السودان: أرض الأمل أم الأسى؟ .. بقلم: جبرائيل واربيرج

السودان: أرض الأمل أم الأسى؟ .. بقلم: جبرائيل واربيرج
جبرائيل واربيرج
  • 21 يونيو 2020
  • لا توجد تعليقات

رصد- التحرير:

ترجمة: بدرالدين الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة وتلخيص لبعض ما ورد في مقال بقلم جبرائيل واربيرج عنوانه:” السودان: أرض الأمل أم الأسى؟” نشر عام 2008م بالعدد الرابع والأربعين من مجلة “دراسات الشرق الأوسط Middle Eastern Studies”. ويعرض المقال لكتابين عن السودان.

ولد بروفيسور واربيرج في برلين بألمانيا عام 1927م، وهاجر مع عائلته لفلسطين وهو طفل صغير وبقي بها حتى عام 1946م حين أكمل دراسته بكلية للزراعة، ثم درس تاريخ الدول الإسلامية في الجامعة العبرية بالقدس (بين عامي 1961 و1964م) واللغة العربية وآدابها في جامعة لندن، التي تحصل منها أيضا في عام 1968م على درجة الدكتوراه بأطروحة عن “إدارة الحكم الثنائي بين عامي 1899 – 1916م”. وعمل بعد ذلك أستاذاً في جامعة حيفا حتى تقاعده في عام 1996م.

ونشر الرجل الكثير من المقالات المحكمة والكتب عن السودان ومصر ودول عربية وإسلامية أخرى، منها كتاب بعنوان “الإسلام والقومية والشيوعية في مجتمع تقليدي: حالة السودان”، وكتاب “إعادة الشريعة الإسلامية في السودان في عهد النميري”، وكتب أخرى، إضافة لعدة مقالات عن الإخوان المسلمين، وأنصار المهدي، والحزب الشيوعي السوداني. وسبق لنا أن قمنا بترجمة شذرات من بعض كتب ومقالات هذا الكاتب.
المترجم
********** ********** **********
نستعرض في هذا المقال كتابين عن السودان، أولهما كتاب بعنوان: “دِلِيل كنانة عن السودان The Kenana Handbook of Sudan” حرره بي. جي. هوبكنز صدر عام 2007م، وثانيهما هو كتاب إم. دبليو. دالي المعنون: “أحزان دارفور: تاريخ الدمار والإبادة الجماعية” الذي صدر عام 2007م أيضا. وتناول كتاب دالي – ببعض التوسع – تاريخ السودان في فترة ما قبل الاستقلال، وصرعاته الإثنية الدائمة، تلك التي ظلت – للأسف – جزءًا من تاريخه منذ 1955م. وقد تحدد تلك الصراعات إن كان هذا البلد سيستشرف مستقبلا سعيدا كبلد موحد، أم ينقسم في النهاية مع (وبعد) المزيد من الاقتتال، وستقرر هل سيكون السودان أرض الأمل أم الأحزان؟ وبما أن دارفور ظلت في السنوات الأخيرة محظ أنظار إعلام العالم، فقد قررت أن أركز هنا على هذين الكتابين فحسب.

أما كتاب ” دِلِيل كنانة عن السودان” فهو كتاب جيد الاخراج ويحتوي على ثروة ضخمة من المواد عن السودان، أكبر أقطار أفريقيا، وأكثرها تورطا في صراعات قبلية ودينية وحرب أهلية منذ عام 1955م. ويتضمن الكتاب في صفحاته الكثيرة (التي بلغت 884 صفحة) معلومات غزيرة، بالكلمات والصور، في مختلف الحقول مثل البيئة والحيوانات والنباتات والهجرات والحرب منذ عام 1955م، وبالطبع الآثار، وما قبل التاريخ والتاريخ والثقافة والأدب، إضافة للحياة اليومية في السودان.

