد الثورة، تُقدَّر الزيادة المُضافة لقواتها بنحو الضعف، فقد كانت عند سقوط النظام البائد تقدَّر بحوالي أربعين ألفاً، في حين أنَّها حالياً تقدَّر بأكثر من مائة ألف، أي نصف تعداد جيش الدولة تقريباً. ومن المُفارقات التي تستعصى على الفهم، أنَّ هذه القُوَّات تُدفعُ لها مُخصَّصات من خزينة الدَّولة بما فيها الرَّواتب الشهريَّة. وعندما يضع المرء هذه المعادلة الصفريَّة أمام ناظريه، يُدركُ تماماً مالآت ما نحن فيه سائرون. كل ذلك بعيداً عن الضَّرر الأكبر، وهو تكريس الجهويَّة طبقاً لتركيبة هذه القُوَّات المعروفة، والتي تهدم التنوُّع الثقافي السُّوداني هدماً مُمنهجاً.

ليس الأمر متعلق بقُوَّات الدَّعم السَّريع وحدها. فما ذكرناه ينطبق بصورة أو بأخرى على ما يُسمَّى “الحركات المُسلَّحة” والتي لم يعُد منها عددٌ يُذكر بعد أن تفرَّق بعضها أيدي سبأ. وهُنا مكمن الخُطورة، فالذين تشتتوا لن يذهبوا للمدارس والجامعات، وإنما سيٌمارسون الهواية التي برعوا فيها. وهذا ما تؤكده وقائع الأحوال في عدم الاستقرار، الذي حاق بهذا الإقليم المنكوب. فلا يغٌرَّنك مواثيق وُقعَت واتفاقيَّات أُبرمت في عددٍ وافرٍ من مُدُن العالم الإقليميَّة والدوليَّة، فهذه عند المحك لن تساوي ثمن الحبر الذي كُتبت به.

من العوامل الأخرى التي تزيد من وتائر ترجيح اندلاع حرب أهليَّة في السُّودان، موروثات النظام البائد في الفساد، الذي عمَّق فجوة العدالة الاجتماعيَّة فاستشرى الفقر، وهو أحد العناصر القويَّة في أسباب الحرب الأهليَّة، طبقاً لما ذكرته بربارة والتر، ولعلَّ مُقدِّمات إفرازات الفقر في المُجتمع تبدو الآن أكثر وضوحاً. وفي واقع الأمر، موروثات النظام البائد السالبة بغير الفقر كثيرة، وكلها تقود إلى النتيجة المعروفة في زيادة احتمالات الحرب الأهليَّة، لا سيَّما، وأنه – أي النظام البائد – كان ضليعاً في صنع الحُرُوب الأهليَّة بمثلما ذكرنا من قبل.

ثمة سبب آخر ذكرته والتر، ولكنه لا يستلفت أنظار المُراقبين كثيراً، وهو في واقع الأمر يُؤجِّج من الحروب الأهليَّة بمثلما يصنعها أيضاً، وهو بحسب تعبيرها جاء بمعنيين “التهميش لقطاعٍ مُعيَّن من السُكان”، ثمَّ “حجم السكان” كعاملٍ منفصل. وكلاهما كما نرى ينطبقان على السُّودان، حيث إنَّ الحروب التي صنعها النظام البائد دفعت بشريحة كبيرة نحو أتون التهميش، وفي نفس الوقت اتجهت تلك القطاعات المُهمَّشة نحو الخُرطوم العاصمة، حيث أصبحنا نشهد خللاً غريباً، وهو أنَّ العاصمة المُثلثة صارت تحتشد بثُلُث سُكَّان القطر. وبالطبع فإنَّ هذه الوضعيَّة يترتب عليها الكثير، في جميع مناحي الحياة، منها المرئي وغير المرئي.

