بين حرية الرأي ومسؤولية اللحظة
خرجت علينا رباح الصادق المهدي، وهي ليست اسماً عابراً في فضاء الكتابة ولا وجهاً طارئاً على ذاكرة كيان الأنصار، بل شخصية معروفة باهتمامها الدؤوب بجمع التراث، وبسعيها المستمر لتوثيق التاريخ ، وسرد الوقائع، وحفظ الإرث الفكري والثقافي والاجتماعي المتصل بالإمام الصادق المهدي، وبمكتب الإمام ، وبمساراتٍ طويلة من العمل العام والأسري والسياسي. وقد ظل قلمها، في كثير من محطاته، شاهداً على تفاصيل دقيقة، وذاكرةً حيةً لكثير مما غاب عن الأذهان أو كاد يندثر في زحمة الأحداث وتقلبات الزمان. وهذا جهد لا يُنكر، ولا يمكن القفز عليه، مهما اختلفنا معها أو تباينت قراءاتنا لما تكتبه وترويه.
غير أن الدهشة، وربما الصدمة، لم تأتِ من فراغ، بل جاءت لأن ذات القلم الذي عُرف بالتوثيق، وذات الصوت الذي اعتاده الناس في كثيرا من الاحيان جامعاً لا مفرقاً، خرج هذه المرة بمقالٍ بدا أقرب إلى معولٍ يهدم أكثر مما يبني، وإلى جمرةٍ متقدة لا تُدفئ بل تُحرق، وإلى سيلٍ عرمرم انهمر بغتةً في وقتٍ كان الناس فيه يضمدون الجراح، فإذا بمشرطٍ حاد يعيد فتحها من جديد. جاء المقال كثيفاً، صادماً، محمّلاً بعبارات ثقيلة على الوجدان، عسيرة على البلع، كزلزالٍ وقع على أرضٍ رخوة، أو كمطرٍ منهمرٍ بعنفٍ فوق بيوتٍ أنهكها الخراب.
ولم يكن الاعتراض هنا على شخص الكاتبة، ولا على حقها في الرأي، ولا على تاريخها في الكتابة والتدوين، وإنما على التشدد في النبرة، وعلى هذا التوقيت الذي بدا كأنه اختار أشد اللحظات هشاشة ليطرق أبواباً موصدة، ويستحضر خلافاتٍ مسكوتاً عنها، ويضعها دفعةً واحدة أمام جمهورٍ لم يكن مهيأً لا نفسياً ولا وطنياً لاستقبال هذا السيل الجارف من القضايا الحساسة. ففي زمنٍ نلمّ فيه شتات الروح، ونحاول فيه رتق النسيج الاجتماعي الممزق، بدا المقال كأنه نارٌ تُلقى على هشيم، لا ككلمةٍ تُقال بقصد الإصلاح، ولا كجسرٍ يُبنى لعبور آمن.
ومن هنا تنبع ضرورة هذا القول، لا بوصفه رداً شخصياً، ولا مناكفةً فكرية، بل بوصفه وقفة مشفقة، تنطلق من حرصٍ على الكيان، وعلى الأسرة، وعلى السودان الجريح، وتطرح السؤال المؤلم بهدوء ماذا نفعل بالكلمة حين تكون صحيحة في ذاتها لكنها مدمرة في توقيتها ؟ ، وماذا نصنع بالحقيقة حين تتحول من وسيلة للشفاء إلى سببٍ لتجدد النزيف ؟ .
ليس من الحكمة ولا من شرف الكلمة أن تُنتزع القضايا من سياقها، ولا من المروءة أن تُفتح دفاتر البيوت في ساحات الريح العاتية، ولا من الرشد أن تُستدعى خلافات التاريخ في زمنٍ تتداعى فيه الأوطان، وتنهار فيه الأسقف على رؤوس أهلها، ويتحول فيه الوطن من فكرة جامعة إلى جراح مفتوحة. فالكلمة، حين تُقال في غير وقتها، قد تصير سهماً مسموماً، وحين تُكتب بلا اعتبار للمآلات، قد تتحول من رأيٍ إلى فتنة، ومن شهادةٍ إلى شرخٍ جديد في جدارٍ مثقل أصلاً بالتصدعات.
السودان اليوم لا يعيش ترف النقاشات النظرية ولا يحتمل سجالات النخب المغلقة، السودان اليوم بلدٌ يئن تحت وطأة حربٍ طاحنة، يتمزق فيها النسيج الاجتماعي، وتتراجع فيها قيمة الإنسان، وتضيع فيها البوصلة بين سلاحٍ منفلت، وخطابٍ متشنج، وولاءاتٍ متصارعة. في هذا السياق المأزوم، تصبح كل كلمة مسؤولية، وكل مقال موقفاً، وكل رأي إما جسراً للعبور أو حفرةً للسقوط. ومن هنا تتبدّى جسامة المسؤولية في كل كتابةٍ تمسّ الأسرة والكيان حين تُقال في هذا التوقيت الدقيق .
