لا تحزن .. فأنت ضحية المقاييس الأخرى…
▪️لا تحزن، فالعطب ليس في فكرك، ولا في موهبتك، ولا في جهدك الذي استهلك عمرك وقلقك وأحلامك المؤجلة. ما يحدث لك ليس فشلًا بالمعنى الذي يُسوَّق للناس، بل هو اصطدام قاسٍ بمقاييس لا تُعلن، ولا تُدرَّس، ولا تُكتب في كتيبات النجاح اللامعة. مقاييس خفية تتحكم في حركة الضوء، وتقرر من يُرى ومن يُترك على الهامش، ولو كان أثقل فكرًا وأصدق أثرًا.
▪️المبدع الحقيقي لا يُقاس دائمًا بما يُنجز، بل بما يزعج به السائد. المفكر الجاد لا يُكافأ غالبًا بقدر ما يُخيف به المنظومات المستقرة. المجدد الصادق لا يُفتح له الباب بسهولة، لأن الأبواب صُمِّمت أصلًا لتُفتح لمن يُشبهون الحراس، لا لمن يُعيدون تعريف المكان.
المقاييس المعلومة تقول: اجتهد، تعلّم، ابتكر، وستصل. غير أن الواقع يُسرّ بقانون آخر: كن قريبًا، لا عميقًا. كن مقبولًا، لا صادقًا. كن مُكرِّرًا ذكيًا، لا مُجدِّدًا مزعجًا. هنا يتعثر كثير من أصحاب العقول اللامعة؛ لا لأنهم أقل كفاءة، بل لأنهم أكثر من اللازم.
▪️الطريق الذي يُرسم في الخطابات التحفيزية مستقيم، مضاء، ومفروش بالوعود. أما الطريق الذي يسلكه المبدع الحقيقي فغالبًا ملتف، موحش، ومليء بإشارات الإقصاء الصامت. لا أحد يخبرك أن بعض البيئات تكافئ الطاعة أكثر مما تكافئ العبقرية، وأن بعض المنصات تُحب الصوت الذي يُصفّق لها لا الفكرة التي تُربكها.
▪️هناك مقاييس أخرى تعمل بصمت: شبكة العلاقات، درجة الانسجام مع الذوق العام، القدرة على التنازل الذكي، مهارة التسويق للنفس قبل الفكرة، والاستعداد لارتداء الأقنعة المناسبة لكل موسم. هذه المقاييس لا تُذكر في السير الذاتية، لكنها تُحدِّد مصير كثير من السير.
▪️لا تحزن إن شعرت بأنك تمشي عكس التيار. التيار نفسه قد يكون راكدًا، متعفنًا، يخاف التجديد لأنه يفضح عجزه. التاريخ لا يتذكر من انسجموا مع المقاييس الخفية، بل من كسروها ودفعوا ثمن ذلك صبرًا وعزلة وتأجيلًا طويلًا للاعتراف.
الانتظار الذي تعيشه ليس فراغًا. الأرصفة التي تقف عليها ليست بلا معنى. هناك تُصقل الأفكار، وتُختبر النوايا، ويُفرز الصادق من العابر.
▪️كثير من الأعمال العظيمة وُلدت خارج الضوء، ونضجت بعيدًا عن التصفيق، ثم ظهرت دفعة واحدة، كأنها لم تمر بكل ذلك الصمت.
لا تسمح لبرود الاستقبال أن يُشككك في قيمة ما تحمل. غياب المقابل لا يعني غياب الأثر. تجاهل المؤسسات لا يعني خواء الفكرة. أحيانًا يكون التجاهل اعترافًا غير مباشر بقوة ما تقدّم، لأن القوة الحقيقية تُربك أكثر مما تُسعد.
▪️النجاح ليس رقمًا ولا منصة ولا لقبًا. النجاح قدرة على الاستمرار دون أن تفقد جوهرك، وعلى الإيمان بفكرتك رغم غياب الشهود. النجاح شجاعة أن تكتب، وتفكر، وتبتكر، حتى لو بدا العالم مشغولًا عنك.
▪️سيأتي وقت تُراجع فيه المجتمعات اختياراتها، وتبحث عمّن كانوا ينتظرون بصمت. عندها سيُكتشف أن بعض الذين تُركوا على الأرصفة لم يكونوا فاشلين، بل سابقين لزمن لم يكن جاهزًا بعد.
▪️لا تحزن… فأنت لست خارج اللعبة، أنت فقط خارج مقاييسها السطحية. والمقاييس الأخرى، مهما طال ليلها، لا تهزم الفكرة الصبورة، ولا تُطفئ العقل الذي يعرف طريقه، ولو مشى وحده.