في سياق رصد هذه الأسباب، ارتأينا أن يكون السبب التالي في ختام الأسباب، مع أنه يُعَدُّ في طليعتها. والجدير بالذكر، أنه بمثابة السبب المنسي. وهو هذا التسابُق المحموم بين قوَّات الدَّعم السَّريع، ممثلة في قائدها الجنرال “حميدتي”، وبين الحرس القديم، الذي يمثله الجنرال عبد الفتاح البُرهان، وذلك في أيلولة إرث الدولة القديمة – أي دولة الحركة الإسلامويَّة – وخاصة أجهزتها الأمنيَّة، وهو تسابُق يظهر بين الفينة والأخرى. لدرجة أنه في ظل هذا التسابُق الخفي، بات كثيراً من المُراقبين يظنون أنَّ القائد الفعلي لقوَّات الدَّعم السَّريع هو الجنرال البُرهان، وذلك لأسبابٍ تأمينيَّة خاصَّة به، ولكنه يُنذر بشرٍ مستطيرٍ، وهو ما سنتوسَّع فيه في الفصل القادم.

من جهة ثانية، فإنَّ الوجه الآخر لهذا التسابُق الخفي يتمثل في أهم قضيَّة تشغل بال الرأي العام السُّوداني وهي قضيَّة فضِّ الاعتصام. وفقاً لمعلوماتٍ توفرت لنا تقول إنَّ الصُندوق الأسود الذي ليس له ذكر – ناهيك عن كونه اندلقت أسراره أم ليس بعد – هو تقرير القوَّات المسلَّحة ممثلة في الاستخبارات العسكريَّة، وهو التقرير الذي سيكشف الكثير المثير الخطر. ولا يُعرف حتى الآن حول ما إذا توسَّد خزائن الاستخبارات العسكريَّة أم أن يداً باطشة طالته. لكن المُؤكد أنه أُعِدَّ بطريقة مهنيَّة ربَّما لم يخطر على بال مُعِدِّه بأنه سيكون فاصلاً إذا اشتجر القوم. ولذا فالمعلومات التي في باطنه سوف تُغيِّر كثيراً من الموازيين.

هنالك عاملٌ هام في صناعة الحُرُوب الأهليَّة لم تتطرَّق له بربارة والتر في كتابها، ألا وهو “الجَّهل”. والجَّهل كما هو معروف ينقسم إلى جزأين. الأول، وهو الجَّهل الأكاديمي، أي ما يُسمَّى بالأميَّة، وهي خلاف العلم، وتُطلقُ على من لم ينل حقه من التعليم النظامي. وأسوأ أنواع الجَّهل، هو المُركَّب، وهو الاعتقاد الجازم بما لا يتسق مع الحقيقة. والجَّهل في الاستخدام القرآني هو عكس الحِكمة والحِلم والعَقل. بالمفهوم الأوَّل، فإنَّ نسبة الذين يُعانون من الأميَّة في السُّودان تبلغ 73%، بحسب موقع الأمم المتحدة. أمَّا المفهوم الثاني، فليست له نسب مئويَّة، ويعتمد على ثلاثيَّة الوعي والتنوير والإدراك. وهي الثلاثية التي تنتهكها الأنظمة الديكتاتوريَّة، ويمكن للمرء عندئذٍ اتباع تقديرات ذاتيَّة.

عندما اشتعلت العاطفة السُّودانيَّة المعهودة في أعقاب كارثة فض الاعتصام، وبدأت الأصابع تشير لجُناة مُحتملين بمنطق قرائن الأحوال في قضيَّة تُعَد أوضح من الشمس في كبد السماء، حينئذٍ، قام الجنرالان الشقيقان، محمَّد حمدان دقلو وعبد الرحيم دقلو باعتقال بعض الأشخاص من قوَّاتهما (الدَّعم السَّريع) وعلى رأسهم اللواء صادق سيِّد. كان ذلك محاولة لدرء الشُبُهات، بدليل أنه لم تُعقد أي محاكمة لهؤُلاء المُعتقلين، ولم تُجرَ معهم تحريات لتثبيت الاتهام أو تبرئتهم، وظلوا في الحبس الظاهري يُمارسون حياتهم بحُريَّة ويعودون وفقاً للحاجة لمحبسهم، وما يزال الناس في حيرة من أمرهم، في حين لم ينبس الذين اعتقلوهم ببنت شَفَةٍ، رغم مرور ثلاث سنوات على اعتقالهم “التمثيلي”. فما الذي يرمي إليه الذين يريدون أن يُبرِّئوا أنفُسهم بالتستر خلفهم؟

