السودان وإسرائيل: فصل في العلاقات الثنائية (2-2)

السودان وإسرائيل: فصل في العلاقات الثنائية (2-2)
  • 27 فبراير 2024
  • لا توجد تعليقات

ترجمة:د. بدر الدين حامد الهاشمي

The Sudan and Israel: An Episode in Bilateral Relations
Gabriel R. Warburg غابرييل ر. واربورغ
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
تقديم: هذه ترجمة للجزء الثاني والأخير من غالب ما ورد في مقال للمؤرخ الإسرائيلي غابرييل ر. واربورغ (1927 – ) عن العلاقات بين السودان وإسرائيل، نُشِرَ في العدد الثاني من المجلد الثامن والعشرين لمجلة “دراسات الشرق الأوسط Middle Eastern Studies” الصادرة عام 1992م، صفحات 385 – 396.
وُلِدَ الكاتب في برلين بألمانيا، وهاجر مع عائلته وعمره سبع سنوات إلى فلسطين وبقي بها حتى عام 1946م حين أكمل دراسته بكلية للزراعة، ثم درس تاريخ الدول الإسلامية في الجامعة العبرية بالقدس (1961 – 1964م) واللغة العربية وآدابها في جامعة لندن، والتي تحصل منها أيضا في عام 1968م على درجة الدكتوراه بأطروحة عن “إدارة الحكم الثنائي بين عامي 1899 – 1916م”، تحت إشراف المؤرخ البريطاني بيتر هولت. ثم عمل بعد ذلك أستاذا في جامعة حيفا حتى تقاعده في عام 1996م. ونشر الرجل الكثير من الكتب والمقالات المحكمة عن السودان ومصر ودول عربية وإسلامية أخرى، منها كتاب بعنوان “الإسلام والقومية والشيوعية في مجتمع تقليدي: حالة السودان”، وكتاب آخر عن “الطوائف الدينية في السودان والسياسة منذ عهد المهدية”، وعدة مقالات عن الإخوان المسلمين وأنصار المهدي والحزب الشيوعي السوداني، وعهد جعفر نميري، وموضوعات متفرقة أخرى.
المترجم


حازت القوى السودانية المؤيدة للاتحاد مع مصر على نصر كاسح في أول انتخابات عامة تجرى في البلاد في نوفمبر – ديسمبر من عام 1953م (1). غير أن الكثير من السودانيين ذكروا أن ذلك النصر جاء نتيجةً للرَشَاوَى التي قدمها المصريون للناخبين، وأَبَوْا أن يقبلوا بنتيجة تلك الانتخابات كقرار ديمقراطي حقيقي يعبر عن رغبة السودان في الاتحاد مع مصر. واندلعت تلك المعارضة الضخمة، والعنيفة أحياناً، للوحدة مع مصر في الأول من مارس 1954م، عندما تظاهر عشرات الآلاف من الأنصار من جميع أنحاء السودان في الخرطوم تحت شعار “السودان للسودانيين”. وبما أن الرئيس المصري محمد نجيب كان قد دُعِيَ كضيف شرف لحفل افتتاح البرلمان السوداني في ذلك اليوم، فلم يكن من المستغرب أن تتدهور العلاقات المصرية السودانية نتيجة لقيام تلك المظاهرات العنيفة. وبالتالي، فإن الوضع كما يُرى من وجهة نظر إسرائيل ربما كان يشير إلى أن الوقت قد حان لمبادرات جديدة.
وكتب ويليام موريس – من القسم الأفريقي في وزارة الخارجية البريطانية – في يوم 12 مارس 1954م مجيباً على سؤال من موردخاي غازيت – السكرتير الأول بالسفارة الإسرائيلية في لندن – مكرراً المخاوف التي سبق أن ذكرها له. غير أن موريس أكد له هذه المرة أن القرار في هذه المرحلة هو بيد السودانيين أنفسهم، وعليهم وحدهم أن يقرروا إن كانوا يرغبون في الاستمرار في التجارة مع إسرائيل أم لا. وأضاف موريس أنه في حالة سؤال حكومة جلالة الملك (بحسبانها شريكةً في الحكم الثنائي مع مصر) عن رأيها في استمرار السودان في التجارة مع إسرائيل، فمن المرجح أنها ستدع الأمر برمته للحكومة السودانية التي “لديها السلطة لتنفيذ منع تلك التجارة، سواءً أرضينا أم أبينا”. ثم أخبر موريس غزيت أن السودانيين (كدولة جديدة تسعى جاهدةً للحصول على القبول) هم أقل احتمالاً من الدول العربية الأخرى لمقاومة الضغوط للحفاظ على التضامن العربي”.

