دبلوماسية تصنعها القلوب

دبلوماسية تصنعها القلوب
  • 06 فبراير 2026
  • لا توجد تعليقات

د. حسين حسن حسين

في تلك الليلة المزدانة بالمشاعر الصادقة قبل الأضواء، ارتدت الرياض ثوب المحبة. لم يكن المشهد احتفالاً عابراً بزواج ابنة عزيزة لأب عزيز، بل كان لحظة إنسانية كثيفة الدلالة، امتلأت بالمعاني التي نسجتها السنين، وباركتها القلوب الصادقة.
الاحتفال بمشاركة فرحة زواج رنيم، ابنة الفنان السوداني المتفرد إنساناً وفناً عاصم البنا، برعاية الرياضي السعودي علي القحطاني وشقيقه معدي، تحوَّل إلى مرآة شفافة لعلاقة تجاوزت حدود المكان، واستقرت عميقاً في وجدان الناس.

علي القحطاني لم يطرق أبواب السودانيين مصادفة، بل دخل عالمهم بدافع حب حقيقي تشكّل منذ الصغر. في بدايات شبابه، قصد الرابطة الرياضية للسودانيين بالخارج (الصالحية)، طالباً الانضمام، واختار التحكيم طريقاً له، رغم صغر سنه الذي كان يقرب سن اللاعبين، بل كان أصغر من كثيرين منهم. لمس فيه الريس عبدالمنعم عبدالعال الصدق، ورأى أنه يستحق الفرصة، فمنحها إياه، لتبدأ من هناك حكاية مختلفة. في تلك الساحة الرياضية، نمت صداقاته، وتعمقت علاقاته، حتى غدا واحداً منهم، لا ضيفاً عليهم.

ومن الرياضة، انفتح علي على كامل الطيف السوداني؛ ثقافةً وإنساناً وروحاً. صار له في كل بقعة من أرض السودان أصدقاء أعزاء، يشاركونه الاهتمامات، ويعرِّفونه على تنوعهم الجميل. أحب أغنياتهم، فغناها بشغف العارف لا المقلد، ورددها في المسرح ووسائل التواصل الاجتماعي بعفوية من فهم المعنى قبل اللحن. احتفى بانتمائه للرابطة، وكرّم رموزاً سودانية، وغلب الطابع السوداني على حضوره ومحتواه، فحصد محبة واسعة كان أساسها الصدق والانفتاح والاحترام.

اقترب من الفنانين، ومن الرياضيين على وجه الخصوص، وحين دعاه عاصم البنا ومحبوه لزيارة السودان، تحولت الزيارة إلى عرس محبة خالص، استقبل فيه السودانيون إنساناً أحب بلادهم، فأحبوه كما يُحب الصادقون.

وجاء احتفاله بزواج رنيم تتويجاً طبيعياً لكل هذا المسار الإنساني. ليلة لم تشهد الرياض مثلها من قبل، بحضور فني سوداني كثيف، وغناء متنوع من الحقيبة إلى ملاحم الفروسية، والسيرة، وحضرت الكمبلا، والأغنيات النوبية، وكردفان بكل رمزيتها، وكأن السودان بأكمله جاء ليبارك. كان احتفالاً منح محبي عاصم البنا فرصة أن يقولوا له: نحن معك في الفرح، كما كنت معنا دائماً بفنك الذي أبهج القلوب.

في تلك الليلة، لم يكن علي القحطاني  مضيفاً فحسب، بل كان جسراً إنسانياً نبيلاً يجسِّد أسمى معاني الدبلوماسية الشعبية، حيث تتلاقى السعودية والسودان بلا شعارات، وبلا تكلف، بعلاقات تصنعها القلوب قبل المؤسسات.

ولم يكن علي وحده في هذا الدرب، فقد شاركته أسرته هذه المحبة، ليغدو البيت كله مساحة مفتوحة للمودة. واستحق عن جدارة لقب “سعوداني”، ذلك الوصف الجميل الذي أطلقه عليه الراحل المقيم صديق الموج، فكان توصيفاً دقيقاً لقلب عاشق بصدق.

نبادلك الحب يا علي القحطاني، ونسأل الله أن يديم عليك محبة خلقه. مبارك لرنيم، وللفنان عاصم البنا، وللأسرة الكريمة، هذه المحبة الصادقة التي عبّر عنها الحضور، فالناس شهود الله في أرضه.

وكان إصرار علي على غناء ”يجوا عايدين” له مغزاه العميق، فهو يدرك شوق أهل السودان أن يعود إليهم وطنهم، وأن يعودوا إليه آمنين. شوق يشاركهم فيه علي، لأنه أحب السودان بصدق، فصار جزءاً من حنينه، حيث له مخزون من الذكريات الجميلة الذي يجعله يردد دوماً: الليلة بالليل..نمشي
شارع النيل.
نحبك بقدر ما أحببتنا، ونسأل الله أن يديم هذه المحبة، وأن يديم عز هذا الوطن الذي شرّفه الله بخدمة الحرمين الشريفين، وأن يعز السودان، ويعيد إليه أمنه واستقراره.
لقد أهديتنا ليلة جميلة كجمال قلبك ونقاء سريرتك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*