إنَّ العقليَّة التي اتخذت من العُنف وسيلة لقتل الأبرياء، وتمرَّست عليه إبان حكم الإسلامويين البائد، بخاصَّة في القتل الجماعي، الذي حدث في دارفور وجبال النوبة وبورتسودان وكجبار ومعسكر العيلفون وهبَّة سبتمبر 2013م واعتصام يونيو 2019م، هي نفسها العقليَّة التي تفتح أبواب الجحيم لاندلاع حرب أهليَّة في السُّودان. على الرغم من أنَّ أصحاب النوايا الطيبة ما زالوا يُعوِّلون على استنهاض الحِكمة التي جُبلت على العاطفة في تعامُلها مع قضايا المنطق. ذلك أملاً في تفادي ما أسماه زعيم الحزب الشيوعي الرَّاحل عبدالخالق محجوب “عُنفُ البَاديَة” في توصيف طرد الحزب من البرلمان في العام 1965م.. أما هُنا، فسوف يأتي بثوبٍ آخر.

كلما جاءت سيرة العُنف في الحقبة الإسلامويَّة المُظلمة لا بُدَّ أن يستوقف المرء نفسه في الشعار النازي الذي طرحته الطغمة البائدة منذ سِنِي عهدها الأول بالسُّلطة، وهو شعار: “إعادة صياغة الإنسان السُّوداني”، وفي عديد المرَّات اعتبرنا ذلك من أسوأ ما يكاد المرء يسمعه. كان ذلك الشعار انتهاكاً لقيم وثقافة وعادات وتقاليد وسلوكيات ونمط حياة توارثها السُّودانيون ولداً عن والد. أمَّا لو سأل سائلٌ: لماذا؟ سيجد الإجابة في التالي: «يجنح عُلماء النفس “السايكولوجيون” لتفسير أنَّ الأشخاص الذين يعملون في الأجهزة الأمنيَّة، ويجنحون نحو ممارسة العُنف بكافة أشكاله القميئة مع خُصُومهم أو ضحاياهم على وجه الدقة، هُم شخصيَّات غالباً ما تكون غير سويَّة، كأن يكون بعضُهُم قد تعرَّض إلى مواقف معيَّنة في طفولتهم أو صِباهم واستقرَّت في عُقولهم الباطنة، وبالتالي يُصبحُ أمر استدعائها ميسوراً كلَّما شعروا بالحاجة للاقتصاص من ذلك الماضي اللئيم».( )

ونستطرد بالتالي: «فالذي لا مراء فيه، أنَّ بعض العاملين في الأجهزة الأمنيَّة مثلاً، وخصوصاً الذين عُرفوا بمُمارسات التعذيب على ضحاياهم، يحملون في دواخلهم تراكُماتٍ ضخمة من العُقد النفسيَّة. ولهذا نجد هذه الفئة عندما تمارس هوايتها في التعذيب والإذلال، فهي في الواقع تُنفِّس عن مكبوتاتها، أو تفعل ذلك بحثاً عن إيجاد مبرِّر لأفعال شيطانيَّة، أو أنها تثأر من الظروف التي صنعت ذلك الماضي اللئيم، أو يُريدون بها مُواراة ذلك الماضي، أو أنها تنتقم من ضحاياها لتوهُّمها بأنها ضالعة فيما يشعرون به هُم من ذنوب. وأياً كانت الأسباب، فهُم يجدون فيما يفعلون عزاءً تتسرَّى به نفوسهم المريضة».( )