وعقب الفشل الذريع الذي مني به حزب الأمة في انتخابات 1953م المذكورة أعلاه، كان قادة حزب ذلك الحزب الذين قادوا الجبهة المؤيدة للاستقلال منذ الأربعينيات، مصممين على التغلب على ذلك المأزق بكل الوسائل الممكنة. وكانت حليفتهم الأولى والأهم هي الحكومة البريطانية، إذ أنها كانت تعارض الاتحاد مع مصر. لذا كان قادة حزب الأمة يأملون في أن تقف الحكومة البريطانية في صف حزبهم. وما كان يتطلع إليه السيد/ الصديق عبد الرحمن المهدي وزملائه هو إلغاء بريطانيا لاتفاقية مارس 1953م بينها وبين مصر، لأن مصر – بحسب وجهة نظرهم – قد فقدت مصداقيتها بسبب تقديمها لرشاوى ضخمة للسودانيين المؤيدين للوحدة مع مصر، وذلك عبر مبعوثها الرائد صلاح سالم، الذي أطلق عليه البعض “الرائد الراقص”. وفي يونيو من عام 1954 سافر السيد/ الصديق المهدي (حفيد مهدي القرن التاسع عشر) ورئيس حزب الأمة مع محمد أحمد عمر، رئيس تحرير جريد “النيل”، لسان حال حزب الأمة إلى لندن، حيث قابلا في يوم 9 يونيو سيلوين لويد وزير الدولة للشؤون الخارجية ليحملا له طلبات حزب الأمة. وكانت تلك الطلبات تتلخص في أربع نقاط:

1/ أن تقوم حكومة جلالة الملك بإلغاء اتفاقية بريطانيا ومصر التي أبرمت في عام 1953م، إذ أن مصر خرقت ما جاء في تلك الاتفاقية من بنود إبان حملات الانتخابات.
2/ أن تُعقد انتخابات جديدة في السودان – تحت إشراف ومراقبة دولية – في غضون نصف عام.
3/ أن تُنصب فوراً في السودان حكومة محايدة تتولى تصريف شؤون البلاد.

4/ أن تتعهد بريطانيا العظمى بتسليم كل السلطات في السودان إلى الحكومة المنتخبة الجديدة.
وفي رده على السيد/ الصديق المهدي، وافق الوزير البريطاني سيلوين لويد على تسليم باكر للسلطة في السودان، وعلى ضرورة وجود إشراف دولي في غضون الفترة المؤدية إلى حق تقرير المصير. غير أن الوزير البريطاني رفض بقية المطالب، خاصة مطلبي إلغاء اتفاقية بريطانيا ومصر لعام 1953م، وإقامة انتخابات جديدة، إذ أن هذا سيتطلب استخدام القوة، وهذا مما من شأنه مضاعفة تَلْطِيخ صورة حزب الأمة. كذلك أصر سيلوين لويد على ضرورة أن تشمل القوى المؤيدة لاستقلال السودان مواطنين سودانيين لا ينتمون لحزب الأمة؛ وبما أن “الحركة الاستقلالية في السودان تسبح مع التيار” … فهو مؤمن تماماً بأنه ليس للمصريين – رغم كل جهودهم – أي أمل في الوقوف ضد تلك الحركة”(2). وكان الوزير البريطاني أكثر صراحةً في رفضه منح حزب الأمة أي “مساعدة مالية”، وقال بأن ذلك “سوف يضر بقضية الاستقلال أشد الضرر إن ذاعت أخبار تلك “المساعدة المادية”؛ وببساطة، ليس لدى الحكومة البريطانية أي وسيلة تقدم بها مساعدات سرية، كما يحدث من الجانب المصري. وكان ويليام موريس – من القسم الأفريقي في وزارة الخارجية البريطانية – من ضمن من شهدوا لقاء الوزير البريطاني مع وفد حزب الأمة، وعلق لاحقاً بالقول بأن مصر نفسها قد أحست بالحرج من تورطها مالياً في انتخابات السودان، وربما تجد مصر نفسها لاحقاً بأن تدخلها قد جلب لها الكثير من الضرر (3). وأخيراً، بينما كان قادة حزب الأمة يزعمون بأنهم هم القوة السياسية الوحيدة في السودان التي تقاتل من أجل نيل البلاد لاستقلالها، كانت لدى المراقبين السياسيين البريطانيين نظرة أكثر واقعية للأمر منذ 1954م. ووفقاً لتقرير حول الوضع السياسي في السودان (من روبرت هاو حاكم عام للسودان إلى لويد بتاريخ 20 أغسطس 1954م)، خلص الحاكم العام إلى أن الأغلبية داخل الحزب الوطني الاتحادي (بما في ذلك أتباع الطريقة الختمية الصوفية والطبقات المتعلمة)، رغم أنها كانت تؤيد ظاهرياً وحدة السودان مع مصر، إلا أنها كانت تفضل استقلال السودان عن دولتي الحكم الثنائي، ولكن بشرط ألا يسيطر على البلاد أنصار المهدية الجديدة بقيادة السيد عبد الرحمن المهدي (والد السيد الصديق).

