كسر أسوار الصمت

ويني ورفيقاتها..  قصة نساء يواجهن عنف الدولة

فتيات يرفعن لاقتات كتب عليها لا لقانون النظام العام (صورة أرشيفية)
  • 07 مارس 2018
  • تعليق واحد

الخرطوم – تقرير- محمد المختار:

نساء يتظاهرن ضد قانون النظام العام أمام إحدى المحاكم

لا زلت اتعاطى الحبوب المهدئة، وأصبحت شخصية انطوائية، وحزينة، لم أستطع نسيان ما حدث لي رغم محاولاتي المتكررة لمحو ذلك اليوم من ذاكرتي إلا أنني فشلت، وكلما خلوت إلى نفسي تداهمني وجوه رجال شرطة “النظام العام”، الذين اقتادوني من الشارع إلى قسم الشرطة، بينما كنت انتظر صديقتي في اليوم الذي أكملت فيه تخصصي في النساء والتوليد، ليظل وقع آلام الجلد في روحي واذني إلى الابد. هكذا تحدثت الطبيبة “م أ ع”، التي حكمت عليها إحدى محاكم النظام العام في الخرطوم تحت لمادة (152)، الزي الفاضح بالجلد 40 جلدة، وغرامة مالية.

تعد قصة هذه الطبيبة التي فضلت حجب اسمها لأسباب أسرية واجتماعية، واحدة من بين آلاف القصص التي تتعرض لها الفتيات السودانيات، التي تقبع داخل اسوار منيعة من الصمت، إذ تخشى معظم اللاتي يتم القبض عليهن من قبل شرطة النظام العام بتهمة ارتداء الزي الفاضح من التحدث عما حدث لهن، ويفضلن الصمت وتنفيذ عقوبة الجلد، والغرامة المالية بتكتم شديد حتى من أسرهن، إذ يضع قانون النظام العام بمواده الفضفاضة وبعض مواد القانون الجنائي، الفتاة في مواجهة نظرة المجتمع، والخوف من الوصمة الاجتماعية.

ويقول نص المادة (152)، التي أدرجت في القانون الجنائي لعام 1991م: “من يأتي في مكان عام فعلاً أو سلوكاً فاضحاً أو مخلاً بالآداب العامة ويسبب مضايقة للشعور العام يعاقب بالجلد بما لا يتجاوز 40 جلدة أو الغرامة أو العقوبتين معاً”.

مناصرة الضحايا

تقول رئيسة مبادرة “لا لقهر النساء”، -وهي مبادرة قامت من أجل الدفاع عن حقوق النساء السودانيات ورفض انتهاك حقوقهن- الدكتورة إحسان فقيري أنهن ذهبن ذات مرة لمناصرة مهندسات قبض عليهن من قبل شرطة النظام تحت المادة (152) الزي الفاضح، إلا أنهن ابدين تحفظاً من المناصرة بقولهن: “نحن نحترم المبادرة وما تقوم به من دور كبير، لكن اذهبوا عنا بعيداً، ودعونا نأخذ عقوبة الجلد بصمت”.

وترى فقيري أن الخوف من الوصمة هو ما جعلهن يفضلن عدم تصعيد القضية ومناصرتهن، الا أنها تشير إلى زيادة نسبة الوعي بين الشابات في السنوات الأخيرة الماضية وتفهم الأسر، وتقول أنها عندما قابلت والدة ويني عمر لتأكد لها أن القضية التي تحاكم فيها ابنتها تعتبر قضية خاسرة، وجدتها امرأة متفهمة لما حدث وداعمة لابنتها ضد قوانين النظام العام، وتؤكد فقيري أن أصوات الفتيات اللاتي تحدثن بصوت عال عن الذي حدث لهن في قضايا تتعلق بالنظام العام مثل ويني عمر وأخريات، يعتبر خطوة كبيرة في اتجاه إلغاء هذا القانون.

