كيفية غسيل الأشخاص!

  • 30 مارس 2020
  • لا توجد تعليقات

فتحي الضو




من هو غازي الذي يلعب الآن دور القديس للذين لا يعرفون؟
نحن لن نمل ترديد جرائم لن تسقط بالتقادم وهي من صنيع عصبته، وبالطبع غازي في معيتهم منذ أن اغتصبوا السلطة عنوةً. فمنذاك الزمن وهو يتقلب في المناصب كتقلب الرقطاء على الرغام. رأيناه وهو يرتدي بزة (الدفاع الشعبي) ويرفع سبابته وهو يردد (فلترق كل الدماء) ويزيد عليها بلزوم مالا يلزم (لا لدنيا قد عملنا) ورأيناه وهو يبشر الشباب اليفع بالجنة والحور العين، لا بالعلم الذي نهل منه في ديار الذين دنا عذابهم. وعندما يستغل القوم بصوته الخفيض، تسري في أوساطهم الألقاب المجانية، فيصيبوا جهالةً بأن الرجل أصبح مفكراً، وهو من لم يحصد من الفكر سوى بضعة مقالات في الصحف وسيرة فتى غرير تمترس خيلاء في (دار الهاتف) وكأن المانحين الكرماء لا يعلمون أن المفكر عُرف بحمل القلم لا بتمنطق الكلاشنكوف، وأن المفكر يقبع في صومعته متأملاً، لا أن يندس في أقبية الخنادق ليحارب بني وطنه تحت رايات الصليبية الجديدة!
*
ليت غازي في مسيرته القاصدة ضمن هذه التسجيلات أن يقول للناس إين كان عندما علقَ صحبه الرؤوس على المشانق؟ هل نظر الآن في وجه ابنه (محمد) ورأى فيه وجه ذاك الفتي مجدي محجوب محمد أحمد، الذي اغتالوه وهو ينضح شباباً وحيوية؟ هل استذكر غازي وجوه ثمانية وعشرين ضابطاً حصدتهم بنادق قومه الرعناء، وقبروا بينما بعضهم يئن تحت الثرى؟ ألم يسمع صرخات التعذيب في بيوت الأشباح في غدوه ورواحه، أم أن أبواق الكرنفال التي تتقدمه أخرست أذنيه؟ ألم يقرأ إفادات من زاملهم وجهاً وجهاً عن تلك البيوت سيئة السمعة والقوم عليها شهود؟ أين كان يمرح في الدولة التي قتلت بنيها في معسكر العيلفون كما تقتل العصافير؟ ماذا هو قائل عن أكثر من مئتي ضحية انتاشتهم الأيادي الآثمة بدم بارد في سبتمبر من العام 2013 وهو ما يزال يرفل في نعيم السلطة (انفصل رسمياً من المؤتمر الوطني في 26/10/2013)؟ ولماذا لا يحدثنا عن حقبة تسنمه ملف دارفور في وقت اتبع فيه جلاوزة عصبته سياسة الأرض المحروقة؟ أين كان وسيرة شهداء كجبار وبورتسودان وطلاب الجامعات تهتك أستار الليل الحزين؟ لما لا يجرؤ على الحديث عن هؤلاء حتى نعلم ليله من ضحاه، عوضاً عن تنظير لا طائل يجني من ورائه!
*
في مشهد آخر لا يليق بالمفكرين، حدثنا الدكتور الراحل حسن الترابي في حلقاته المسلسلة التي بثتها قناة الجزيرة الفضائية قبل شهور قليلة خلت، عن وقائع محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك. ومن باب التذكير نقول هو كشف سبقنا فيه زعيم الحركة الإسلاموية وعرابها. فقد ذكرنا هذه الوقائع بتفاصيل أكثر مما أفصح، وذلك في كتابنا الموسوم بعنوان (الخندق/ أسرار دولة الفساد والاستبداد) والذي صدرت طبعته الأولى في القاهرة في العام 2012 ذكرنا أن العصبة اجتمعت بطلب من الداهية المخطط علي عثمان محمد طه للبحث في كيفية مداراة سوءتهم. وذكرنا أسماء تسع رهط يفسدون في المدينة، بينهم الغازي صلاح الدين، ليس ذلك فحسب بل أنه كُلف باصطحاب المصريين الثلاثة الذين كتبت لهم حياة جديدة وعلى رأسهم مصطفى حمزة في طائرة أفرغت خطاياها في طهران، وبذا أصبح المفكر شريكاً في جريمة العصر التي ارتعدت لها الفرائص. فلماذا لم يحدثنا عن هذه المغامرات (الجيمس بوندية) لعلنا نصيب منها ما ينجنا يوم يلتقي الجمعان؟!
