رحلتي إلى آخر الدنيا (١٢): بورتلاند

  • 07 أكتوبر 2019
  • لا توجد تعليقات

أنور محمدين

انطلقنا صباحا جنوبا بغية زيارة موقع جديد .. ما الوجهة؟
حسناً..
تمتد على الساحل الغربي للولايات المتحدة ٣ ولايات بمحاذاة المحيط الهادئ: ولايتنا واشنطن المتاخمة كندا شمالا.
كاليفونيا الممتدة حتى المكسيك جنوبا. وبينهما ولاية أريقون مقصدنا. وهي متنوعة المناخات وبها أعمق البحيرات. وتعد التكنولوجيا والأخشاب وصيد الأسماك والمنتجات الزراعية من أهم مقومات اقتصادها وهي مقر شركة نايكي الخاصة بالملابس والأحذية الرياضية الشهيرة المنتشرة في كل العالم.

إذن نحن في الطريق لزيارة بورتلاند كبرى مدنها. نتوقف في الطريق لتناول ساندوتشات للفطور من فرع ماكدونالدز ويلتقينا أثيوبي يعمل هناك ويتحدث عن السودان بحب فنبادله الود.

ها نحن نعبر نهر كولمبيا العظيم الذي يفصل ولايتنا عن ولاية أوريقون على جسر من مجموعة جسور متراكبة فيما القواعد مشتركة ففوقنا سيل سيارات تتدفق وتحتنا كذلك مع اختلاف المخارج والمداخل.

إنهم يبنون الكباري طبقة عن طبقة ولا أدري لماذا لا ” نبص ” تجارب الآخرين الناجحة ونطبقها للاقتصاد في الأرض والمال.

ولاية الخرطوم حاليا بصدد تشييد جسرين في كفوري وودنوباوي لماذا لا نبنيهما فوق كبريي القوات المسلحة والحلفاية مثلا؟ وإن اقتضى ذلك أعمدة تعزيزية ومشدات مساندة كما في جسور كثيرة هنا؟

ندخل مدينة بورتلاند وفي قلبها نوقف سيارتنا في مرآب يشرف عليه أردني يرحب بنا. نخرج ونرتاح في كافتيريا ستار بوكس ونتناول فيها مشروبات ساخنة وقوالب فطاير ثم نخرج فنجدها نظيفة .. مخططة جيدا فنتمشى راجلين تجاه الشاطئ الخلاب .. القطار الكهربي يسير متمهلا ب ٣ عربات فيما تتقاطع شرايين سيره طولا وعرضا وبما أنه يسير بالكهرباء لا بمشتقات النفط فهو صديق للبيئة.

يمنانا مبنى ضخم عال يضم المحكمة الدستورية ونمضي وسط محال راقية وبنايات ذات طوابق متعددة تصل ٣٠ فخيمة حجربة وزجاجية والأقدم قوامها الطوب الأحمر يقول عنها بسام الذي زار لندن حديثا إنها تشابه العاصمة البريطانية بل جل مبانيها أحدث لكنها بالطبع أصغر حجما.

بعد نحو ١٣ شارعا نصل الشاطئ الذي تمتد عليه حدائق جميلة منجلة وعلى الضفة أرائك راقية مريحة وعلى مقربة منا يسارا جسر يمتد للطرف الآخر من المدينة.

أمامنا عشرات اليخوت والزوارق الشراعية المميكنة وتكاسي نهرية بطابقين بمقاعد جلدية راقية تأخذ السياح والزوار في جولات عبر مصب نهري كولمبيا وولاميت المديد الذي نجلس عليه. وتتناثر أكشاك توفر للراغبين ما يطلبون وشلالات من النوافير تصدح في بهاء ينداح رذاذها بعيدا يلهو تحته الصغار. ولست أدري ما الذي يمنع إنشاء عشرات النوافير في العاصمة وسائر مدائننا!