لقد كانت إحدى الجوانب الأقل منطقية في رحلة بحث حزب الأمة عن حلفاء محتملين في تلك الفترة هي سعيه للحصول على الدعم من إسرائيل. وفي حين كان الغرض الرئيسي من اجتماع وفد حزب الأمة في لندن هو إقناع الحكومة البريطانية بالتحالف مع حزب الأمة (الذي هُزِمَ في الانتخابات البرلمانية الأولى) والقوى الأخرى المؤيدة للاستقلال، وكما هو موضح أعلاه، فقد التقى الوفد كذلك باثنين من الدبلوماسيين الإسرائيليين في أحد فنادق لندن. وقد رتب تلك الاجتماعات صحافي بريطاني يعمل في صحيفة ايفيننق ستاندرد (Evening Standard) اسمه بول آشر (Paul Usher) الذي كان في ذلك الوقت يعمل أيضاً مستشاراً للعلاقات العامة لحزب الأمة في لندن. ويجب أن نذكر هنا إلى أن وفد حزب الأمة كان قد سبق له أن استشار موريس حول استصواب / أَصْوَبِيَّة (advisability) اجتماعهم بالإسرائيليين، وأبلغوه لاحقاً بنتائج ذلك الاجتماع (4).
ما الذي كان حزب الأمة يؤمل في الحصول عليه من إسرائيل؟ كما ذكرنا آنفا، فقد كان حزب الأمة يسعى جاهداً للحصول على حلفاء محتملين. وبدا لهم بأن النفوذ الإسرائيلي، في لندن، وفي واشنطن خاصةً، قد يساعد حزبهم – بجانب عدد آخر من الحلفاء – في تحويل مجرى الأحداث في السودان، وتحقيق استقلال السودان. وعرض مندوبا حزب الأمة المسألة على النحو التالي: أولا، أكدا – بصورة جازمة لا تقبل الشك، بأن حزب الأمة يمثل الأغلبية المطلقة في السودان، وأنه لولا الرشاوى الضخمة (التي بلغت ما يفوق العشرة مليون جنيه إسترليني) التي وزعها المصريون على الأحزاب المؤيدة للوحدة مع مصر، لما هُزِمَ حزب الأمة في الانتخابات العامة. ثانيا، بما أن مصر انتهكت بوضوح ما تعهدت به من عدم التدخل في الانتخابات السودانية، يبقى لزاماً على بريطانيا أن تعلن عن إلغاء اتفاقيتها مع مصر الموقعة في فبراير من عام 1953م. ثالثاً، يعد حزب الأمة إسرائيل حليفا محتملاً له، لأن مصر هي عدوة لكليهما. وعبر نفوذها الهائل في العالم الغربي، خاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا، يمكن أن تقوم إسرائيل بالتأثير على الرأي العام في هذه الدول، وأن تقنع قادتها بأن الشعب السوداني لم يكن قد قَبِلَ قط بالهيمنة المصرية. وإذا أذاعت إسرائيل تلك الفكرة في العالم، فسيعلن حزب الأمة بصورة كبيرة واسعة أن إسرائيل تمثل عنصرا إيجابيا في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن اتفاقية كهذه قد تشكل خطراً على حزب الأمة، خاصة في المراكز الحضرية من البلاد، إلا أن قادة ذلك الحزب كانوا على استعداد للقبول بالمخاطرة. وأكد السيد الصديق المهدي للدبلوماسيين الإسرائيليين بأنه على الرغم من طبيعة حزب الأمة الإسلامية، إلا أنه ليس للدين دور في علاقة الحزب الخارجية، وأن أنصار الحزب في المناطق الريفية سيوافقون على علاقة حزبهم بإسرائيل، بل سيرحبون بها. بل ذهب السيد الصديق لأبعد من هذا، فأكد للدبلوماسيين الإسرائيليين أن أفراد الجالية اليهودية في الخرطوم يؤيدون حزب الأمة. وأخيراُ أكد لهم أيضاً بأن العلاقات التجارية مع إسرائيل – التي توقفت أو كادت تتوقف منذ عام 1952م بسبب التدخلات المصرية – سوف تستأنف مجددا (5).