وساهمت شركة سكر كنانة المحدودة في إخراج الكتاب يحسبانها راعية وصاحِبة لحقوق الطبع والنشر، وهذا ما يستلزم بعض الحذر عند النظر في هذا الكتاب ومحتوياته. فالكتاب مشروع تجاري قامت به تلك الشركة بالتعاون مع دار نشر كيجان بول في لندن، التي تولى رئيس مجلس ادارتها (بيتر جي. هوبكنز) تحرير الكتاب.

وهنالك ملاحظة مهمة لا ينبغي تجاهلها، ألا وهي أن الذي كتب مقدمة الكتاب كان هو دكتور جلال يوسف الدقير (وزير الصناعة بالسودان، ورئيس مجلس إدارة شركة سكر كنانة المحدودة)، وهو، بصفته تلك، لا يُعد شخصا “محايدا”.

ذكر الوزير في مقدمته أن هذا الكتاب “العُمْدَة” هو “الكتاب الموثوق (authoritative) والنهائي (definitive) عن أكبر قطر في أفريقيا، إذ إنه يتناول كل الجوانب بالسودان، وجذوره التاريخية من مملكة النوبة القديمة إلى اقتصاده الحديث المعتمد على البترول، ونموه الحالي في ظل بيئة سياسية مستقرة وتقدمية، وإمكانات مستقبلية هائلة”. صحيح أن هذا الكتاب غني مُسْهَب، ونُشر ببذخ بائن عن طريق كبرى شركات البلاد، ربما ليس من أجل الفائدة التجارية وحدها.

غير أنه لا يصح وصف هذا الكتاب بأنه “النهائي” بأية حال، كما لا يمكن أيضا أخذ الوصف المذكور أعلاه عن “بيئة سياسية مستقرة وتقدمية” على محمل الجد. وفوق كل هذا وذاك، ألا ينبغي لكتاب صدر عام 2007م، وجمع مقالات من خبراء في كل الجوانب المهمة في السودان أن يذكر في أحد فصوله شيئا عن الأزمة الحالية في دارفور؟

لم أجد في صفحات الكتاب (884 ص) أي ذكر لدارفور سوى في صفحة واحدة (ص 800) تحت عنوان “السياسة السودانية” حيث ورد ما نصه: “تفاوضت الحكومة وغالب الحركات المسلحة ووقعت معاهدة للسلام والمشاركة السياسية” (هكذا!). ولم ترد في هذا الكتاب أي معلومة عن دارفور، رغم أن أمرها مهم لكل البشر، وليس للمهتمين بالشأن السوداني فقط.

وتجد في الفصل السادس والعشرين من الكتاب، وعنوانه: “التعايش الديني في السودان”، ص 357 – 364) أقل من ثلاث صفحات، من بين ما مجموعه ثمان صفحات للفترة التي تلت الاستقلال في 1956م، وتناولت بقية الصفحات سلطنة الفونج والعهد التركي – المصري والمهدية والحكم الثنائي (الإنجليزي – المصري)، علما بأن تلك الفترات قد تم تناولها في فصول أخرى. وهنا يؤكد الكاتب أن المشكلة كانت (ولا تزال) ليست دينية ولكنها تتعلق بالتهميش. ذكر كاتب ذلك الفصل ما نصه:

“لقد جعل الحكم المركزي الوضع أكثر سُوءًا بجعله الجنوبيين يشعرون بالتهميش والإهمال. وتنامى ذات الشعور في فترة لاحقة عند سكان دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وشرق السودان. فحمل سكان كل تلك المناطق السلاح في وقت من الأوقات ضد الحكومة المركزية. وبهذا، فالشعور بالظلم لم يكن وقفا على الغالبية غير المسلمة في الجنوب” (صفحة 362).

وهذا يعني، بحسب رأي كاتب ذلك الفصل، أنها كانت حربا بين القبائل (سُميت بالتهميش) قامت بها النخبة النيلية العربية المزعومة ضد المهمشين من قبائل البجا في تلال البحر الأحمر، والنوبة في جنوب كردفان، والقبائل الإفريقية في دارفور، والقبائل غير العربية في جنوب النيل الأزرق. هل هذا بالفعل “تعايش سلمي” كما يزعم عنوان هذا الفصل؟ وهل يُعد تطبيق أحكام الشريعة على سكان شمال السودان من غير المسلمين من “التعايش الديني السلمي”؟ (أورد الكاتب هنا قصة المدرسة البريطانية في مدرسة خاصة بالخرطوم وتسميتها، في نوفمبر 2007م، لكلبها … الخ. المترجم).