في طريق العودة راجلين دخلنا مجمعا تجاريا فذكرت إحدى البائعات وهي بصفار فاقع أنها من هندوراس في أمريكا الوسطى فلاطفتنا واسترسلت في الحديث اللطيف. وبلادها مستعمرة إسبانية سابقة شأن معظم بلاد أمريكا اللاتينية التي تسودها اللغة الإسبانية والاضطرابات والجريمة حيث تعد هندوراس الأعلى عالميا في الاغتيالات.

وتعد اللغة الإسبانية الثانية عالميا من حيث عدد المتحدثين بعد الصينية وتعلمها مفيد لأنها تفتح سوانح العمل في السلك الدبلوماسي والمنظمات الدولية والإقليمية ومما يشجع على ذلك اشتمالها على كثير من المفردات العربية بحكم بقاء العرب قرونا في شبه جزيرة إيبيريا التي تضم إسبانيا والبرتغال وجبل طارق.

بالخارج على الناصية يجلس مسن مهندم على كرسي يرسل ألحانا شجية من جيتاره فيتوقف عنده بعض المارة الذين يضعون في وعاء جواره بعض النقد’ إنه لا يتسول بل يشرح الصدور وينال أجر جهده بأسلوب متحضر.

يحيط بموقف سيارات كبير عدد من المطاعم العربية الصغيرة والفارسية والهندية المنظمة فلما وجدنا المصري غير جاهز واللبناني مشغولة مقاعده جلسنا عند العراقي فتغدينا بأصناف بلاد الرافدين. ولكنا لم نصادف سودانيا وقد علمنا وجود عدد يعملون هنا في استقرار لكن مدينة الورد كما تسمى لانتشاره اللافت التي يسكنها كثيرون من حملة المؤهلات العليا والمتقاعدين لجمالها تفتح ذراعيها لمزيد. وهي تضم جامعة ولاميت الشهيرة التي أسست ١٨٤٢ كأعرق جامعة في الغرب الأمريكي’ أي قبل جامعة الخرطوم ب ٦٠ سنة’ ويدرس فيها عدد من الطلاب العرب.
أمامنا متجر شهير عريق بطوابق متخصص في حقائب السيدات والمصنوعات الجلدية والجديد فيه أنه يتسلم من زبوناته القديم ويعطيهن الحديث الصنع والموديل بصيغة ميسرة فمن الطبيعي أن عمرها قارب قرنا!

في جلستنا ونحن نتناول عصير فواكه طازجة كنت أفكر كيف تمدد الأوروبيون هنا ونقلوا ثقافتهم ونمط حياتهم وحتى أسماء مواطنهم الأصلية فبورتلاند مثلا بلدة إنجليزية معروفة نشأت فيها صناعة أسمنت البناء المستخرج من الحجر الجيري الذي يضاف إليه الطين ومواد معالجة لذا نجد في أكياس الأسمنت عندنا تكتب عبارة .. أسمنت بورتلاندي. ها هم سموا بها هذه المدينة الجميلة بل هناك أخرى تحمل اسمها في ساحل الأطلسي الشرقي قرب كندا. وذهب السودانيون على النهج ذاته هنا فسموا موقعا تكاثروا فيه أمبدة. ومن المؤكد وجود غيرها من صور السودنة.

عدنا نسترد سيارتنا ونطوف بها بعض الأحياء وحديقة جيفرسون التذكارية الوارفة وهو الرئيس الأمريكي الثالث.
وبعد أن بارحنا المدينة التي استهوتنا وسرنا قليلا عبر ضواحيها ونحن نجتاز نهر كولوميا الدفاق عائدين كانت شمس الأصيل تتوارى تدريجيا خلف الغمام الراحل وكانت الأزاهير اليانعة الزاهية متنوعة الألوان تتناغى على حواف الطريق منشرحة وكأنها تطرب معنا للشفيع يشدو:
لحن الحياة منك
ما تقول نسينا الماضي
وصرنا ناسينك

أنور محمدين
بورتلاند

الوسوم أنور-محمدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*