سودان ما بعد الحرب: الانتصار الحقيقي لصالح الوطن
▪️حينما تنتهي الحروب، تبرز على السطح أسئلة وجودية تواجه كل أمة أنهكتها الصراعات: كيف نعيد بناء الوطن؟ كيف نوحد الصفوف؟ وكيف نتجنب العودة إلى مستنقع الصراعات؟ السودان، بعد حربه الأخيرة، يواجه هذه الأسئلة المصيرية، ولا مجال للإجابة عنها إلا عبر مشروع وطني جامع، يتجاوز الماضي ويلتفت إلى المستقبل. مشروع قوامه التخلي عن الولاءات الضيقة، وتغليب الولاء الأكبر: الولاء للسودان.
إرث الحرب وتحديات البناء
——————————–
▪️الحرب لم تكن مجرد صراع عسكري؛ بل كانت أزمة وجودية ضربت عمق السودان: نسيجه الاجتماعي، اقتصاده، بنيته التحتية، وحتى علاقاته الإقليمية والدولية. شوارع المدن المهجورة، القرى التي أُفرغت من سكانها، المدارس التي أغلقت أبوابها، والمستشفيات التي تحولت إلى أنقاض، كلها شواهد على حجم التحدي الذي يواجه السودانيين اليوم.
▪️لكن وسط هذا المشهد القاتم، تلوح فرصة تاريخية. فرصة لإعادة تعريف السودان وبنائه من جديد. فالركام الذي خلفته الحرب قد يصبح الأساس الذي يُشاد عليه وطن متجدد، بشرط أن تتوفر الإرادة الصادقة والرؤية الحكيمة.
العدل كركيزة أساسية لبناء الوطن
——————————–
▪️أولى خطوات البناء تبدأ من تحقيق العدل. العدل لا يعني فقط القصاص ممن تلطخت أيديهم بالدماء أثناء الحرب، بل يمتد ليشمل تحقيق الإنصاف في كل مناحي الحياة. السودان عانى طويلًا من التهميش، سواء كان جغرافيًا أو عرقيًا أو اقتصاديًا. إعادة بناء الوطن تعني إنهاء هذه المظالم بشكل جذري، وبناء منظومة قانونية متينة تضمن المساواة أمام القانون للجميع، بغض النظر عن خلفياتهم أو مواقعهم.
العدالة الانتقالية هنا ليست ترفًا، بل هي ضرورة لإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها. المحاكمات العادلة، لجان المصالحة، وبرامج جبر الضرر، يجب أن تكون على رأس الأولويات، لتجنب تكرار أخطاء الماضي ولضمان أن يرى كل سوداني أن حقوقه محفوظة.
العلم: بوابة المستقبل المشرق
————————————
▪️الأمم التي تنهض من أزماتها تعتمد بشكل أساسي على العلم كقاطرة للتنمية. السودان، بعد الحرب، يحتاج إلى ثورة تعليمية تعيد صياغة مفهوم التعليم كحق أساسي ومفتاح للتقدم.
▪️التعليم يجب أن يكون شاملاً ومتاحًا للجميع، مع التركيز على المناطق التي كانت أكثر تضررًا من الحرب. المناهج الدراسية يجب أن تعكس تطلعات السودان كدولة حديثة، مع التركيز على العلوم والتكنولوجيا، بجانب التربية الوطنية التي تعزز الانتماء للسودان كوطن جامع.
▪️البحث العلمي يجب أن يحظى بدعم كبير، ليصبح أداة لحل المشكلات المزمنة، مثل التصحر، ندرة المياه، والأزمات الصحية. الجامعات السودانية يمكن أن تكون مراكز للإبداع والابتكار، إذا توفرت لها البيئة المناسبة والدعم الكافي.
دولة المؤسسات: أساس الاستقرار والنهضة
——————————–
▪️لا يمكن أن يكون هناك سودان جديد دون دولة مؤسسات حقيقية. دولة المؤسسات تعني أن القوانين لا تُدار بالأهواء الشخصية، وأن المؤسسات تعمل باستقلالية وكفاءة. الجيش، القضاء، الجهاز الإداري، والبرلمان، كلها مؤسسات يجب أن تُبنى على أسس مهنية ونزيهة، بعيدة عن المحاصصة السياسية أو القبلية.
▪️الجيش، على وجه الخصوص، يجب أن يتحول إلى مؤسسة وطنية خالصة، وظيفتها حماية الوطن وليس الانخراط في السياسة. جهاز القضاء يجب أن يكون مستقلًا، وغير خاضع لأي ضغوط أو إملاءات. أما الجهاز الإداري، فيجب أن يكون مبنيًا على الكفاءة والشفافية، لضمان تقديم خدمات فعالة وعادلة لكل المواطنين.
التوافق الوطني: التنازلات من أجل السودان
—————————–
▪️السودان دولة متنوعة، وهذا التنوع يجب أن يُنظر إليه كقوة وليس كسبب للفرقة. التوافق الوطني يتطلب أن تجلس كل الأطراف السياسية والمجتمعية على طاولة واحدة، لتحديد مشروع وطني جامع. هذا المشروع يجب أن يتضمن رؤية واضحة لمستقبل السودان، تضمن توزيعًا عادلًا للسلطة والثروة، وتحترم التعدد الثقافي والإثني والديني.
▪️التوافق الوطني لا يعني أن يتنازل الجميع عن مبادئهم، بل يعني أن يتفقوا على أن السودان هو الأولوية المطلقة، وأن مصلحة الوطن تعلو فوق كل المصالح الشخصية أو الحزبية.
الفرصة التاريخية للأجيال القادمة
———————————–
▪️اللحظة الحالية تمثل فرصة نادرة للأجيال القادمة لتشكيل مستقبل مختلف للسودان. الأجيال الشابة يجب أن تُمنح الفرصة للمشاركة في بناء الوطن، عبر توفير التعليم، وفرص العمل، والفضاء الذي يتيح لهم التعبير عن آرائهم والمساهمة في صنع القرار.
▪️السودان الجديد يجب أن يكون وطنًا يستوعب الجميع، بغض النظر عن أعمارهم أو خلفياتهم. هذا الوطن لا يمكن بناؤه إلا إذا أدركت الأجيال الحالية أن الولاء للسودان هو القاسم المشترك الذي يوحد الجميع، وأن الانتماء للوطن أكبر من أي انتماء آخر.
نحو سودان جديد
————————–
▪️سودان ما بعد الحرب يمكن أن يكون مثالًا حيًا على كيف تتحول الكوارث إلى فرص، وكيف يمكن للشعوب أن تنهض من تحت الأنقاض لتبني أوطانًا عظيمة. الانتصار الحقيقي ليس فقط في إنهاء الحرب، بل في تحويل هذا السلام إلى مشروع وطني شامل، يعيد بناء السودان على أسس العدل، العلم، ودولة المؤسسات.
▪️المسؤولية الآن تقع على عاتق الجميع: من القيادة السياسية إلى المواطن البسيط. السودانيون اليوم أمام اختبار تاريخي، إما أن يختاروا أن يظلوا أسرى للماضي، أو أن يتحرروا منه ليبنوا وطنًا يكون الولاء فيه للسودان فقط.