وبينما كانت الصحافية والمدافعة عن حقوق الإنسان ويني عمر، في زيارة لمنزل صديقتها بحي الزهور بالخرطوم، فوجئت بهجوم قوة مكونة من عشرة رجال من شرطة أمن النظام العام، عبر نوافذ المنزل وهم يصرخون بشكل هستيري، ليتقدم أحدهم نحوها مقترباً من وجهها بشكل مزعج قائلاً: “هذه الدنيا ضيقة يا ويني، هل تعتقدين اننا لن نجدك؟”، وعندما سألته عن هويته وماذا يريد وما إذا كان يعرفها؟، رد عليها بابتسامة تشفي ولم يجب.

ويني عمر

تقول ويني لـ (التحرير)، إن أحد الضباط تقدم نحوها وصديقتها وقال لهن ” شوفتو النظام العام ممكن يعمل شنو؟، تاني امشو نبذوه واكتبوا في الفيس بوك”. ليتم اقتياد جميع من كان بالمنزل إلى قسم شرطة المقرن، حيث تم تفتيش الهواتف والحواسيب الشخصية رغم اعتراضهم على ذلك، وفتحت ضدهم بلاغات تحت المادة (154) دعارة، والمادة (155) إدارة محل دعارة، والمادة (87) حيازة كحول، والمادة (25 أ) حشيش، ليستمر حبس ويني خمسة أيام مورست فيها كل أنواع التماطل حسبما ذكرت ويني. وتقول ويني عمر لـ (التحرير)، بعد خروجها بالضمان إن النيابة لم توجه لهم أي تهمة حتى الآن، الأمر الذي دفع المحاميين بتقديم توضيح بطلب توجيه تهم.

وسارعت الولايات المتحدة الأميركية عبر سفارتها بالخرطوم في اصدار بيان عقب الحادثة أبدت فيه قلقها، إزاء استعمال السلطة من جانب مسؤولي الأمن السودانيين بما في ذلك شرطة النظام العام، وعدم الاتساق في تطبيق الإجراءات القانونية، وقالت إن السلطات السودانية تستخدم قوانين النظام العام التي وصفتها بالغامضة والتمييزية لاستهداف الناشطين كأداة سياسية، وأضاف البيان أن إساءة استغلال السلطة بما في ذلك انتهاك خصوصية منازل المواطنين يجب أن يغضب كل السودانيين.

وتؤكد ويني عمر أنها لن تصمت لأن ما حدث لها فيه استهداف وتربص وانتهاك للخصوصية، وأن طريقة دخول الشرطة بالقفز عبر النوافذ للبحث عن جريمة غير موجودة من الأساس يؤكد ذلك، حيث فُتِشت جيوبهن وهواتفهن الشخصية.

ويقول المحامي أحمد صبير لـ (التحرير)، إن جرائم النظام العام تعتبر جرائم استمارة إيجازية يتم فيها الضمان في اليوم نفسه، وتحول إلى المحكمة في اليوم الثاني، لكن هذا لم يحدث، وأضاف أن توجيهات وكيل النيابة بإعادة التحري من جديد كانت من غير حجة، الأمر الذي يشير إلى وجود تماطل متعمد في الافراج عنهن، وأن النيابة لم توجه تهم ضدهن للآن، وأنهم ينتظرون نتيجة الفحص لتحويل البلاغ إلى المحكمة، مشيراً إلى وجود لقط يدور حول وجود أمر تفتيش من عدمه، فضلاً عن طريقة الدخول إلى المنزل.

وكانت ويني قد تعرضت لملاحقة برأتها فيها محكمة النظام العام بالديم، برئاسة القاضي كمال الزاكي من تهمة ارتداء الزي الفاضح أواخر العام الماضي، وقال القاضي إن هناك شبهة ترصد بويني، حيث كانت تسير مع صديقها منتصر إبراهيم عقب خروجهم من محاكمة 24 فتاة بتهمة الزي الفاضح في حفل مغلق مخصص للنساء، ووجهت المحكمة بإطلاق سراح ويني فوراً وإعادة ملابسها التي قدمت كمعروضات.

