إيران تتبع سياسة ادخار القوة لإطالة أمد الحرب … ضربات محسوبة .. أهداف مختارة … تدرج نوعي في استخدام أسلحتها ..

إيران تتبع سياسة ادخار القوة لإطالة أمد الحرب … ضربات محسوبة .. أهداف مختارة … تدرج نوعي في استخدام أسلحتها ..
  • 04 مارس 2026
  • لا توجد تعليقات

حيدر التوم خليفة


خطوتها القادمة .. رفع تكلفة الحرب على أعدائها ، صناعة الفوضى .. التوسع في ضرب الأهداف والمصالح الأمريكية في الدول الخليجية ، وضرب منشآت النفط والغاز وخطوط إمدادهما ، لدفع العالم للتحرك لوقف العدوان عليها بدون شروط مسبقة ..

واضح أن من وضع خطط إدارة معركة إيران الحالية ضد خصومها ، قد أجاد في ذلك ، ومع أن الخطة في مرتكزاتها الأساسية ، لم تكن تتضمن فرضية غياب المرشد الإيراني عن المشهد كليةً ، إلا أنها لم تستبعد ذلك ، بدليل أن الخطة تضمنت التحسب لغياب المستوى القيادي السياسي والعسكري ، بإعداد عدة طبقات من البدلاء ، حتى لا يحدث فراغ في منظومة السيطرة والقيادة الروحية والعسكرية والسياسية ، مع إعطاء حرية التصرف للقيادات العسكرية الميدانية في الأمور التكتيكية ، دون الخروج عن الأهداف الاستراتيجية الكلية للمعركة ..
ورغم الضربات المؤثرة ، الموجعة والكثيفة التي تلقتها إيران في الأيام السابقة ، إلا أن النظام لم ينهار ، وذلك لوجود هذه الطبقات من القيادات البديلة ، ولأن النظام وطّن نفسه لإدارة المعركة ، إما من مواقع حصينة داخل الأرض لمجموعة قيادية محصورة ومحدودة ، أو لأن خطة الحرب قد جرى توزيعها مسبقاً ، وتم استيعابها جيداً من القادة الميدانيين ، مع منحهم حرية التصرف والمرونة المطلوبة ..
وهذا يظهر في تماسك الأداء العسكري ، وبُعده عن العشوائية ، وامتيازه بالانضباط ، وحُسنِ وكفاءة التنفيذ في اختيار بنك الأهداف ، وتدرج استعمال السلاح ، والتوسع المدروس في الاستهداف للمواقع المختارة ، مما يجعل العدو يلهث لهضم خطط إيران ونواياها ، ويحاول فك أسلوبها في إدارة الحرب ، ويجتهد لرسم خارطة تنبؤية بأفعالها وخططها العسكرية القادمة ، أو أين ستضرب تالياً ..
وأعتقد أن إيران قد استفادت من تجربتها السابقة ، وبنت استراتيجيتها على أن يظل أداؤها العسكري يعمل بكفاءة عالية حتى لو تم تدمير ٩٠٪ من قدراتها العسكرية ، وعلى الـ١٠٪ المتبقية مع حُسن توظيفها أن تسمح لها بتوفير هامش مناورة تستطيع أن تفاوض به للخروج بأقل الخسائر ، وتوقيع اتفاق سلام وليس استسلام ، خاصة وأنها تدرك أن الحرب ما دامت جوية فلن تسقط النظام الحاكم ، وأن العدو لن يغامر بالدخول في حرب برية لارتفاع المخاطر ، خاصة الفقد البشري ، مع عدم استبعاد سعيه لإدخال مجموعات صغيرة في المناطق الطرفية ، تعمل تحت حماية الأقليات لزعزعة النظام من الداخل ..
وفي الفترة القادمة سوف تعمل إيران على تقليل استهداف إسرائيل ادخاراً لقوتها ، وحفاظاً على قدراتها الصاروخية لأنها تريدها حرباً طويلة الأمد ، تهدف إلى تحقيق الآتي :
… إغراق المنطقة بالكامل في الفوضى والاتجاه بها نحو الحرب الإقليمية …
… إرهاق واستنزاف القوات الأمريكية والإسرائيلية ، وحلفائهم في المنطقة ، لدفعهم إلى طلب وقف إطلاق النار ..
… رفع التأثير السلبي للحرب على الاقتصاد العالمي ، عبر إحداث تغييرات عميقة في سوق وإمداد الطاقة العالمي ، مما يرفع تكلفة الحرب وتوزيعها على الجميع ..
ومع هذا ، لن تنسحب إيران كلياً من استهداف الجبهة الإسرائيلية ، ولكنها سوف تزيح عبئاً كبيراً عنها ، وتلقيه على عاتق حزب الله ، والذي سيعمل على ضرب أهداف مختارة عالية التكلفة بالنسبة لإسرائيل ، مما يدعو مواطنيها للتساؤل عن جدوى هذه الحرب ، ويترك أثراً نفسياً سيئاً من جراء طول الحرب والعيش في الملاجئ ..
وذات الأمر قد تفعله إيران مع القوات الأمريكية ، مثل إسقاطها لصيد ثمين ، كإصابة أو إغراق إحدى حاملات الطائرات ، أو ملاحقة القوات الأمريكية وضرب قواعدها في مناطق بعيدة ، الأمر الذي سوف يزيد الضغوط على ترامب ، ويعيد إلى الواجهة السؤال المهم ، ما جدوى هذه الحرب ، وهل هي حرب أمريكا ، ولماذا دخلناها ..؟