وفي اجتماع آخر حضره محمد أحمد عمر بمفرده، قدم الرجل قائمة طلبات، أعاد فيها ما طلبه حزب الأمة من قبل، وأكد مجدداً على أهمية أن تقوم إسرائيل بممارسة ضغوط (lobbying) في الولايات المتحدة، خاصة في وزارة الخارجية الأمريكية، التي كانت تدعم خطط عبد الناصر للوحدة مع السودان (بحسب ما زعمه محمد أحمد عمر). وأعاد الرجل طلب مساعدة مالية لاستخدامها في منافسة المصريين. وأضاف الرجل أيضاً بأن على حزب الأمة أن يتحرك بحذر (فيما يريد تنفيذه)، طالما أن المصريين موجودون في السودان. إلا أنه بمجرد نيل السودان لاستقلاله، فإن حزب الأمة، باعتباره هو من سيشكل الحكومة القادمة للسودان المستقل، يتعهد دون تردد بالاعتراف بدولة إسرائيل، واستئناف التجارة معها (6).
وكان ويليام موريس، كما ذكرنا من قبل، قد قابل محمد أحمد عمر قبل أن يلتقي ممثلا حزب الأمة بالإسرائيليين. وكان موريس ملما بصورة ممتازة بالشؤون السودانية، وكان تقريره عنها بالغ الدقة، وعرضه بصورة ذكية. وحذر موريس في البدء حزب الأمة من أنه إذا تم الإعلان عن اجتماعهم مع الإسرائيليين، فإن ذلك سيقوض بشدة مستقبل السودان مع جيرانه العرب… “قال محمد أحمد عمر إنهم لا يهتمون بما سيحدث، ولا يلقون له بالاً؛ إذ أن الدول العربية لم تبد من قبل إلا أقل القليل من التعاطف مع تطلعات حركة الاستقلال السودانية. وربما تكون إسرائيل قادرة على مساعدتهم في الدعاية في أمريكا…”. ولكن بحسب ما ذكره موريس، كان السيد الصديق المهدي أكثر حكمةً من محمد أحمد عمر، وبدا “خائفا إلى حد ما من الفكرة. وقال إنه لا يتوقع أن يحدث أي شيء إلا إذا أصبحت الأمور يائسة في السودان” (استشهد الكاتب هنا بنفس المصدر المذكور في # 6 أدناه، بتاريخ 7 يوليو 1954م. المترجم).