وقالت المحكمة في حيثيات الحكم أن الشاكي وهو شرطي تابع للنظام العام، ذكر للمحكمة أن المتهمة ضبطت وهي ترتدي زياً فاضحاً بواسطة وكيل نيابة، وأن شاهد الاتهام الأول وهو ضابط شرطة كان برفقة وكيل النيابة عبد الرحيم الخير في الشارع العام، أفاد أن المتهمة كانت ترتدي زياً فاضحاً عبارة عن “اسكيرت” قصير وإن المتهمة تسير بمشية ملفتة، الأمر الذي اثار موجة سخرية في وسائل التواصل الاجتماعي، ووصف القاضي إفادة هذا الشاهد بـ “التربص”، لأنه كان ينظر إليها ويتابعها إلى أن توقفت، وقالت المحكمة إن المادة (152) من القانون الجنائي مادة فضفاضة غير مضبوطة الصياغة، وأن معيار الزي الفاضح وفقاً للقانون هو دين وأعراف بلد المتهمة.

 كسر الصمت

 

هيفاء فاروق

تعد الناشطة هيفاء فاروق يعقوب، التي القت السلطات الأمنية القبض عليها بسبب “ارتداء بنطال”، في يوليو من العام الماضي، وفتحت في مواجهتها بلاغ تحت المادة (152)، برفقة فتيات أخريات بشارع النيل، تعد أحد الأصوات التي ارتفعت ضد قانون النظام العام، وكسرت حاجز الصمت، إذ بدأت تحكي قصتها مع قانون النظام العام، وتناصر الفتيات اللاتي يتعرضن لقضايا متعلقة بالنظام العام.

وتقول هيفاء: “تعرضت لمحاكمة استمرت لشهر، حيث قبضت علينا شرطة النظام العام في شارع النيل مع عدد من الفتيات، اطلق سراحهن لاحقاً بضمانة، ولم يطلق سراحي، وتعاملوا معي كحبشية، حسبما كان الضابط المناوب يقول “دعوها هذه مجرد حبشية”، حيث بت ليليتي تلك في الحراسة التي عانيت فيها ما عانيت، فوضع الحراسة سيئ للغاية، فهي عبارة عن ثلاث حراسات إحداها مغلقة وبها خمور وتفوح منها روائح كريهة، والحمامات سيئة جداً، وكان العساكر يستخدمون حمامات حراسة النساء، وعندما اعترضنا على ذلك، وقلت لأحد العساكر لماذا تدخلون إلى هنا ونحن نائمات؟، قال لي توقفي عن الفلسفة”.

ويقول الكاتب في مجال الدراسات الاجتماعية د. الباقر العفيف، إن تهم الدعارة يمكن أن توجه لأي فرد منا، ولا أحد بمنجى عنها، وأن هذه التهم يجب ألا ترهب الناشطين والناشطات أو تؤثر على أسرهم، معتبراً أن اشانة سمعة المناضلين والمناضلات هي الهدف الأساسي لمنظومة النظام العام.

أطلقت هيفاء عقب خروجها وشطب القضية حملة مناصرة عبر صفحتها في موقع “فيس بوك”، طالبت فيها بالاحتشاد في محكمة الـ 24 فتاة تحت المادة (152) الزي الفاضح، قائلة: “الحضور بكثافة سيكون رسالة للأسر التي تحاكم بناتها على أنهن أجرمن لحضورهن حفلة نهارية نسائية، في بلد يمنع كل وسائل الترفيه للنساء”، وأضافت “حضور المحكمة تعزيز لخطوات كثيرة للضغط نحو إلغاء قوانين الأحوال الشخصية التي تعطي النظام الحق في التدخل في الحريات الشخصية”.  وتُرجع هيفاء في حديثها لـ (التحرير)، سبب صمت الفتيات في القضايا المتعلقة بقانون النظام العام في غالب الأمر، إلى الخوف من نظرة المجتمع، والرهبة من السمعة السيئة، وانتشار الاشاعة التي يمكن تأويلها، لذلك تلجأ بعض الفتيات إلى   دفع مبالغ مالية حتى لا تفتح لهن بلاغات.