كتفي هنا بما أوردته من أمثلة لتوضيح رأيي حول هذا الكتاب، الذي أعده كتابا قيما، ولكنه ليس “الكتاب النهائي” كما زعم الوزير السوداني المذكور.

ويُعد المشاركون في تأليف فصول الكتاب من “المهنيين المحترمين” في مجالات تخصصاتهم، كان منهم بعض كبار موظفي الحكومة، وبعض الأكاديميين من السودان وخارجه، مثل بروفيسور يوسف فضل، وبروفيسور ريتشارد لوبان، وبروفيسور فرانسيس دينق.

وأود أن أشير هنا – بصورة خاصة – للفصل الذي كتبه الدكتور منصور خالد بعنوان “دور الاستعمار في خلق سودانين” وتناول فيه “الدرب الطويل نحو الاستقلال” بين عامي 1898 – 1956م”، في الصفحات رقم 187 – 193. وكان الرجل قد عمل في السابق وزيرا بحكومة جعفر نميري ومستشارا له، وقام بإصدار العديد من الكتب عن سياسة وتاريخ السودان الحديث. وتناول منصور خالد في ذلك الفصل ما عُرف بـ “سياسة الحكم الثنائي تجاه الجنوب”، وزعم أن: “الاستعمار الثنائي منذ أول يوم لحكمه وحتى بداية الحرب العالمية الثانية كان يهدف لخلق كيانين مُتَبَايِنين ومستقلين: كيان شمالي عربي مسلم، وآخر جنوبي أفريقي مسيحي (صفحة 189)، وأن أكبر الطوائف في ذلك الكيان الشمالي العربي المسلم هما الختمية وأنصار المهدية (الجديدة).

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية تكون “مؤتمر الخريجيين”، الذي انقسم أعضاؤه لاحقا إلى حزبين سياسيين: “الوطني الاتحادي”، الذي ينادي بالاتحاد مع مصر، و”الأمة”، الذي يدعو لاستقلال السودان. وكان الحزبان – رغم اختلافهما في كثير من الأمور، على اتفاق تام بأن جنوب السودان جزء لا يتجزأ من سودان موحد. وبمعنى آخر، كان الحزبان يريدان الجنوب ولكن بدون مشاركة للجنوبيين في العملية السياسية وحواراتها، أي أنهما كانا “يرغبان في الجنوب، وليس الجنوبيين” (صفحة 190). وبالفعل نجحت النخبة الشمالية، بقيادة ساستها، في تحقيق ذلك حتى أتى الاستقلال. وتخوف الجنوبيون من عواقب تلك السياسة رغم أنهم كانوا قد وُعدوا في الدستور بالنظر في أمر منحهم ما يطالبون به من حكم فيدرالي. وعوضا عن ذلك، اندلعت حرب بالجنوب من عام 1955م تسببت في مقتل وتشريد الملايين. (توقفت تلك الحرب لعقد من الزمان بين 1972 – 1982م باتفاق منح الجنوب حكما يشبه الفيدرالية)”. وزعم منصور خالد بأن اتفاقية السلام الشامل في 2005م ستحل مشكلة الجنوب حلا مرضيا.

أود أن أشير أيضا لفصل كتبه نوري محمد الأمين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، يدور حول “السياسة السودانية منذ الاستقلال”. ولا يختلف هذا الفصل كثيرا عن مضمون ما ذهب إليه منصور خالد أو يوسف فضل، إلا بقدر اختلاف تخصص كاتبه، إذ أن نوري محمد الأمين متخصص في العلوم السياسية، وكان مهتما بالعلوم السياسية أكثر من اهتمامه بالتاريخ فيما كتبه، وشرح للقارئ ثنائية السياسة في فترة ما قبل الاستقلال والتي كانت تدين باللواء إما لطائفة الختمية أو الأنصار، وأتباع الطائفتين يشكلون الغالبية الغالبة من قبائل السودان التي ظلت تتحارب فيما بينها، الأمر الذي جعل حياتهم عسيرة الاحتمال (صفحة 783).