وكنا قد ذكرنا ما دار بين موريس وغازيت. ويبدو أن غازيت كان يرغب في معرفة إن كان حزب الأمة في وضع يسمح له بـ “الالتزام بالجزء الذي يخصهم في الصفقة”. وأجاب موريس على ذلك بالقول: “… فبينما كانوا على الأرجح صادقين بشأن أي شيء وعدوا به… فإن الأمر سيحتاج إلى درجة من الشجاعة للعمل في أمر فيه تحدٍ للعالم العربي. ومن ناحية أخرى، فإن السودانيين ذوي تفكير محلي محدود للغاية (parochial – minded): فالقضية الفلسطينية تكاد تكون بعيدة عنهم مثل بعدهم عن قضية في غواتيمالا…” (7).
ومن ناحية أخرى، حذر الدبلوماسي البريطاني موريس الدبلوماسي الإسرائيلي غازيت من خطر إقحام إسرائيل (في الأوضاع الداخلية السودانية. المترجم). وذكر له “إن الوضع في السودان معقد بما فيه الكفاية من دون جره إلى مشكلة العرب وإسرائيل…”. ولكن بينما نصح موريس الدبلوماسي الإسرائيلي غازيت بالعمل بنهج حذر (فيما يريد عمله حيال ما أقترحه حزب الأمة. المترجم)، إلا أنه لم يثن الإسرائيليين من “إنفاق بعض أموالهم أو نفوذهم للمساعدة في قضية استقلال السودان”. وكان الدبلوماسيون العاملون بالقسم الأفريقي في وزارة الخارجية البريطانية لا يأملون كثيراً في أي نجاح مستقبلي للتعاون الإسرائيلي – السوداني، بل ونصحوا بإيقاف مثل هذه المحاولة على الفور”.
وكان تقرير غازيت عن لقائه بموريس في يوم 30 يونيو 1954م أكثر تفصيلاً من التقارير السابقة، خاصة فيما يتعلق بموضع شديد الأهمية، ألا وهو المشهد السياسي الداخلي في السودان. وبدا أن الإسرائيليين يجهلون الكثير عن ذلك المشهد، ويرغبون في تعلم أشياء عنه. وكان موريس– فيما يبدو – قد أوضح لغازيت بصورة لا لبس فيها يأن السودان سينال استقلاله بغض النظر عمن سيحكمه، وأن على مصر القبول بحل وسط لإنقاذ ماء وجهها. وكان السبب في ذلك هو أن الحزب الوطني الاتحادي (حزب الأزهري) كان معارضا للوحدة مع مصر (وهو نفس موقف حزب الأمة)، وكان قد استغل شعار “وحدة وادي النيل” فقط من أجل تخليص السودان من الوجود البريطاني والمصري معاً.

وفيما يتعلق بالآفاق المستقبلية لحزب الأمة، لخص موريس أوجه قصور الحزب في أربع نقاط هي:
1/ ضعف الحزب في المراكز الحضرية السودانية الأكثر تطورا ورُقِيّاً، خاصة في أوساط الانتلجنسيا.
2/ افتقار الحزب لتأييد حقيقي في أوساط القوات المسلحة.
3/ استياء السودانيين من تعاون حزب الأمة مع بريطانيا العظمي في السابق.
4/ وأخيراً، وليس آخِرًا، كرر موريس وجهة النظر البريطانية التي تذهب إلى أن اعتماد حزب الأمة على (طائفة) الأنصار، وصلة الحزب الوثيقة جداً بعائلة المهدي هما من المساوئ والنقائِص البائنة التي ينبغي على الحزب تداركها.
وكما نعلم الآن، كان موريس مصيباً في تقويمه لمستقبل السودان كدولة مستقلة. وفي الحقيقة كان إسماعيل الأزهري (أشهر الساسة السودانيين، ومؤسس الحزب الوطني الاتحادي، ومن أهم الذين كانوا يدعون للوحدة مع مصر) قد ترأس أول وزارة في السودان بعد نيله للاستقلال في 1 يناير 1956م. غير أن أهم من أيد (أو رعى) تلك الخطوة كانا هما (السيدان)، زعيما طائفة الختمية وطائفة الأنصار. وكان موريس مصيباً أيضاً في تقويمه لجوانب الضعف في حزب الأمة في المراكز الحضرية وفي الجيش.