وتشجع الناشطة في قضايا المرأة، مديرة “مركز سيما للتدريب وحماية المرأة والطفل” ناهد جبر الله، النساء بالتحدث عما لحق بهن جراء قانون النظام، وترى أن كسر حاجز الصمت يساعد على كسر الوصمة، وفضح نوع وحجم الانتهاكات، بما يجعل تجارب الأشخاص في الإطار الجماعي وليس الفردي، وترى أن مشكلة قضايا الانتهاكات والعنف ضد المرأة هي دائماً ما تكون في الحيز الفردي، وأن كل امرأة تتعرض للعنف تشعر بأنها مشكلتها الشخصية لذلك تشعر بالعار، والذنب، والوصمة.

وتقول هيفاء يعقوب إنها كانت محتارة في بادئ الأمر، ولم تكن لها القدرة على تحديد ماذا تفعل، لكنها قررت أن تبني خطوة في حملة مستمرة لمناهضة قانون النظام العام والمواد المقيدة للحريات، بفضل هيئة الدفاع والأصدقاء الذين كانوا يقدمون لها المشورة، وأن اسرتها احترمت رأيها.

رشيدة شمس الدين

وتحكي الناشطة رشيدة شمس الدين وهي أم لطفلتين، قصتها مع شرطة النظام العام بعد سنوات عندما كانت في المرحلة الثانوية، عقب عودتها مع صديقتها وابن جيرانهم من دروس المراجعة للامتحانات للجامعة، وتقول: “بينما كنا نسير في شارع الحي ونتحدث عن الامتحانات والمراجعة بكل ثقة، فجأة توقفت سيارة الشرطة ونزل منها عدد من رجال الشرطة يحملون عصي، و”سيطان”، ومسدسات. واحاطونا بكل الاتجاهات بينما كانوا يصيحون بطريقة هستيرية، وبدأوا يتناوبون على ضربنا وسبنا بأقذع الالفاظ، افلتت صديقتي من بطشهم واستطاعت الهرب والدخول إلى منزلهم، واخذوني مع ابن جيراننا إلى بسط الأمن الشامل، حيث تعرضنا فيه للهمز واللمز والتحرش، وصل لحد مساومتي بإخراجي من هذه الهجمة بمقابل، وانتهت القصة بتدخل رجل قال لهم هؤلاء أطفال وانا اعرف أهلهم جيداً”، وتضيف رشيدة أن أسرتها عنفتها كونها تأخرت ولم تستطع أن تقول سبب التأخير، وأصبحت بعد الحادثة تشعر بالخوف والرعب، وعدم القدرة على النوم، وبدأت تكره نفسها، والمدرسة، والحي، والخروج إلى الشارع، اما ابن جيرانهم  فقالت أنه ترك الامتحانات والمدرسة بسبب هذه الحادثة.

آثار نفسية واجتماعية               

تتعرض الفتيات اللاتي يحاكمن بقانون النظام العام لمشاكل وآثار نفسية واجتماعية مدمرة، وتقول المعالجة النفسية رشا أبو العائلة التي تعمل في “مركز سيما” لحماية المرأة والطفل، لـ (التحرير)، إن التأثير النفسي يتعدى الفتيات لأسرهن وإطارهن الاجتماعي عموماً، كون النظام العام في السودان مربوط بالأخلاق، وتضيف أن تعرض الفتاة لمحاكمة نظام عام يعني أنها أخلاقياً غير سوية، مما يتسبب لها في مشاكل في الزواج لاحقاً، أو تخلي خطيبها عنها والعدول عن الزواج منها، ورفض أسرته إتمام الزيجة بسبب العادات والتقاليد، فلا فرق هنا سواء كانت المحاكمة بسبب المظهر لعدم وضع الفتاة لغطاء الرأس أو دعارة. وتقول رشا أن الفتاة التي تحاكم بالنظام العام يحدث لها اكتئاب، وانعزال عن المجتمع بسبب الوصمة، مما يدفع بعض الفتيات إلى الانتحار أو الهجرة، وتضيف حتى إذا كانت الفتاة قوية واستطاعت تجاوز الأمر فإنها تعاني العزلة من الصديقات، ومن الأهل احياناً، بالإضافة إلى تعرض الفتيات اللاتي يحاكمن في قضايا لنظام العام للفصل التعسفي من العمل.

