السعودية والسودان.. شراكة البحر والأرض في وجه حرب المياه القادمة

السعودية والسودان.. شراكة البحر والأرض في وجه حرب المياه القادمة
  • 11 مارس 2026
  • لا توجد تعليقات

سميح جمال

تحولات عاصفة تشهدها المنطقة، عقب استهدافات طالت بعض دول الخليج خلال هذه الحرب المستعرة وما رافقها من تصعيد إقليمي غير مسبوق، في ظل هذه التحولات يتجه التفكير الاستراتيجي في المنطقة نحو سؤال أكبر من مجرد الأمن العسكري هو كيف يمكن بناء منظومة استقرار طويلة المدى في الخليج والبحر الأحمر؟

السؤال يفتح الأذهان نحو ملف ظل لسنوات طويلة يُنظر إليه بزاوية ضيقة، ليكتسب اليوم أهمية مضاعفة، وهو مستقبل العلاقة الاستراتيجية بين الخليج والسودان، وبشكل خاص عبر الدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه السعودية في صياغة هذا التكامل.

القراءات تقول إن المدخل الحقيقي لأي حديث عن هذه الشراكة يبدأ من نقطة أساسية لا يمكن تجاوزها: وقف الحرب في السودان.

حرب السودان.. الخسارة الإقليمية

قد تبدو الحرب الدائرة في السودان للبعض أزمة داخلية معقدة، لكنها في حقيقتها أزمة إقليمية بامتياز، لأن السودان ليس دولة هامشية في الجغرافيا السياسية للمنطقة، فهو يقع في نقطة التقاء حساسة بين العالم العربي وإفريقيا، ويطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم وهو البحر الأحمر، كما يمتلك واحدًا من أكبر الاحتياطيات الزراعية غير المستغلة في المنطقة.

استمرار الحرب في السودان هو تدمير لمستقبل قريب للأمن العربي وإهدار فرصة استراتيجية كان يمكن أن تشكل أحد أعمدة الأمن الغذائي العربي.

ما يدعو إلى النظر إلى قضية وقف الحرب السودانية باعتبارها الضرورة الإنسانية والسياسية، وبتقييم أوحد يرى أن في وقف الحرب مصلحة استراتيجية لدول الخليج، وفي مقدمتها السعودية.

السعودية والسودان.. القربى الجيوسياسية

خريطة البحر الأحمر تحدث عن أن السعودية والسودان يقفان على ضفتيه في موقعين متقابلين، وهو موقع يمنح العلاقة بين البلدين أبعادًا استراتيجية تتجاوز العلاقات التقليدية بين الدول، فيما يشهد البحر الأحمر تنافسًا دوليًا تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى، وتتعاظم أهميته مع التحولات التي تشهدها طرق التجارة العالمية وما يمكن تصوره حال أي تهديد للسلطة في الخرطوم، الشيء الذي يثير التوترات في كامل المنطقة.

المعطيات تجعل التعاون بين السعودية والسودان عنصرًا أساسيًا في حماية أمن البحر الأحمر واستقراره، لكن هذه الشراكة لا تتوقف عند البعد الأمني، لكنها كذلك تنظر بعيدًا نحو مستقبل أكثر توترًا عندما يتعلق التحليل بمستقبل الغذاء والمياه في المنطقة، وهي الخطوة التي تحتاج إلى المزيد من التمكين لعلاقة البلدين التاريخية والاستراتيجية.
السودان.. مخزون الموارد والعقول

السودان يمتاز بمقومات نادرة في العالم العربي، فهو من أكبر الدول العربية من حيث المساحة الزراعية القابلة للاستثمار، ويملك موارد مائية ضخمة بفضل موقعه على حوض نهر النيل وروافده، وما يمتلكه من مياه جوفية إضافة إلى ثروات معدنية كبيرة.

لكن ما يغيب كثيرًا عن النقاش هو أن السودان بجانب ما يمتلكه من أرض وموارد، يمتلك أيضًا رأس مال بشريًا مهمًا من العقول والخبرات في مجالات الزراعة والهندسة والعلوم المختلفة.

العناصر هذه مجتمعة تجعل السودان، إذا استقر سياسيًا، مرشحًا ليكون أحد أهم مراكز الإنتاج الغذائي في المنطقة.

وهنا يلتقي هذا الإمكان مع حاجة استراتيجية ملحة لدى دول الخليج، وهي تحقيق الأمن الغذائي في ظل عالم تتزايد فيه الأزمات المرتبطة بسلاسل الإمداد والموارد الطبيعية، فالحديث عن أن السودان سلة غذاء العالم لم يجيء من باب الشعارات السياسية بل فعليًا كان الشعار الصالح للسودانيين في كل زمان ومكان ويدرك العالم مدى حقيقته.

جيش السودان.. عنصر استقرار إقليمي

يمتلك السودان أيضًا واحدًا من أكبر الجيوش في المنطقة.

وعلى الرغم من أن الحرب الحالية ألقت بظلالها الثقيلة على المؤسسة العسكرية، فإن الجيش السوداني تاريخيًا كان وما زال أحد عناصر التوازن في الإقليم، وشارك في العديد من التحالفات العربية.

وفي حال استعادة الدولة السودانية لاستقرارها، يمكن أن يلعب الجيش السوداني دورًا مهمًا في منظومة الأمن الإقليمي للبحر الأحمر، بالتنسيق مع الدول العربية المطلة عليه، وفي مقدمتها السعودية ومصر.

من النفط إلى الغذاء.. التحول الكبير في معادلات القوة

خلال القرن العشرين كان النفط هو المورد الاستراتيجي الأول الذي يدور حوله الصراع الدولي.

لكن كثيرًا من الدراسات الاستراتيجية تشير إلى أن القرن الحادي والعشرين قد يشهد تحولات كبيرة في هذا المجال، حيث تتزايد أهمية الغذاء والمياه باعتبارهما الموردين الأكثر حساسية في المستقبل، وهو ملف نظّر حوله المستنيرون في السودان منذ وقت طويل ومبكر وموجود في كتب ومقالات المفكرين السودانيين مثل الإمام الصادق المهدي وآخرون.

التغير المناخي وتزايد عدد السكان وتراجع الموارد المائية في كثير من مناطق العالم، يُظهر جليًا ملامح ما يسميه بعض الباحثين “حروب المياه والغذاء”، ومعها يصبح التكامل بين الخليج والسودان مسألة تتجاوز الاستثمار الزراعي التقليدي، ليصبح جزءًا من استراتيجية طويلة المدى للأمن الغذائي والمائي في المنطقة.

شراكة استراتيجية طموحة

بوضع كل هذه المعطيات في إطار واحد، فإن الصورة التي تتشكل أمامنا تشير إلى إمكانية قيام شراكة استراتيجية عميقة بين السعودية والسودان تقوم على عدة ركائز تتمثل في الاستثمار الزراعي لتحقيق الأمن الغذائي والتعاون في حماية أمن البحر الأحمر وتطوير البنية التحتية والاقتصادية في السودان.
عن eyes-news

الوسوم سميح-جمال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*