أسرة الإمام المهدي (الكبير)، شئنا أم أبينا، ليست أسرة عادية في الوجدان السوداني، هي أسرة ممتدة في التاريخ، متشابكة مع السياسة، متداخلة مع الدين، متجذرة في الذاكرة الجمعية، ومؤثرة في مسار حزب الأمة وكيان الأنصار تأثيراً لا يمكن إنكاره أو تجاوزه. ولذلك فكل ما يُقال عنها لا يبقى حبيس الجدران، بل يتجاوزها إلى القواعد، وإلى الشارع، وإلى خصومات قديمة تبحث عن وقود جديد، وإلى صراعات كامنة تنتظر شرارة.
وليس المقصود هنا نفي حق أي فرد في إبداء رأيه، ولا مصادرة حرية التعبير، ولا فرض صمتٍ قسري على الضمائر، فذلك كله مرفوض مبدئياً وأخلاقياً. لكن الفرق كبير بين الحق في القول، والحكمة في التوقيت، وبين حرية التعبير، ومسؤولية الأثر. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يُنشر، وليس كل ما يُنشر يكون نافعاً، وكما قال الحكماء قديماً إن من الحكمة أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام.
إن المقال الذي خرج في هذا الظرف، وتناول مسائل داخلية شديدة الحساسية، متصلة بالإمامة، وبالشرعية الرمزية، وبالخلافات الأسرية، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن السياق العام، ولا عن واقع الحرب، ولا عن حالة الاستقطاب الحاد داخل كيان الأنصار وحزب الأمة، ولا عن انقسام المواقف من الحرب نفسها بين من انحاز للقوات المسلحة، ومن اقترب من الدعم السريع، ومن حاول الوقوف في منطقة وسطى فلم يُترك وشأنه. فكل كلمة في هذا المناخ تُقرأ بسوء ظن، وتُؤول بأكثر من معنى، وتُحمّل ما لا تحتمل.
السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح بصدق وهدوء ليس هل ما كُتب صحيح أم غير صحيح، وليس من المخطئ ومن المصيب، بل السؤال الأهم والأعمق ماذا نستفيد من نشر هذا الآن؟ ماذا يضيف هذا المقال لوقف الحرب؟ ماذا يقدم لمعالجة الانقسام؟ ماذا يرمم من النسيج الاجتماعي الممزق؟ ماذا يخفف من آلام الناس الذين يفترشون النزوح ويلتحفون الخوف؟ الجواب المؤلم أن شيئاً من ذلك لا يتحقق، بل على العكس، فإن النتيجة المتوقعة هي فتح بابٍ جديد للخصومة، وإشعال جدلٍ عقيم، واستدعاء ردودٍ متقابلة، كل منها يحمل روايته، ويدافع عن رموزه، ويهاجم الآخرين، فيتحول الأمر إلى كرة ثلج تكبر وتكبر، ولا يملك أحد بعد ذلك القدرة على إيقافها.
من يبدأ الكتابة في مثل هذه الملفات عليه أن يدرك أنه لا يكتب وحده، بل يفتح المجال لعشرات الأقلام، ولساعات طويلة من السجال، ولانقسام القواعد بين مؤيد ومعارض، ولتشظي المواقف داخل الأسرة الواحدة، وربما داخل البيت الواحد. وحينها لن يكون السؤال من كتب أولاً، بل من يستطيع إغلاق هذا الباب بعد أن فُتح، ومن يملك شجاعة إطفاء النار بعد أن اشتعلت. والتجربة السودانية القريبة والبعيدة تقول إن النار إذا اشتعلت في البيوت الكبيرة، يصعب حصرها، ويستحيل التحكم في مساراتها.
إن الخطر الأكبر لا يكمن في مضمون مقال بعينه، بل في ما يستتبعه من ردود أفعال، وفي ما يحرره من مكبوتات، وفي ما يمنحه من شرعية للغاضبين والمتربصين وأصحاب الأجندات. فكم من خصومةٍ كانت نائمة فأيقظتها كلمة، وكم من خلافٍ كان قابلاً للاحتواء فصار مستحيلاً بعد أن خرج إلى العلن، وكم من بيتٍ كان يمكن ترميمه فتهدم حين تحولت مشاكله إلى مادة للنقاش العام.