وتقول “س، ف”، لـ (التحرير)، وهي إحدى الفتيات الـ 24 اللاتي قبض عليهن في الحفل النسائي الخاص، فضلت حجب اسمها، تقول إنها أول من طالب بوجود محامي للمرافعة عنهن، وإنها لم تفضل الصمت باختيارها الشخصي، وانما بسبب الأخريات اللاتي وقفن ضدها خشية معرفة أهلهن، والمجتمع الذي قلن إنه سيصدق حديث العسكري بأن لبسهن غير لائق، مع أنه اللبس ذاته الذي خرجن به من البيوت، بالإضافة إلى رفض البعض كونهن متزوجات، والبعض الآخر بنات رجال شرطة، وتضيف أنها رفضت كتابة تعهد بعدم الذهاب إلى الحفلات، معتبرة ذلك اجحافاً وتعسفاً في استخدام القانون.

وترى ويني عمر أن السلطة لعبت بشكل جيد على تحويل منظومة “النظام العام” لمصدر خوف حقيقي لدى جميع افراد المجتمع، ولدى النساء والفتيات بشكل خاص، صار المفهوم محاطاً بكثير من الافتراضات والوصمة الاجتماعية. وتقول في صفحتها على موقع “فيس بوك”: “هناك فتيات كثيرات حكين لي حالة الخوف من “الفضيحة” التي احسسن بها حال القبض عليهن بواسطة بوليس النظام العام، ومحاولة النفاذ من قبضتهم دون علم الأسرة أو الأقارب أو المجتمع المحيط بهن، ومحاولات (المخارجة)، بكل ما تعني الكلمة من خضوع للابتزاز والمساومة، من جهة، والوقوع في براثن الفساد والرشوة من جهة أخرى، وحالة التوتر والانهيار النفسي التي مررن بها بعد ذلك”. وأضافت “إننا في أمس الحاجة لأن نصرخ ضد هذا الصمت الطويل، بداية التعافي ستكون بالحكي”، واطلقت هاشتاق على تويتر #انا_ضد_النظام_العام، يهدف للتحرر من الخوف وتحدي القهر بصوت عال.

تحيز ضد النساء

رغم كثرة المطالبات المحلية والدولية بإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وعلى رأسها قانون النظام العام لولاية الخرطوم الذي صدر في العام 1996م، إلا انها لم تجد صدى لدى الحكومة السودانية ذات “التوجهات الإسلامية”، ورغم موافقة لجنة الحريات والحقوق بـ”الحوار الوطني” على إلغاء القانون مطلع العام 2016م، بعد أن تقدمت ممثلة حزب المؤتمر الوطني ( الحزب الحاكم)  في اللجنة بدرية سليمان بمقترح الإلغاء، وقال حينها رئيس اللجنة المناوب د. أبوبكر حمد إن بدرية سليمان تقدمت بمقترح لإلغاء قانون النظام العام عقب إدارة أعضاء اللجنة حواراً استمر90 يوماً.

ويقول القانوني والحقوقي والمدافع عن حقوق الإنسان، نبيل أديب الذي منحه الاتحاد الأوروبي ميدالية أبطال حقوق الإنسان في 2015م، لـ (التحرير)، إنه لا يتوقع إلغاء قانون النظام العام لعدم وجود مشاركة في الوصول للقرار، واتخاذ الحكومة لقراراتها دون طرحها للنقاش مع الناس، ويصف أديب الذي يترأس فريق الدفاع عن ويني عمر قانون النظام العام بـ “الرديء والسيئ”.