واستعرض بروفيسور نوري محمد الأمين ببعض التوسع ما حدث بعد الاستقلال من تدخل الجيش في السياسة السودانية بسبب صراعات الطائفتين على السلطة (علما بأن قوتهما متساوية تقريبا). وفي نوفمبر 1958م حدث انقلاب عسكري دبره عبد الله خليل رئيس الوزراء وسكرتير حزب الأمة الذي يرعاه زعيم طائفة الأنصار، مدفوعا بخشيته من أتباع طائفة الختمية الذين كانوا يشاركونه في حكومة ائتلافية. وانتهى الحكم العسكري في أكتوبر 1964م بانتفاضة شعبية تكونت بعدها حكومات مدنية بقيت في الحكم حتى مايو 1969م عندما أطاح بها انقلاب عسكري آخر قام به “الضباط الأحرار” بقيادة جعفر نميري. وكان ذلك النظام العسكري الجديد يتبع سياسة مؤيدة للناصريين. وأفلت نظام نميري من عدة محاولات للانقلاب عليه، ولم يجد له من حلفاء إلا الإسلاميين عند إعلانه العمل بالقوانين الإسلامية عام 1973م.

وكان هذا ما منحه 12 عاما إضافيا في الحكم، حتى أُطيح به في انقلاب عسكري في 1985م (هكذا! المترجم)، واُعيدت الديمقراطية للبلاد في 1986م، ولكن لثلاثة أعوام فحسب. وفي يونيو 1989م أتت “ثورة الإنقاذ” بانقلاب عسكري بقيادة عمر حسن أحمد البشير ودعم من حسن الترابي زعيم الجبهة الإسلامية القومية. وكانت تلك نهاية ثالث ديمقراطية برلمانية. ورغم أن بروفيسور الأمين عد اتفاقية السلام الشامل (التي وقعتها “ثورة الإنقاذ” مع حركة تحرير السودان) “حدا فاصلا في السياسة السودانية”، إلا أنه أضاف أيضا بأنها “أتاحت للجنوبيين الفرصة لاختيار الاستقلال. لذا فليس من المعروف إن كانت اتفاقية السلام الشامل ستمنع السودان من أن “يتقسم مرة أو أكثر إلى دول سودانية كبيرة وصغيرة” (صفحة 801).

ومن فصول الكتاب المميزة فصل كتبته جين هوقان بعنوان” صور تاريخية عن الحياة في أيام الحكم الإنجليزي – المصري”، أوردت فيه استعراضا لما يحتفظ به أرشيف السودان بجامعة درم البريطانية من صور ومقالات ومذكرات أهداها له من عملوا بالسودان من إداريين ومهنيين في غضون سنوات الاستعمار. وضمنت هوقان مقالها الطويل (من صفحة 369 إلى صفحة 432) صورا جميلة (1).

(استطرد كاتب المقال هنا في ذكر تجربته الشخصية في منتصف الستينيات مع ذلك الأرشيف، عندما بدأ في تحضير رسالته للدكتوراه عن “إدارة السودان الإنجليزي المصري بين عامي 1899 و1916م” تحت إشراف بروفيسور بيتر هولت.، رائد الأرشيف في السودان. واستل من تلك الرسالة كتابه الأول المعنون: “السودان تحت إدارة وينجت”.
******
أما الكتاب الثاني الذي نستعرضه هنا فهو عن دارفور. وكما هو ملاحظ، فقد صارت دارفور في السنوات الأخيرة محط أنظار الصحافة والإعلام بأنواعه. وتم نشر الكثير عن المذابح والدمار الذي حاق بذلك الجزء من أفريقيا. غير أن الكثيرين يجهلون طبيعة وقدر المشاكل التي تثقل كاهل دارفور، ولا يعلمون عن تاريخها الشيء الكثير. لذا فإن كتاب دالي عن دارفور وأحزانها قد أتى في الوقت المناسب تماما. لقد ظل ما يُنشر حتى الآن عن الأزمة الحالية في دارفور عاجزا عن ربط ما يجري الآن في دارفور بتاريخها المُعَذَّب، خاصة في سنوات تجارة الرقيق إبان القرن التاسع عشر، وأثناء فترة المهدية. وتلك الفترات كانت هي البداية (الحقيقية) لأزمة دارفور الحالية. وهنا أستعرض خطفا بعض الحقائق والأرقام التي قد تساعد القارئ على معرفة تاريخ دارفور (2).

