رحل رفيق المقعد وشريك الحلم

رحل رفيق المقعد وشريك الحلم
  • 06 فبراير 2026
  • لا توجد تعليقات

الطيب حاج مكي

اليوم، الأربعاء ٤-٢-٢٠٢٦م، لم يغب حمد الزناري وحده، بل غاب معه جزءٌ من ذاكرتي، ورفقة دربي، ونصفُ حكايةٍ عشتها عمرًا. ترجل فارسٌ كان حضوره طمأنينةً لي ولغيري، وأفل نجمٌ تعودنا أن نهتدي بنوره في عتمات الطريق.
فالفقد ليس رحيل جسد، بل انكسار معنى، وانطفاء زمن، وغياب من كنا نرى أنفسنا في ملامحه.
أيُّ فقدٍ هذا الذي يداهم القلب دفعةً واحدة؟ وأيُّ حزنٍ أثقل من أن يرحل من كان أقرب إلى الروح من ظلها؟

رحل الحبيب حمد الزناري، فغاب معه شيءٌ من القلب، وتصدّعت ذاكرة العمر، وتكسرت نصال الأحزان فوق النصال. لم يكن حمد صديقًا عابرًا، بل كان نفحةً من روح، ورفيق مقعد، وشريك حلم. كنا في الجامعة أقرب من الأخوّة، نتقاسم القلق النبيل، وننحاز للأسئلة الكبرى التي طرحت نفسها على جيلنا، ونسير في الدرب ذاته، ولو دون اتفاقٍ مُسبق.

كنا – أنا وحمد – قد أتينا معًا من أرياف كردفان، نحمل أحلام جيلٍ كامل؛ أحلام اكتساب المعرفة، وانتزاع الحرية، وبناء الديمقراطية، والعيش الكريم في وطنٍ يسع أبناءه جميعًا. جئنا من الهامش إلى مركز الأسئلة، محمّلين ببراءة الريف وصلابته، وبإيمانٍ عميق بأن التعليم طريق الخلاص، وبأن السودان يمكن أن يكون أفضل مما هو عليه. لم تكن صداقتنا مصادفة، بل كانت امتدادًا لحلمٍ تشكّل هناك، في تراب كردفان، ونما معنا حيثما حللنا.

كنا من تلاميذ الدكتور حسن عباس صبحي، نذوب طربًا حين تُتلى علينا أشعار شيلي ووردزوورث، ثم كان حمد يبتعد أكثر، يستغرق في عوالمه، ويحدّق بعيدًا، عندما ينفذ الدكتور صبحي إلى الموسيقى الداخلية للقرآن، ويقرأ: ﴿والعاديات ضبحًا﴾. كنا نسمع صهيل الخيل في صوته، ونرى النقع يرتفع في أرواحنا، وكان حمد هناك… غارقًا، مأخوذًا، تمامًا. كان سلطان العشاق. وترجم لصبحي: ماذا أكون حبيبتي، ماذا أكون.

ومن تلك اللحظة الجمالية، انفتحت عقولنا على الأفق الفكري الأوسع؛ فقرأنا بعمق كتابات الإمام الصادق المهدي، بوصفه مفكرًا سياسيًا ومجددًا في الفقه والسياسة، سعى لردم الهوة بين التراث والديمقراطية الحديثة، وقرأنا نظريات الدكتور فضل الله علي فضل الله، لا سيما مؤلفاته في إدارة التنمية، حيث قدّم مقاربة علمية تربط بين التخطيط، والعدالة الاجتماعية، وبناء الدولة الوطنية، وتأملنا تحليلاته الدقيقة لتجربة الجزر الأنصارية باعتبارها نموذجًا اجتماعيًا-سياسيًا مكثفًا لفهم علاقة التنظيم بالقيم. تلك القراءات نقلتنا من حرارة الشعارات إلى برودة السؤال المنهجي، ومن الحلم المجرد إلى التفكير في أدوات تحقيقه، ورسّخت في حمد — وفيّ — قناعةً بأن التغيير الحقيقي لا يصنعه الإخلاص وحده، بل تصنعه المعرفة العميقة، والصبر الطويل على مشروع الوطن.

وأستعيد الآن خطاباته الحماسية في قهوة النشاط، وفي داخلية سيدة كثيرة، وفي مدرسة العاصمة بالأبيض، أيام الأسابيع الثقافية التي جُبنا فيها جنوب وشمال كردفان. وأستعيد رحلات نهاية الأسبوع إلى الحصاحيصا، حيث الحبيب أحمد محمد علي السيد وأسرته ووالدته، ومشاورينا إلى أم درمان، حي العمدة، حيث أسامة حسن شريف، الذي كان كثيرًا ما يأخذنا إلى برنامج فرسان في الميدان.
تتكدس الذكريات الآن كسكينٍ ناعمة؛ تؤلم بلا دم. كأنني أرى الدكتور خالد الجودة، وحسن هلال، والمرضي صالح، وموسى النعيم، والدكتور ابراهيم بابكر ود العبيد وامير والدكتور الطاهر الباشا وفتح الرحمن وسركيس واسامه حسن شريف وخالد وإبراهيم حسن، وأحمد عبد الرحمن الصافي، ومحمد لطيف، وعبدالرحمن الأمين، والمجلس الأعلى للروابط الإقليمية. وأستعيد مشهدنا في احتفالنا باستقبال الطلاب الجدد وقد امه الدكتور محمد أحمد منصور ومشهدنا بالبدل في استديو الوادي لالتقاط صور اتحاد التضامن الإسلامي، وزياراتنا لمستشفى الأبيض لعيادة المعتقلين: العم بكري عديل، والحبيب عبد الرسول النور، رحمهما الله.
وأستعيد الندوة التي تحدثنا فيها عن التراث في كردفان وعن ندوة دار المؤمنات في الابيض.واستعيد وجودنا في لجنة اغاثة جوعى المويلح واعتقالنا ضمن المئات من الجوعى فى استاد المريخ.
كان الحبيب حمد أحد قادة ثورة أبريل 1985، ومن الذين آمنوا بالحرية حين كانت مكلفة، ودفع بلا شك من عمره ثمنًا للفكرة. وعندما انتصرت الثورة ذهب إلى لجنة الاختيار بديوان الخدمة ليعمل بعد عام 1986 في التربية والتعليم مع العم بكري عديل، ثم في مجلس الوزراء، حتى جاء ليل السرقة الكبرى، وسُرقت البلاد. فتزاملنا في الاغتراب وليله الطويل مثلما تزاملنا في الوطن، ثم عاد هو، وبقينا نتبادل الوجود عبر الصور والكلمات وألبومات العمر، نحدّق في ملامحنا وما فعلته الأيام بنا، ونصمت طويلًا. واليوم، صار الصمت أثقل، وصار الكلام ناقصًا، وصارت الذكريات أكثر حياةً من الواقع.
فقد سبقنا الحبيب حمد بالرحيل، وياله من رحيل، فنسأل الله أن يجعل ألمه طُهرًا، ومرضه رفعة، وغيابه حضورًا في عليين، وأن يكرم نزله، ويجعل قبره روضةً من رياض الجنة.
نعزي زوجه، حفيدة الزناري الكبير، وأبناءه وبناته، وأسرته الكريمة في ام لبانه، ونعزي أنفسنا في فقد من كان قطعةً من أرواحنا.

رحمك الله يا حمد…ستبقى في القلب حيًّا، وفي الذاكرة نقيًّا، وفي الدعاء حاضرًا. فالعين لتدمع، والقلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الله.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*