*
هل حدثنا غازي عن فساد عصبته الذي أصبح ديناً يُكفَّر من لم يتبعه ويُرجم من لا يعاقره. بل هل حدثنا عن حصاده من الأموال خلال سنوات السلطة والجاه. فغازي الذي خُلق من ماء دافق لرجل عصامي من غمار أهل السودان، لم يرث عنه لا الذهب ولا الفضة ولا القناطير المقنطرة. ومع ذلك فسبحان من أسرى به من سكن متواضع قبل الفيض النوراني، ليستقر في قصر منيف على النيل في مدينة الصبابي، يسع لليلة سياسية لمن استغفلهم تحت راية حزب جديد. وغازي الزاهد في المال ظل يتلقى ولسنين عددا مبلغاً شهرياً من منزل آخر استأجره بعشرة آلاف من الدولارات لا تعرف الضرائب التي أرهقوا بها جيوب البسطاء له سبيلاً. وقس على ذلك من العقارات ما ظهر منها وما بطن، وهو يتظاهر بالبساطة التي ظنها السذج البسطاء فقراً مدقعاً يستجلب العطف والرثاء!
*
استفزني قوله (حتى ضاع الجنوب) وهو يريد أن يسل نفسه كما الشعرة من العجين في أكبر كوارث العصبة الحاكمة وهو فيهم. فالذي لن تمسحه الذاكره تقلد غازي منصب رئيس الفريق المفاوض في اتقافية نيفاشا، قبل أن يزيحه الساحر الأكبر علي عثمان محمد طه، ونحن لا نستذكر الموضوع من باب المناصب البئيسة التي أرهقت الدولة ولم تنعكس سوى رهقاً على السودان وشعبه. ولكن الذي لا يعلمه الناس وقد ذر لنا به مصدر رفيع المستوى في منظمة الإيغاد راعية تلك الاتفاقية في الظاهر ودول الترويكا في الباطن، أن غازي خُصص له مبلغ 750 (سبعمائة وخمسون دولاراً) يومياً (نثريات/ Pocket money) على مدى سنة ونصف (مايو 2002 – نوفمبر 2003) كما خصص مبلغ 500 (خمسمائة دولاراً) يومياً لعصبة وفده (يحيى الحسين، سيد الخطيب، محمد عبد القادر، ومطرف صديق) الأمر الذي دعا الجنرال الكيني لازوراس سمبويا أن يهمس في أذن الأمريكان بقوله إن المذكور وجماعته لا يريدون لتلك الحرب أن تنتهي لاتفاق طالما أن لديهم دجاجة تبيض دولارات كلما أشرقت شمس يوم جديد، فلم التباكي الآن على انفصال جزء عزيز من الوطن وتحت قيادته الرشيدة تمَّ التوقيع على بروتوكول مشاكوس الذي أفضى إلى اتفاق نيفاشا؟
*
يظن كثير من الناس – وليس العصبة وحدهم – بل غازي صلاح الدين في طليعتهم أن هذا الشعب الذي أفرط في طيبته وسماحته حتى وُصم بالذاكرة الغربالية، أن الجرائم تسقط بالتقادم، وأنه متى ما ادلهمت خطوب هذا الوطن، فالجودية تأخذ مجراها بعفا الله عن ما سلف وترهات التسامح السياسي السوداني. بيد أن الناظر لواقع هذه العصبة يدرك تماماً أن الجرائم التي ارتكبت في حق هذا الوطن ومواطنيه لن تستطيع مياه النيل أن تغسل من درنها شيئاً!
فكلهم يا مولاي غارقون في الفساد والاستبداد، ولم يرحم ربي منهم أحداً، بل لن يرحم هذا الشعب منكم أحداً، يوم يفر المرء من أخيه وصاحبته وبنيه والحزب الذي كان يأويه!
رحم الله نزار قباني القائل الناصح:
لم يدخل اليهود من حدودنا
وإنما تسربوا كالنمل.. من عيوبنا
آخر الكلام: لابد من المحاسبة والديمقراطية وإن طال السفر!!

الوسوم -فتحي-الضو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*