أنشئت سلطنة دارفور في غضون سنوات حكم السلطان العثماني سليمان العظيم (حوالي عام 1650 – 1680م). وبعد استيلاء الاتراك والمصريين على السودان (عامي 1820 -1821م) ظلت دارفور محتفظة باستقلالها حتى عام 1875م حين ضمها الحكم التركي – المصري (عن طريق الزبير رحمة منصور، تاجر الرقيق الأشهر في غرب السودان). وفي عام 1884م غدت دارفور جزءًا من دولة المهدية، وأُسر حاكمها النمساوي رودلف فون سلاطين باشا وظل أسيرا للمهدي ثم خليفته عبد الله بعد 1885م. وعقب استعادة الجيش الإنجليزي – المصري للسودان (بين عامي 1896 – 1898م) استعادت دارفور استقلالها بحسبانها سلطنة مستقلة تحت قيادة السلطان علي دينار. وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى أيد علي دينار الأتراك والإيطاليين، فقام البريطانيون باستعادة دارفور وضموها للسودان الإنجليزي – المصري في عام 1916م.

وينبغي هنا أن نذكر بعض الحقائق الإضافية عن دارفور في فترة ما قبل الاستقلال. فمعلوم أن دارفور تقع على بعد متساوٍ من البحر الأحمر ومن المحيط الأطلسي. ولذا فإن حكمها من الخرطوم كان يستحيل عمليا دون توفر وسائل مواصلات كافية. وعلى الرغم من أن دارفور لم تثر على الحكومة المركزية بالخرطوم (مثلما فعل الجنوب منذ عام 1955م حتى 2005م)، إلا أنها ظلت دوما في حالة أزمة وعلى حافة التمرد. ويجب أن نتذكر أن دارفور كانت قد أيدت المهدي في عام 1884م، وظل غالب أهلها يؤيدون أنصار مهدية القرن العشرين.

وظهر بدارفور في ذلك القرن عدد من المهدويين (المحليين) والمتنبئين والعيسويين المتعصبين. وبذا يمكن للأنصار الداعمين لحزب الأمة أن يعتمدوا على تأييد قوي في دارفور إن قامت بها انتخابات (حقيقية). وهذا ما مكن السيد الصادق المهدي، إمام الأنصار، من الحصول على الأغلبية في انتخابات عام 1986م، التي غدا بعدها رئيسا للوزراء. ونذكر أخيرا هنا أن دارفور لم تنضم للجنوب قط في ثورته على المركز سعيا لنيل الاستقلال، لذا لم تُشمل دارفور في اتفاقية السلام الشامل في 2005م.