وأخيراً، بينما لا نمتلك الآن (أي عند كتابة المقال في بداية تسعينيات القرن العشرين. المترجم) أي دليل على وجود المزيد من الاتصالات بين السودانيين والإسرائيليين، فإن هذا الفصل المنسي يظهر قوة التضامن العربي في الخمسينيات والستينيات. وبينما لم يكن عبد الناصر قوياً بما فيه الكفاية لفرض أفكاره حول وحدة وادي النيل، إلا أن شعار “الوحدة العربية” الأكثر غموضا، والأقل متطلباً، كان يحظى بشعبية تكفي لتقويض أي مفاوضات في المستقبل بين السودانيين والإسرائيليين.
يبقى السؤال عن أهداف إسرائيل من القيام بتلك المبادرة المَيْؤُوس مِنْها. وكما ذكرنا آنفاً، فقد كانت الدولة اليهودية الناشئة تبحث لها عن حلفاء في كل مكان يمكن لها أن تجدهم فيه. وكان احتمال قيامها بإنشاء علاقة مع قطر عربي – إفريقي أمراً مغرياً نوعاً ما، على الرغم من أن تحقيقه بعيد الاحتمال. وفوق هذا، فاستعداد السيد الصديق المهدي لإقامة علاقات مع إسرائيل كان يُعد بالنسبة لها مكافأة وحافز إضافي. وكان الدبلوماسيون الإسرائيليون يقدرون، إلى حد ما، أهمية العلاقة مع حفيد (محمد أحمد) المهدي كقائد وزعيم ديني. غير أنه بدا أن جهود غازيت وزملائه ذهبت أدراج الرياح لدى المستويات العليا بوزارة الخارجية الإسرائيلية، التي يبدو أنها تجاهلت تقاريرهم. ولم يتم إبلاغ غازيت إلا في وقت لاحق (وبشكل غير رسمي) بأن السلطات الإسرائيلية لا ترغب في استعداء مصر، التي تعتبر السودان بمثابة “الحديقة الخلفية” الخاصة بها، وكانت ستنظر إلى أي وجود إسرائيلي في السودان على أنه عمل من أعمال العدوان ضدها. وبما أن عدم استعداء مصر، وإظهار حُسْن النّيّةِ (good – will) لها كان أهم بكثير بالنسبة للدولة اليهودية الوليدة، فمن المحتمل أن صناع سياستها كانوا قد قرروا عدم الاستمرار في استكشاف سعى حزب الأمة السوداني للعثور على حلفاء (8).


إحالات مرجعية
1/ للمزيد عن انتخابات السودان البرلمانية الأولى يمكن النظر في هذين الرابطين: https://shorturl.at/ijpNU و http://www.sudaress.com/sudanile/42703
2/ وردت تلك المعلومات في وثيقة من وزارة الخارجية البريطانية بتاريخ 9 يونيو 1954م FO/371/108382
3/ أورد الكاتب في الحاشية أن سيلوين لويد ذكر في تقرير سري للغاية صدر في 6 يوليو 1954م بأن السيد/ الصديق المهدي بدا مرتاحاً لرفض الوزير البريطاني طلبه لذلك العون المالي لحزبه.
4/ ذكر كاتب المقال أنه أستقى ما ذكره من معلومات في هذه النقطة من السفير الإسرائيلي موردخاي غازيت (https://shorturl.at/aeP47)، الذي كان يعمل في عام 1954م سكرتيرا في السفارة الإسرائيلية بلندن. وذكر أنه سمع من غازيت أن وفد حزب الأمة سعى لمقابلته بناءً على اقتراح من الدبلوماسي البريطاني موريس.
5/ ذكر الكاتب في الحاشية أنه يمكن النظر في تفاصيل ما ذكر في الرسائل المتبادلة بين غازيت وموريس، خاصو خطاب غازيت إلى موريس المؤرخ يوم 12 مارس 1954م (FO/371/108405).
6/ وردت تلك المعلومات في تقرير سري أعده السيد ويليام موريس، من القسم الإفريقي بوزارة الخارجية البريطانية بعنوان “اجتماع السودان بين السيد /غازيت السكرتير الأول بالسفارة الإسرائيلية بالقاهرة مع محمد أحمد عمر والسيد الصديق المهدي” في الخامس من يوليو 1954م (FO/371/108361).
7/ علق الكاتب على عبارة موريس “فإن السودانيين ذوي تفكير محلي محدود للغاية”، وكتب ما نصه: “لو قرأ أحدهم ما جاء في مذكرات إسماعيل الأزهري التي نُشرت بجريدة “الأيام” عام 1957م، فسيتضح له خطل ما قاله موريس في عبارته تلك.
8/ أشار الكاتب في الحاشية إلى أن غازيت كان قلقا ومنزعجاً من صمت رؤسائه (حيال ما أرسله لهم في أمر العلاقات السودانية – الإسرائيلية. المترجم)، ولم يفهم سبب ذلك الصمت إلا بعد لقائه بالجنرال عساف سمحوني عند زيارته للسفارة الإسرائيلية، الذي شرح له الأمر.

alibadreldin@hotmail.com

التعليقات مغلقة.