الجذرة والعصا الأمريكية في السودان: هدنة بالإغاثة أم سلام بالإكراه؟

الجذرة والعصا الأمريكية في السودان: هدنة بالإغاثة أم سلام بالإكراه؟
  • 06 فبراير 2026
  • لا توجد تعليقات

عادل تاج الدين جار النبي

لم تعد مبادرات المساعدات الأمريكية تجاه السودان تُقرأ في إطارها الإنساني فقط، بل باتت جزءاً من معادلة سياسية وأمنية تقوم على مزيج من الحوافز والضغوط، أو ما يُعرف باستراتيجية «الجذرة والعصا». هذه المقاربة تتجسد بوضوح في التحركات التي يقودها المبعوث الأمريكي مسعد بولس، وفي ربط المساعدات الإنسانية بإمكانية التوصل إلى هدنة إنسانية تمهّد لمسار سياسي لاحق.
تنظر الولايات المتحدة الأمريكية إلى الحرب السودانية باعتبارها إحدى أخطر أزمات الاستقرار في إفريقيا اليوم، ليس فقط بسبب حجم الكارثة الإنسانية، بل أيضاً لما تحمله من تداعيات على أمن البحر الأحمر، والهجرة غير النظامية، وتوازنات القوى الإقليمية. لذلك تتعامل واشنطن مع الملف السوداني بوصفه قضية أمن قومي بقدر ما هو ملف إغاثي.
تتحرك الدبلوماسية الأمريكية على مسارين متوازيين: الأول يركز على حشد المساعدات وتعبئة المانحين وتقديم تعهدات مالية كبيرة عبر الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، والثاني يسعى لفرض هدنة إنسانية مؤقتة تتيح وصول تلك المساعدات وتخفف حدة القتال. هنا تظهر «الجذرة» في شكل دعم مالي وتسهيلات وشراكات سياسية لمن يتجاوب، بينما تتمثل «العصا» في التلويح بالعقوبات والعزلة السياسية ضد من يعرقل المسار.
يقود مسعد بولس اتصالات مكثفة مع أطراف النزاع ومع القوى الإقليمية المؤثرة، محاولاً تسويق فكرة هدنة لعدة أشهر باعتبارها المدخل الواقعي لتخفيف المعاناة. غير أن هذه الجهود تصطدم بتباين واضح في مواقف طرفي الحرب:
فالجيش السوداني ينظر بحذر إلى كثير من المبادرات الدولية، ويرى أن بعضها يمنح خصمه فرصة لإعادة التموضع. في المقابل، تحاول قوات الدعم السريع الظهور بمظهر الطرف المتجاوب مع الهدن المؤقتة، في مسعى لتحسين صورتها الخارجية وتقليل الضغوط عليها.
ولا يقتصر البعد الإقليمي للمبادرة الأمريكية على السودان وحده، بل يشمل دولاً ذات تأثير مباشر في الأزمة، مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر، و تشاد حيث تستخدم ، واشنطن مع هذه الدول المنطق نفسه: تشجيع من يدعم التهدئة، وضغط على من يُشتبه في تورطه في تغذية الصراع.
السؤال الجوهري: هل تهدف الولايات المتحدة إلى إنهاء الحرب جذرياً، أم إلى إدارتها ومنع انفجارها إقليمياً؟ الواقع يوحي بأن واشنطن تميل إلى خيار «تقليل الخسائر» أكثر من السعي لحل جذري، وهو ما يفسر التركيز على الهدن المؤقتة بدلاً من معالجة جذور الأزمة.
في المحصلة، تمثل تحركات مسعد بولس محاولة لإدارة أزمة معقدة عبر مزيج من الجذرة والعصا. غير أن أي اختراق حقيقي لن يتحقق دون إرادة سودانية مستقلة تضع مصلحة الوطن فوق حسابات السلاح والسلطة. فبدون ذلك، ستظل الجذرة غير كافية، وستبقى العصا عاجزة عن فرض السلام، بينما يستمر السودان في دفع ثمن حرب لم يُحسم قرار إنهائها بعد.

الجمعة الجامعة ٧ فبراير ٢٠٢٦
دالاس/تكساس
Jaroprojectsconsulting.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*