ومن جانب آخر سوف تتفرغ إيران لدول محيطها الإقليمي ، وتركز ضرباتها على القواعد والمصالح الأمريكية ، أو وضع كل المنشآت البترولية الخليجية ، والمصالح الأمريكية تحت المقايضة ، أي تبادل هدف مقابل هدف في القصف ..
ولكنها تأكيداً سوف تحتفظ بورقة مهاجمة منشآت النفط الخليجية إلى آخر الشوط ، وسوف يكون التعامل معها وفقاً لتطور الأحداث ، ولا أتوقع أن تنتظر إيران طويلاً حتى تهاجم مناطق النفط ، والتي سوف تكون نتائجها كارثية على كل العالم ، وربما تقوده إلى نفق مظلم ، تنحسر فيه خيارات السلام العالمي بشدة ، وتزيد من مخاطر إخراج السلاح النووي من مخابئه …
لهذا يتطلب الوضع من إيران الاقتصاد في استخدام صواريخها الاستراتيجية من دقيقة وفرط صوتية ، باستهلاك يكون في حدود إنتاجها اليومي أو أقل ، والذي يتراوح بين عشرة إلى عشرين صاروخاً فرط صوتي ..
وإيران تمتلك خمس مدن لإنتاج الصواريخ ، محصنة جيداً تحت الجبال ، على عمق يصل إلى 800 متر ، أي أنها محصنة حتى ضد الأسلحة النووية ..
لهذا فاستعمال إيران لثلاثين طائرة مسيرة يومياً متعددة الأنواع مع 15 صاروخاً باليستياً دقيقاً وفرط صوتي ، إضافة إلى أعداد أخرى من الصواريخ الجوالة ، وصواريخ الراجمات ، أو صواريخ المدى القصير العادية ، ضد أهداف مختارة سوف يجعلها في قلب المعركة لمدة طويلة ، خاصة وأنها أيام قليلة ، وسوف يجد أعداؤها أن بنك أهدافهم المهمة فوق الأرض قد دُمر ، ولكن الحرب لم تنتهِ ، بل إيقاعها قد تسارع ، لأن إيران قد نجحت في إخفاء أهدافها المهمة ، خاصة تلك المرتبطة بصناعاتها العسكرية ، والاحتفاظ بها في مواقع حصينة تحت الأرض والجبال …
ومن مؤشرات ادخار إيران لقوتها ، هو توزيع الأدوار ، واحتفاظها إلى الآن بورقة الحوثيين وعدم دخولهم المعركة ..
وأهم أهداف إيران الرئيسة هو ضرب مركز الخليج الاقتصادي بضرب البترول ، والمالي بضرب مركزية دبي وأبوظبي ، لتحطيم أسطورة الإمارات كمركز آمن ومستقر ، مما يعني هروب رؤوس الأموال والشركات الكبرى إلى ملاذات آمنة أخرى ..
وإذا فعلاً استطاعت إيران تدمير منشآت النفط والغاز الخليجية ، فإن هذه المنشآت ، سوف تحتاج إلى ما بين ثلاثة إلى أربعة أعوام ، ما بين وقت مطلوب لإطفاء حرائقها وإعادة بنائها ومباشرة الإنتاج ، وهي فترة كافية لأن يتبدل العملاء ويُمموا صوب جهات وملاذات أخرى ، مما يكتب نهاية غير سعيدة لأحلام الإمارات في استعادة مجد مضى ، الأمر الذي يعطي ترامب ومجلس السلام الذي يرأسه (وهو عندي مجلس الحرب) ، نقطة الانطلاق لتنفيذ مشروع ريفيرا غزة ، بديلاً لدبي كمركز مالي وسياحي وترفيهي ، وهو إحدى أهداف ترامب من الحرب ..
لهذا لا حل أمام الدول الخليجية ، والتي وضح أن الحرب قد صممت للإضرار بها ، بقدر الإضرار بإيران ، لا حل أمامها غير الضغط على الرئيس الأمريكي لإيقافها ، والدخول مع إيران في مفاوضات ، بدون شروط مسبقة ، مفاوضات عمادها حفظ مصالح وحقوق وكرامة الطرفين ..
وأتمنى أن لا تنجر دول الخليج وراء الأصوات الداعية للدخول في مواجهة واسعة مع إيران ، فعندها سوف يكون دمار الجميع ، وهذا ما تريده إسرائيل وأمريكا وشركات النفط الكبرى وروسيا ، وهو الأمر الذي سيجعل بوتين يرقص طرباً ، وهو يرى أن اقتصاد بلاده المتهاوي قد جرى إنعاشه ، بعد أن يتربع على عرش النفط والغاز ، وبأسعار مضاعفة عدة مرات..
وما يسعدهم أن تتدفق الدماء الإسلامية ذهباً ودولارات ، في بنوك المال الدامي ، حيث تقبع حسابات الشركات الأمريكية الكبرى ..
والآن هل عرفتم لماذا عمد ترامب المتباهي إلى احتلال فنزويلا ، حيث أكبر احتياطي نفطي في العالم ، قبل شهرين من شن حربه على إيران …!
وليعلموا أن احتلال مناطق النفط هو من أهدافهم الخفية ، وعندها سوف يجد العرب أنهم بلا ثروات ، وبلا أموال بعد أن تتم مصادرتها كما فعلوا مع أموال ليبيا في المصارف العالمية ، ولن يجدوا أرضاً ، فيصيروا لاجئين ، بعد أن يتم تدمير بلادهم وتلويث أجوائها ومياهها ، وليتذكروا ما سبق وصرح به كولن باول وزير الخارجية الأسبق في عهد بوش ، بأنهم جاؤوا إلى الخليج ليصححوا خطأ الرب الذي جعل البترول في أرض العرب ..
حيدر التوم خليفة
السودان ٣ مارس ٢٠٢٦

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*