وما يزال للسؤال مُلحقٌ: كيف طغت ديكتاتوريَّة الفرد على ديكتاتوريَّة الجماعة؟ يقولون إنَّ التحليل الخاطئ يقود إلى نتائج خاطئة. مثل ما يعتقده البعض في تحليل شخصيَّة المُشير المخلوع عُمَر البشير بحسبه أنَّ التنظيم الإسلاموي يُسيِّره ويُوجِّهه كيفما اتفق. والواقع هو العكس تماماً، فهُو شخصيَّة بهلوانيَّة مُعقَّدة، يظن أنَّ تلك بعض مواهب تطغي على الأيديولوجيا ويستطيع أن يبقى بها في سُدَّة السُّلطة. ويُعِينُ ذلك بالاستخدام الانتهازي للدِّين، وذلك كان واضحاً وجلياً في خطاباته المُرتجلة. فلم يجد ما يحُول بينه وبين استخدام ذلك في تسيير الجماعة بعقليَّة القطيع. ذلك ما أدَّى إلى استشراء الفساد بكافة أشكاله وبصورة فاحشة. فالإفساد هُو الوسيلة الفاعلة التي يستطيع أن يُآلِفَ بها بين قلوب الجماعة حوله.

كان سلوكه ذاك أكثر جلاءً بعد أن وطأت قدميه تنظيم الحركة الإسلاميَّة، ولم يكن متقدِّماً فيه، وهي بعد نجاح الانقلاب، ففعل على الفور ما قاله نابليون لمجلس الدولة الفرنسي: «لم أستطع إنهاء حرب الفاندي إلَّا بعد أن تظاهرتُ بأنني كاثوليكي حقيقي، ولم أستطع الاستقرار في مصر إلَّا بعد أن تظاهرتُ بأنني مُسلمٌ حقيقي، ولو أتيح لي أن أحكُم شعباً من اليهود، لأعدتُ من جديد بناء معبد سليمان».( )

وبدأ الديكتاتور، الذي كان مختفياً داخل نفسه وفي بلاط السُّلطة نفسها بالظهور العَلَنِي. ووضع نُصبَ عينيه إمكانيَّة اختطاف الحركة الإسلاميَّة برُمَّتها وتسخيرها لتمكينه مُنفرداً في السُّلطة. وقد استطاع ذلك ببهلوانيَّته التي سخَّر لها ثلاثيَّة (الدِّين والأمن والمَال)، فالدِّين حمَّال أوجُه، كما قال الإمام علي بن أبي طالب، ولذا فما أسهلُهُ من أداة طيِّعة لمن يريد المُزايدة به. أمَّا في الأمن فقد استجمع كل خُيوط الأجهزة المُتعدِّدة لتُصبح طوع بنانه. في حين أنَّ الإفساد بالمال لم يكُن في حاجة لقاعدة، فالمعروف أنَّ تمدُّده يمكِّن مُقترفه من الجُلوس على عرش السُّلطة، ومن حوله يحتشد تنابلة السَّمع والطاعة. بهذه الثلاثيَّة تسنَّى للديكتاتور ما تمنَّي وخطَّط وأراد، فأصبحت الحركة الإسلاميَّة طوع بنانه، لا حول لها ولا قوَّة. وتراجع صيت دهاقنتها الذين كانوا يُعتبرون عمادها ومرجعيتها بما فيهم عرَّابها.

ختاماً نقول: إنَّ ما جرى أثناء كتابة هذا الفصل من اشتباكاتٍ بين قبائل الفونج والهَوسَا في مدينة الدمازين بولاية النيل الأزرق كان سيناريو مخيفاً بكُلِّ المقاييس. فقد رسم “بروفة” لحربٍ أهليَّة، أدركنا حقاً أنها أقرب إلينا من حبل الوريد. تلك الاشتباكات التي تفجَّرت في منتصف يوليو 2022م بحادثةٍ فرديَّة سُرعان ما تحوَّلت لقضيَّةٍ جمعيَّة، وأسفرت عن قتلى وجرحى، وامتدَّت حتى مدينتي كسلا وبورتسودان، ولولا جهودٌ تنادت لإخماد الفتنة الهوجاء، لكنا نعيش اليوم واقعاً مأساوياً. فما حَدَثَ أكَّد أننا في السُّودان نملك مُقوِّمات الانفجار الكبير، والتي تظل شاخصة أبصارها تتحرَّى البداية التي تفتح جُروحاً يصعُبُ أن تندمل!

آخر الكلام: لابد من المحاسبة والحرية والديمقراطية وإن طال السفر!

faldaw@hotmail.com

التعليقات مغلقة.