وأضاف قائلاً: “من العار أن يكون موجود في المنظومة القانونية”، ويشير إلى استخدام قانون النظام بطريقة فيها تحيز نوعي ضد النساء والفتيات، وتنفيذه بشكل انتقائي يسيء لسمعة البلاد، ويساعد على الفساد، وفساد القوات المنفذة للقانون نفسها، لافتاً إلى انتقال قانون النظام العام وتطبيقه في كل الولايات، رغم أنه قانون ولائي وليس قومياً، يخص ولاية الخرطوم فقط، ويقول إنه تقدم بطعن ضد قانون النظام لدى المحكمة الدستورية منذ العام 2009م، في قضية لبنى، ولم يصدر فيها قرار إلى الآن، ويرى أن المحكمة الدستورية نفسها غير ممكنة، وليس لديها الامكانية للتعاطي مع الطعون المقدمة أمامها  لعددها الكبير ولعدم وجود مكتب فني.

وتقف “هيئة علماء السودان” موقفاً صارماً تجاه أي محاولة لإلغاء قانون النظام العام، وقال رئيس الهيئة البروفيسور محمد عثمان صالح لـ (التحرير)، إن إلغاء قانون النظام العام لا يتوافق مع الشريعة الإسلامية، كونه يضبط سلوك المجتمع، معتبراً أن روح قانون النظام العام تعمل على الحفاظ على المجتمع، وعفة البنات والأولاد، رغم قوله إن هذا الأمر يفترض أن تقوم به الأسر والبيوت، ولا يمانع صالح على تعديل صيغة قانون النظام العام شريطة عدم المساس بروح القانون. واضاف: “إلغاء القانون لإرضاء جهات أجنبية أو منظمات أخرى، سواء كان من الخارجية الأميركية أو غيرها هذا مستحيل”، وهذا ما قلناه عندما اتى نائب وزير الخارجية الأميركي إلى السودان العام الماضي”، وتابع: “نحن نطالب ايضاً بإلغاء قوانين المثلية في أميركا، فلا يتدخلون في شأننا ولا نتدخل في شأنهم”. ورغم ربط صالح قانون النظام العام بالشريعة الإسلامية، إلا أن الفتيات المسيحيات اأضاً لم يسلمن من المادة (152)، ففي العام قبل الماضي عاقبت محكمة النظام العام، عدداً من الفتيات المسيحيات بتهمة ارتداء ما اعتبرته “زياً فاضحاً”، من قبل شرطة النظام العام أثناء خروجهن من حفل بالكنيسة في الخرطوم.

وكانت سفارة الولايات المتحدة الأميركية بالخرطوم، قد طالبت السودان في بيان لها حول محاكمة ويني عمر، في سبتمبر العام الماضي، بمراجعة تعديل المادة (152)، أو حذفها كلياً لضمان توافق القانون مع المادة (18) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وأشارت السفارة في بيانها إلى حث نائب وزير الخارجية الأميركي “جون سوليفان”، الحكومة السودانية على ضمان وحماية حقوق الإنسان لكل شخص.

وترفض شرطة النظام العام مطالبة جهات خارجية، بإلغاء المادة (152) من القانون الجنائي، بحجة أن المادة المذكورة لا تتعارض مع الحريات، وأن التشريع شأن داخلي يتعلق بسيادة الدولة وليس من حق أي جهة أخرى التدخل فيه، واستغرب مدير إدارة شرطة أمن المجتمع “النظام العام”، بشرطة ولاية الخرطوم العميد ماهر شلكي، من الحملات المطالبة بإلغاء قانون النظام العام، مشيراً إلى أنَّ المادة (152) لا توجد بقانون النظام العام، إنما بالقانون الجنائي. وأضاف: “للنظام العام قانون ولائي يقتصر نطاقه على ولاية الخرطوم وحدها. وقال لصحيفة “التيار” في ديسمبر الماضي إنَّ إدارته تعامل المواطنين بالنصح والإرشاد ولا تلجأ إلى فتح البلاغات مباشرة، مشيراً إلى أنَّ أكثر من (400) تعهد يحررها أمن المجتمع شهرياً حفاظاً على النسيج الاجتماعي للأسر، حيث لا يلجأ إلى تدوين البلاغات إلا في حالات قصوى. وقال إنَّ الزي الفاضح هو الذي يشف ويصف جسد المرأة، بمعنى أي لبس ضيق يظهر ما بداخله ويجسد الجسم تجسيداً كاملاً، مبيناً أنَّ ذلك يشمل الجنسين وليس قاصراً على المرأة وحدها.

