سوميت بنات درجيل

عالم عباس
  • 08 أكتوبر 2019
  • لا توجد تعليقات

د. الطيب حاج مكي

في مناسبة اختيار عالم عباس أمينا على الثقافة ومجلسها القومي وفنون السودان، يصبح الكلام ليس عن إزجاء التهاني بقدر ما هو استعراض سيرة سوداني جسد بشعره وكتاباته عظمة هذا البلد العظيم، مثلما جسد بالبيان تنوعه ومآسيه وحروبه وانتصاراته وخسائره وانكساراته، وخاصة جسد مزاجه في مقاومة الشموليات.

ولن يجازف المرء إن قال إن ليس ثمة معادل لعطاء عالم عباس في (الوطنيات)، إلا حب ابن الرومي وحبيب الزيودي وأمير الشعراء أحمد شوقي. فقد هام عالم بوطنه وجن بحبه، وجعله (القبل) الأربعه منذ أن كان يافعًا مقبلاً على المرحلة الجامعية.

 إن اختيار ثوار ديسمبر عالم عباس ليكون أميناً على الثقافة والمجلس القومي للفنون ليس اختياراً قابل أهله ولكنه أشر لاستعادة الخرطوم لوجهها القديم ولألق الحروف ولوظيفة الكتابة ورقة الإشارة ولتصويب دور الشعر في الحياة العامه. بل ويُرجى أن تستعيد به بلادنا معاني أمكنه ومسارح وقيم تفرقت وكادت أن تدرس. فعالم عباس مثل دائمًا ذاكرتنا الجمعية التي حاول البعض بدأب يحسدون عليه دفعنا لنفقدها.

جسد عالم بأشعاره ودلالاتها التاريخيه مقاومة تلك الذاكرة للنسيان وخاصة في قصيدته الديوان (سوميت بنات درجيل). وبنات درجيل ملحمة توثق لكل سودانيه حرة وعقد في جيد كل رابحة وكنانيه. إنها توثيق لبذل حبوباتنا ولما تغافله التاريخ الوطني عمدًا أو سهواً. إنها توثيق لمنازلة بطولية خاضها السطان تاج الدين ورفاقه نيابة عن الوطن ضد الغزاة الفرنسين.

عرفت عالماً، وزاملته في المهاجر وتشرفت إلى جواره بعضوية منابر الإبداع والكتابة، وفي كل حين ظل منكبًا على الاهتمام بهذه الجوانب، وبوظيفة الشعر ودور الشعر في الحياة العامي.

يضيء الحياة بحيويته، ودائماً أجد عناوين دواوينه أغاني حلوة النغم، لها وقع الترنيم والكرير والجراري والهسيس ومتعة الماورائيات، فضلاً عن أنها ترياق ضد تزييف الوعي ودواء لداء الكذب والتكاذب والنفاق الطافح.

عالم عباس مثل عظماء الحرف في بلادنا، حياته سجل مفتوح من البطولة والمواقف التي بقدرما تدعو إلى الفخر بقدرما تستلزم النشر. لم يعترف عالم قط بشرعية أي سلطة قهرية. وظل يقف مقابلاً لها، ليس لأنها ظلت تقف مقابل كل شيء جميل في السودان، أو لأنها نقيض للجمال ولكن لأن “عالم” نشأ في عالم شكّل وعيه وفيه تعرف إلى معاني “الشرعية” وشروطها، وارتبطت بالشرع، وليس “بالمشروعية” الانقلابية، أو ما يسمى بسلطة الأمر الواقع.

الشرعية في بيئة عالم عباس تعني أن يختارك الناس برضاهم، وأن تلتزم بعقد اجتماعي بينك وبينهم. وعالم نشأ في بيت علم وحكم كان جده قاضي قضاة السلطان علي دينار، ولهذا تتطابق عنده معاني الشرعية والشعبية، وهو ما جسدته ملحمة “سوميت بنات درجيل”. الشرعية التي تدفع النساء ليربطن”السوميت” والخرز و”الدهب” لحصان الفارس المدافع عن وطنه.