الكيانات الكبرى، ككيان الأنصار، لا تُدار بمنطق الانتصار اللحظي، ولا تُعالج جراحها عبر المنصات المفتوحة، بل تحتاج إلى حكمة الشيوخ، وروية العقلاء، وصبر العارفين بطبيعة التاريخ وتعقيدات الاجتماع. فالرمزية الدينية والسياسية ليست مجرد ألقاب، بل هي تراكم معنوي، وأي مساس بها في لحظة انهيار عام قد يؤدي إلى نتائج عكسية، لا على مستوى الأسرة وحدها، بل على مستوى الحزب والشارع والبلد.
وليس من الإنصاف أيضاً تجاه الكاتبة نفسها أن تُدفع إلى مواجهة مفتوحة مع ردودٍ قاسية ومتشنجة، قد لا تراعي الفروق، ولا تميز بين النقد والعداء، ولا بين الاختلاف والتجريح. فالكلمة حين تخرج لا تعود ملك صاحبها، بل تصبح ملك القراء وتأويلاتهم، وبعض هذه التأويلات قد يكون ظالماً، وبعض الردود قد يكون جارحاً، وبعضها قد يتجاوز الفكرة إلى الشخص. وفي هذا كله خسارة للجميع، بلا استثناء.
السودان اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب جامع، لا إلى خطاب كاشف للجراح، إلى لغة تبريد لا لغة تسخين، إلى أصوات تعلي من قيمة ما يجمع لا ما يفرق، إلى حكماء يدركون أن اللحظة ليست لحظة تصفية حسابات ولا إعادة كتابة تاريخ، بل لحظة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من وطن يتسرب من بين الأصابع. قال أهل السودان قديماً الهم فوق الهم بيوجع، والجرح فوق الجرح ما بطيب، وهذه حكمة شعب خبر الألم ويعرف أن المداواة تبدأ بالكف عن النزيف.
إن القضايا الكبرى لا تُحل في العلن، والخلافات العميقة لا تُدار بالمقالات، والتاريخ لا يُختزل في شهادة واحدة، ولا في رواية واحدة. والتعامل الرشيد مع الإرث المعقد لأسرة الإمام المهدي يقتضي فهماً عميقاً لطبيعة هذه الأسرة، ولتشابك أدوارها، ولحساسيات قواعدها، ولما تمثله من رمزية تتجاوز الأفراد إلى الفكرة ذاتها. ومن لا يراعي ذلك يظلم نفسه قبل أن يظلم غيره.
إن واجب اللحظة، أخلاقياً ووطنياً، هو تغليب صوت العقل، وتأجيل الخلافات، وتقديم ما هو عام على ما هو خاص، وما هو وطني على ما هو أسري، وما هو مصيري على ما هو جدلي. فالسودان لا ينقصه الخلاف، بل ينقصه الاتفاق، ولا تنقصه الآراء، بل تنقصه الحكمة، ولا تنقصه الشجاعة في القول، بل تنقصه الشجاعة في الصمت حين يكون الصمت أنفع.
ليس المطلوب دفن الحقائق، ولا تزوير التاريخ، ولا فرض رواية واحدة، بل المطلوب فقط احترام اللحظة، وإدراك أن لكل مقام مقال، ولكل وقتٍ حديثه، وأن بعض الأبواب إذا أُغلقت اليوم يمكن فتحها غداً بعقل بارد وقلب هادئ، أما إذا فُتحت اليوم في زمن النار، فقد لا تُغلق أبداً.
إن من الشفقة على كيان الأنصار، ومن الحرص على حزب الأمة، ومن الوفاء لعلاقات الصداقة والرحم التي ربطت كثيرين بهذه الأسرة عبر عقود، أن يُقال بوضوح إن هذا ليس الوقت المناسب، وإن ما كُتب، بصرف النظر عن نواياه، لا يخدم هدفاً وطنياً، ولا يعالج أزمة، ولا يداوي جرحاً، بل يضيف طبقة جديدة من الألم إلى جسدٍ أنهكته الجراح.
وفي النهاية، لا أحد رابح في معارك الداخل، ولا منتصر في خصومات البيوت، ولا فائز حين يتشظى الجمع. الرابح الوحيد هو الوطن حين يُقدّم، والخاسر الأكبر هو الجميع حين يُؤجّل العقل وتُستدعى العاطفة. ولعل الحكمة السودانية تختصر الأمر كله بقولها البلد البتتكسّر من جوة ما بنفعها اللياسه من برة، والبيوت التي تتصدع من الداخل لا يحميها الضجيج بل يحميها التعقل.
هذا نداء لا إدانة، وتوسل للحكمة لا مصادرة للرأي، ورجاء بأن نكون على قدر اللحظة، وعلى قدر الألم، وعلى قدر السودان الذي يستحق منا أن نختلف بوعي، وأن نصمت حين يكون الصمت إنقاذاً، وأن نتكلم حين يكون الكلام جسراً لا سكيناً.
EMAIL
tahtadoun@gmail.com