وقد اعلن الناشط منتصر إبراهيم، صديق ويني عمر، الذي برأته المحكمة من  تهمة اعتراض نظامي اثناء أداء عمله، والازعاج العام، ورفضة الادلاء بأقواله حتى وصول محاميه، وتأكيد المحكمة على حقه في ذلك، اعلن مقاطعته للقاء دعت له السفارة البريطانية منتصف ديسمبر الماضي، تعبيراً عن الاحتجاج على تقاعس المجتمع الدولي تجاه حقوق الإنسان في السودان، وقال إبراهيم في صفحته في “فيس بوك”: “نقلت إليهم ضرورة الضغط علي حكومة الجنرال البشير لتعيد النظر تجاه سياساتها القامعة للمجتمع عبر الشرطة التي ظلت ترتكب أبشع الانتهاكات في السجون وفي حق الإنسان السوداني”، ووجه رسالة للنشطاء والمعارضة السودانية بعدم المراهنة على ادوار المجتمع الدولي لصالح قضايا الشعب السوداني، والعمل باستقلال تام عن أي تعويل عليها.

لبنى أحمد حسين

وتعد قضية الصحافية لبنى أحمد حسين التي عرفت بـ “بنطلون لبنى”، وقضية عضوة “مبادرة لا لقهر النساء” المهندسة أميرة عثمان التي عرفت بقضية “الطرحة” لرفضها وضع غطاء الرأس بعد طلب مستفز من رجل شرطة، أشهر قضايا قانون النظام العام التي وجدت اهتمام الرأي العام الدولي والمحلي، والقت الضوء على انتهاكات القوانين التي لا تتوافق مع الدستور السوداني والمواثيق الدولية.

وكانت محكمة للنظام العام أدانت لبنى تحت المادة (152)، بالجلد (40) جلدة، وسجنها شهراً بعد رفضها دفع الغرامة في العام 2009م، لكنها استطاعت المغادرة إلى باريس، حيث أصدرت كتاباً بعنون “40 جلدة من أجل بنطلون”.

أميرة عثمان

وبينما تقول الطبيبة “م أ ع”، إنها تتابع مع طبيبها النفسي من وقت إلى آخر لمساعدتها على التخلص من آثار ما حدث لها، ترقد الناشطة أميرة عثمان على سرير المرض الأبيض في العاصمة الألمانية برلين، إلا أنها ما زالت تقاوم وتناهض في القوانين المقيدة للحريات، وترى في حديثها لـ (التحرير)، أن كسر الفتيات لحاجز الصمت وتحدي الوصمة الاجتماعية، يساعد في مناهضة وإلغاء قانون النظام العام، إذا ارتبط بالشخصية الحقيقية، وأن على الرجال ايضاً أن يحكوا قصصهم مع النظام العام لخلخلة “التابوه”، وتقول: “يجب أن ننظم أنفسنا نساء ورجال لإلغاء قانون النظام العام”.

رد واحد على “ويني ورفيقاتها..  قصة نساء يواجهن عنف الدولة”

  1. يقول اخلاص احمد من مدينة كارديف . بريطانيا:

    فعلا تجارب مريرة ومواقف صعبة تعرضنا لها اخواتنا العزيزات ولا لا لقهر النساء وديمقراطية حق التعبير والتصرف واحترام الخصوصية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.