غير أن قيادات دارفور المتشرذمة أدركت أن الجنوب قد أوشك على الحصول على الحكم الذاتي (أو حتى الاستقلال) نتيجة لحربه الأهلية الطويلة ضد حكم النخبة العربية – المسلمة في الشمال، فبدأت في إثارة العدائيات في أنحاء دارفور المختلفة. وكانت القبائل المسلمة وغير العربية في دارفور تتوق إلى استعادة استقلال دارفور كما فعل الجنوبيون (؟! هكذا! المترجم). وأشتعل القتال بين مختلف القبائل لسنوات عديدة، وتفاقم لدرجة كبيرة في عام 1987م. وبعد انقلاب 1989م وقيام حكم نظام البشير – الترابي ساءت الأوضاع في دارفور أكثر فأكثر. وقام ذلك النظام بتقسيم دارفور في عام 1994م إلى ثلاثة أقاليم، غير أن القتال في دارفور استمر رغم ذلك بصورة متقطعة. ومع عام 2003م صار القتال على أشده بين الجماعات المتمردة والقوات التي ترعاها الحكومة (المعروفة بالجنجويد)، وتتواصل هذه المعارك حتى الآن (2007م). وفي يوليو من عام 2001م قدم الفور والزغاوة أنفسهم كزعماء للأغلبية العرقية بدارفور، واجتمعوا في أبو قمرة (بمحلية كرنوى في ولاية شمال دارفور. المترجم) وقاموا بالتوقيع على تحالف ضد القوات التي ترعاها الحكومة، والتي تسعى لبسط السيادة العربية على دارفور. وشن ذلك التحالف أول عملية له في فبراير من عام 2002م في جبل مرة. وكانت عمليات التطهير العرقي قد بدأت (في تلك الأيام)، إذ أُحرقت حينها قرى السكان من غير ذوي الأصول العربية، وقُتل سكانها الرجال، وقُتلت أو نهبت مواشيهم، وسبيت أو اغتصبت النساء والبنات، واحتلت القبائل العربية القرى التي فر منها سكانها من ذوي الأصول الإفريقية وأعادت ببساطة تسميتها.

وفي أغسطس من عام 2002م عقد قادة الفور مؤتمرا في نرتتي برعاية الحكومة ورئاسة حسين أيوب (أحد أحفاد السلطان علي دينار)، والمعترف به كأكبر شخصية في العائلة المالكة السابقة. وجاء في قرارات ذلك المؤتمر الختامية (التي وافقت عليها جبهة تحرير دارفور) “مطالبة الحكومة … القيام بواجباتها المركزية في الحفاظ على الأمن” (صفحة 279). غير أن الحكومة لم تلق بالا لتلك التوصية، ولم تكن عازمة على تطبيقها أصلا، بل واصلت في دعم عمليات التطهير العرقي.

وتم بالعاصمة النيجيرية أبوجا في مايو من عام 2006م التوقيع على “وثيقة سلام دارفور”، إلا أن مجموعتين متمردتين رئيسيتين رفضتا التوقيع عليها، مما أفشل تنفيذها.
وأعود فأكرر هنا أن الحرب الأهلية بالجنوب (التي بدأت عام 1955م) بين الشمال والجنوب كانت لها أسباب ودلالات دينية وعرقية، بخلاف الحرب في دارفور التي دارت وتدور بين بين القبائل المسلمة الأفريقية والقبائل المسلمة العربية، والتي كانت عرقية المنشأ.
واختلفت تقديرات الخسائر في الأرواح والممتلكات التي خلفتها الحرب الأهلية في دارفور. وقدرت وزارة الخارجية الأمريكية تلك الخسائر في عام 2004م بأنها طالت 400 قرية تم تديرها تماما، وتهجير 200,000 لاجئا عبروا الحدود إلى تشاد، ونحو 1.2 مليون نازح في مناطق غرب السودان المختلفة. وهاجر معظم هؤلاء إلى مدن السودان الكبيرة، حيث أقاموا لهم معسكرات في أطرافها…. (صفحات 283 – 285).

ودأبت الحكومة السودانية على النفي القاطع لما يرد في وسائل الإعلام من أدلة تثبت ضلوعها في عمليات التطهير العنصري بدارفور، ووصفتها بأنها “كلها خاطئة، وناتجة عن معلومات مضللة، وتعتمد على دعايات المتمردين، وتحيز وسائل الإعلام الغربية ضد العرب والإسلام، ومكائد الصهيونية، والأنظمة المجاورة الراغبة في إثارة المشاكل بالسودان وتلفيق القضايا ضده”.