ففي عام 2013 وقف عالم عباس ينكر شرعية قائمة وقتئذ، ويطلق شعرًا كل كلمة فيه بقدر رصانتها كانت رصاصة ضد الزيف. وكل شطر ينذر بعيني زرقاء اليمامه، ويشيء بالآتي أو بثورة ديسمبر وكانه تطلع ورأى يوم 11 أبريل2019م. ساعتها كانت الإنقاذ قد أفرغت للتو خزانة بنادقها في صدور اليفع وأولاد الجامعة وأطفال المدارس والشوارع ثم سحلت أجسادهم في شوارع ود نوباوي وأزقة بري. ثم قيدت جميع البلاغات ضد “عربات بدون أرقام”.

وقف عالم أمام جمهور جائزة الطيب صالح كالسيف، وقد تسلل مصطفى عثمان اسماعيل إلى مائدة إتحاد الكتاب. فقال عالم يصف إخماد ثورة سبتمبر 2013م :-

هدوء، ولكنه عاصفةْ
هدوءٌ،
وفي صمته الكاظم من غيظه
قنبلةٌ ناسفةْ.
هدوءٌ،
يهندس في السرِّ
ذرّاتِ وثبته،
ومجرّاتِ ثورته،
واكتساحَ جحافله الجارفةْ.
هدوءٌ
يدَمْدِمُ غَضْبتَهُ، ويُكوّرُ قَبْضَتَهُ
ويدوْزِنُ أوتارَ حناجرِهِ الهاتِفةْ.

هدوءُ

يحدد وجهته ويزلزل عرش البغاة.

نظر مصطفى عثمان إسماعيل إلى عالم بحنق ولعله تحسس جيبه. فقد نقلت لنا الكاميرا الحضور الكبير لاتحاد الكتّاب العرب ثم أوحت بأن حضور الضيوف منع قرار حل اتحاد الكتاب السودانيين. إذ فور خروج مندوب الإنقاذ من الاحتفال تم حل اتحاد الكتاب، وتم منع الكلام، ومصادرة النشاط، ولكن هيهات، فالشعر لا يعدم بالقرارات الفوقية والكلمة التعبيرية نسمة يستحيل أن تسجن. لكن لمن تدق الأجراس؟ فقد كانت قصائد آنا أخماتوفا على أيام “السفاح ستالين” تقرأ “بالدس” واختفى ستالين وانتشرت أشعار آنا وخالدتها. ولكن الطغاة مثل البغاة، بلا ذاكرة. مضت قصيدة عالم تبشر وتنذر:

هدوءٌ،
يُخاتِلُ عُذْرَ التأنِّي،
وغَدْرَ جَلاوِذَةِ الأمْنِ،
إفْكَ الدجاجلة الملتحين،
ذوي السحنة الزائفةْ.
هدوءٌ،
وتحسبه هدْأة الموت،
لكنّها الآزفةْ،
ستتْبعُها الرادفة.
فلا هجعت تلكمُ الأنفس الخائراتُ
ولا وهنت جذوةُ الرفض فينا،
ولا نامت الأعينُ الخائفةْ
وصدق عالم. إذ لم تخبو جذوة الرفض فينا ولا نامت العيون. وانتهت الإنقاذ إلى مصيرها.

“القومه” لعالم عباس فهو إنسان “نسمة” في ظرفه ولطفه وفي إنسانياته السودانية. لم تجد دوواين عالم الترحيب من الحكم الشمولي، ولم تكن له شلة لتروج له.

وقد واجه الحملات المأجوره ضد شعره بالابتسامة والسخرية والظرف والتبكيت. ففي الطريق إلى إلقاء محاضرة بمعية البروفيسور ميرغني عبد العزيز في عام 2003م، قلت للشاعر الكبير “شنو الحملة ياعالم ؟” وكان عالم قد كتب قصيدة عن حرب دارفور 2003، فرد مستلفا عبارة الماغوط “ما من موهبة تمر بدون عقاب” وأضاف بروف ميرغني عبد العزيز “وما من موقف بلا ثمن”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*