عسكرة السماء وفشل السياسة: حرب المسيرات تعيد تشكيل الصراع في السودان
لم يعد الصراع في السودان حبيس الأرض والاشتباكات المباشرة، بل تمدّد إلى السماء عبر الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة، في تحول نوعي يعكس انتقال المواجهة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى مرحلة جديدة تُدار فيها المعارك عن بُعد، وتُحسم فيها كثير من الجولات دون احتكاك بري واسع.
أصبحت المسيّرات أداة مركزية في الاستطلاع وتنفيذ الضربات واستهداف المخازن ونقاط التجمع، ما غيّر شكل الحرب من جبهات واضحة إلى ساحة مفتوحة يمكن أن تطال أي منطقة في أي وقت. هذا الواقع يمنح أفضلية للطرف الذي يمتلك التكنولوجيا والخبرة وخطوط الإمداد، ويخلق في المقابل سباق تسلح داخل الحرب نفسها.
ولا يمكن فهم تصاعد حرب المسيرات بمعزل عن البعد الإقليمي والتدخلات الخارجية، إذ إن معظم هذه الأنظمة لا تُنتج محليًا، ما يشير بوضوح إلى تورط دول جوار وأطراف إقليمية، بما فيها دول عربية وإسلامية، في توفير التكنولوجيا أو الدعم اللوجستي أو التسهيلات. هذا التدخل السافر لا يطيل أمد الحرب فحسب، بل يحوّل السودان إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية، ويجرّده من قراره السيادي، ويجعل مصير معاركه مرتبطًا بحسابات خارج حدوده.
من الناحية القانونية، يخضع استخدام المسيّرات لقواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة حماية المدنيين ومبدأ التناسب، غير أن نمط الضربات في السودان يثير شبهات جدية بوقوع انتهاكات جسيمة، خصوصًا عند استهداف مناطق مأهولة أو منشآت مدنية، في ظل غياب آليات تحقيق ومساءلة فعّالة.
إنسانيًا، ورغم الادعاء بالدقة، أدت هجمات المسيّرات إلى سقوط ضحايا مدنيين وتدمير بنى تحتية، فضلًا عن آثار نفسية عميقة على السكان الذين يعيشون تحت تهديد دائم من السماء.
سياسيًا، تعكس حرب المسيرات انهيار دور السياسة وتقدّم منطق السلاح. فكل ضربة جوية هي شهادة إضافية على غياب مشروع وطني جامع قادر على وقف الحرب. وتقع على عاتق القوى المدنية مسؤولية تاريخية في توحيد صفوفها وفرض أولوية الحل السلمي، ومخاطبة الداخل والخارج بلغة واضحة ترفض عسكرة الصراع وتدين التدخلات الأجنبية، لأن ترك السماء للنار يعني ترك مستقبل السودان للفوضى.
دالاس / تكساس
٣ فبراير ٢٠٢٦
jaroprojectsconsulting.com