وكان مما ساعد سياسة التطهير العرقي (التي تبنتها الحكومة وحزبها) هو الاهتمام الذي أولته الدوائر الغربية بإنهاء مشكلة جنوب السودان (منذ نحو خمس أعوام مضت)، في الوقت الذي تجاهلت فيه مشكلة دارفور، وعدتها مجرد مسألة “إنسانية”، وليست مشكلة سياسية. ولم تستخدم الولايات المتحدة كلمتي “إبادة جماعية” إلا في سبتمبر 2004م عندما خاطب كولن باول، وزير الخارجية الأميركية، لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بخصوص دارفور. وكان الاتهام حينها موجها لـ “الجنجويد” وليس للحكومة السودانية. ولم تذكر عبارة “الإبادة الجماعية” رسميا إلا بعد عام كامل تقريبا، وذلك في قرار لمجلس الأمن (رقم 1593) صدر في فبراير من عام 2005م، وأتهم فيه حكومة السودان بالتواطؤ والضلوع في الإبادة الجماعية بدارفور.

وكانت الحكومة السودانية تأمل في أن يساهم توقيعها على اتفاقية السلام بأبوجا (في التاسع من يناير 2005م) في تخفيف الضغط العالمي عليها من أجل إيقاف تلك الإبادة الجماعية، إلا أن الضغوط البريطانية والأمريكية على الحكومة السودانية ازدادت زخما وعدائية. غير أن تلك الضغوط قابلها امتناع صيني عن “التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى”، ولا عجب، إذ أن الصين هي المستورد الأول لبترول السودان. واتخذت روسيا ذات الموقف لأنها مصدر السلاح الذي تستخدمه الحكومة السودانية. أما فرنسا فعللت عدم تدخلها في مشكلة دارفور بسبب “ضعف النظام الحكم في تشاد” وعدم رغبتها في إثارة مشكلة (جديدة) في ذلك القطر.

لذا كان على دارفور الانتظار، إذ أن بوش وبلير كانا في شغل شاغل بمشاكل العراق وأفغانستان وإيران. ولم يكن ذلك هو السبب الوحيد في تأخير القيام بدور(عالمي) فعال في دارفور، إذ أن حركات دارفور المعارضة للحكومة نفسها كانت منقسمة ومتعارضة، وهذا مما ليس من شأنه أن يساعد على التفاوض بصوت واحد. وأشار دالي في كتابه محقا (في صفحة 299) إلى أن ناظر قبيلة الرزيقات القدير، محمود إبراهيم موسى مادبو، كان قد حافظ على السلم بين قبيلته والقبائل المجاورة. غير أن الحكومة المركزية كانت تعمل على إفشال محاولات الصلح بين القبائل، إذ أنها كانت تؤمن بأن الصلح بين تلك القبائل سيضعف من قبضتها على الإقليم.

ورفضت الحكومة منح تأشيرات خروج لزعماء القبائل الدارفورية لحضور مؤتمر سلام في ليبيا في يناير من عام 2005م. ثم حدث تطور جديد في السودان بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل مع الجنوبيين وذلك بتعيين لام أكول (أحد قادة الحركة الشعبية في وقت سابق) وزيرا للخارجية. وحدث انقلاب عسكري بتشاد في إبريل 2006م انقطعت بسببه العلاقات الدبلوماسية بين السودان وتشاد، وجعلت الأوضاع في دارفور أكثر سوءًا، خاصة في مناطق الحدود مع تشاد، حيث أقيمت معسكرات آلاف النازحين الدارفوريين.

وتم في 2 مايو 2006م بأبوجا التوقيع على “وثيقة سلام دارفور” بين حكومة السودان وبين حركة تحرير السودان والجيش الشعبي السوداني. وجاء في تلك توصيات تلك الوثيقة إنشاء سلطة اقليمية انتقالية لدارفور يرأسها مساعد لرئيس الجمهورية يرشحه المتمردون الدارفوريون، وتعيين حكام ولايات دارفور الثلاث. وتضمنت الوثيقة اقتراحا بتكوين لحنة لحصر التعويضات و”مطالبات الممتلكات”، لحل مشاكل الأراضي.

لقد كانت تلك الوثيقة شديدة التفصيل، مما جعلها عرضةً لعدد لا حصر له من التفسيرات المتباينة، وكان هذا ما شكك في إمكانية تنفيذها على أرض الواقع. وفي هذا كتب دالي: “كلما طالت الوثيقة، سهل تقويض بنودها” (صفحة 310). وكما هو معلوم، رفضت حركتان مسلحتان التوقيع على “وثيقة سلام دارفور” رغم مشاركتهما في كل مراحل التفاوض وفي حفل التوقيع في يوم 6 مايو 2005م. وكان أحد قادة الحركات الدارفورية (عبد الواحد محمد نور) غير راضٍ عن الترتيبات الأمنية وشكا من عدم كفاية التعويضات. غير أنه “إذا طبقت بنود تلك الوثيقة كما وردت، فسيكون الثوار قد حققوا الكثير… ففي تلك الوثيقة قدمت الحكومة السودانية الكثير من التنازلات الرسمية التي لها أهمية سياسية عظيمة.

وفي حالة عجز الحكومة عن تنفيذ ما ورد بالوثيقة، فينبغي مراجعة كشف الحساب” (صفحة 311). وبغض النظر عما إذا كان ذلك العجز قد أفضى لانفراط الأمن في دارفور، فما حدث بالفعل أن الأوضاع في دافور قد ساءت بالفعل، وتضاعفت أعداد القتلى في مجازر عديدة. غير أن تضييع الوقت تواصل. وتضاعفت أيضا أعداد الذين هم في حاجة ماسة لعون إنساني حتى بلغ عددهم 3.5 مليونا، ولا بد أن عددهم الآن (أي في 2007م) أكبر من ذلك.
ويبقى السؤال الأهم: أهناك في الأفق حل قابل للتطبيق والاستمرار؟ أم أن “أحزان دارفور” ستتواصل، وأن التقتيل والدمار سيكون هو قدرها على الدوام؟ (3).

ومما يزيد صورة الأوضاع مأساوية هو تقرير نشر في صحيفة “نيويورك تايمز” (بتاريخ 3 /9/ 2007م) يفيد بأن القبائل العربية في دارفور الملامة على ارتكاب عمليات التطهير العرقي، بدأت في التحارب فيما بينها، ربما تنافسا على ما غنموه في هجومهم على القبائل غير العربية. ولا يمكن أن يكون هنالك سبب عرقي أو ديني لتلك المعارك، وقد تكون تلك معارك (تقليدية) بين القبائل كما كان يحدث في عصور سابقة، رغم أن البعض قد يرى أنه من عدم اللباقة والصحة السياسية أن توصف تلك المعارك بتلك الصفة. غير أنها في السودان وبعض الدول الأفريقية قد عادت من جديد، للأسف، بحسبانها أمرا يتعلق بالشرف (القبلي).

لا شك أن كتابي “دليل السودان” و”أحزان دارفور” يساهمان مساهمة كبيرة في زيادة فهمنا للسودان وتقديرنا للكم الهائل من المشاكل التي يكابدها. وكما ذكرنا آنفا، فأهم سؤال يواجه السودان اليوم (أي في 2007م) هو: أسيظل السودان دولة موحدة أم منقسمة؟ وبالنظر إلى ما حدث بين إثيوبيا وأرتيريا، وما وقع في الصومال من حرب أهلية متطاولة، فكل الاحتمالات واردة.
___ ___ ___ ____

إحالات مرجعية:
1. أصدرت هوقان بالاشتراك مع مارتن دالي كتابا ضخما بعنوان “صور إمبراطورية Images of Empire، سبق لنا ترجمة شذرات قليلة منه تحت عنوان “إرث الحكم الثنائي الإنجليزي – المصري”، تجدها هنا https://cutt.ly/cuEUfNT%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85-

2.لبروفيسور أوفاهي كتاب بعنوان “تاريخ سلطنة دارفور”، استعرضه الأستاذ عبد المنعم خوجلي في كتابه “لمحة من تاريخ دارفور”.
3. يمكن النظر في مقال مترجم لبروفيسور أوفاهي عنوانه: “هل لدارفور مستقبل في السودان؟” http://www.sudanile.com/71352


alibadreldin@hotmail.com

الوسوم رصد-التحرير

التعليقات مغلقة.