أم الوحيد.. سودانير مثل الدابة التي تأكل لتبعر، وليس لتسمن وتعطي لحماً، أو تدر لبناً…!

أم الوحيد.. سودانير مثل الدابة التي تأكل لتبعر، وليس لتسمن وتعطي لحماً، أو تدر لبناً…!
  • 07 فبراير 2026
  • لا توجد تعليقات

حيدر التوم خليفة

قرأت اليوم خبراً يحمل مقترحاً لإعادة تأهيل سودانير، وفيما يلي الخبر..:
تحليق جديد للناقل الوطني بتمويل شعبي

تمويل جماهيري وطني يستهدف شراء 10 طائرات لإعادة إحياء الناقل الوطني السوداني وتأكيد السيادة الجوية..
(أطلقت مجموعات وطنية مبادرة شعبية غير مسبوقة تهدف إلى انتشال قطاع الطيران من عثرته عبر شراء عشر طائرات جديدة لشركة “سودانير”. ترتكز المبادرة على فتح حساب رسمي تحت رقابة مالية وإدارية رفيعة المستوى لضمان الشفافية المطلقة، بمشاركة عضو مجلس السيادة الفريق ياسر العطا، ووزير المالية جبريل إبراهيم، ومدير عام الشركة الكابتن مازن العوض. وأوضح مطلق المبادرة، أنور السادات قنديل، أن هذا التحرك يتجاوز الجدوى الاقتصادية ليصبح معركة لإثبات الهوية الوطنية واستعادة الريادة الإقليمية للبلاد) انتهى.
…. أولاً أقول إن الاستثمار في الطيران، خاصة في حجمه الكبير، وبالأخص عندما يتعلق بناقل الدولة الوطني، يعتبر من أكثر أنواع الاستثمار تكلفة، لهذا فهو نشاط دولة استراتيجي في حجمه الواسع، أو براح ونشاط استثمار، تقوم به مجموعة كبرى متخصصة فيه، تملك المال والتمويل والخبرة المطلوبة..
لهذا فأصحاب المبادرة هم محل شكر وتقدير، لحملهم هذا الهم الوطني، ولنيلهم شرف المحاولة، ولكن بالمنطق الاقتصادي، فإن المبادرات والنفير الشعبي، لا يبنيان شركة طموحة تريد أن تسود بها الفضاء كما جاء في التصريح..
وأزيد قولاً، نحن مع أي مساعٍ مدروسة للنهوض بسودانير، واستعادتها لدورها كناقل وطني رائد فاعل، وهو أمر ليس باليسير تحقيقه، خاصة لناقل عريق بلغ عمره 70 عاماً في الفضاء، ولكن للأسف، منذ نحو أربعين عاماً، أصابه الكساح، وآثر أن يكون دجاجة تخب على الأرض، من أن يكون نسراً محلقاً في أعالي السماء..!
ويحق لنا أن نتساءل من هوى بها من تصنيف أوائل الخطوط الجوية في أفريقيا والعالم العربي وجوداً وأداءً، وقذف بها من ريادة صناعة الطيران وخبراته، إلى عيون محزونة تتابع طائرة واحدة تتقافز بين الداخل والخارج، مثل فرخ طير يترنح، وقع أبواه في شباك صياد دميم، طائرة واحدة يعتاش عليها مئات العاملين..
ولكن ما السبب الذي حط بها من نسر جارح، إلى صيص تائه، زغب الحواصل، غض المنقار..؟
أكاد أجزم أن مشكلة سودانير إدارية في المقام الأول، وإرث من الفشل الإداري الطويل المتراكم، فقد أضرت بها التدخلات السياسية، والتعيينات العشوائية، وترضيات التمكين، مع تضخم مصروفات التشغيل، وتعاظم خسارات محطاتها الخارجية، والتي كان بالإمكان تجاوزها بإعطائها لوكلاء، كما أقعد بها إرثها الإداري البئيس الممتد، والمؤثر سلباً على حالها حتى اليوم، فالماضي ما زال يلقي بظلاله عليها…
لهذا وبنفس المعطيات الحالية، لو دعمتها بمائة طائرة أو تزيد، فلن تحقق المرجو منها، وسوف تفلس في عامين…
المؤسف أن جل المؤسسات والشركات الحكومية، ليست أكثر من خزائن منهوبة، وأبقار حلوبة، يصب خيرها، وتمتد مزايا وظائفها، عطايا بلا وجه حق، إلى إدارتها التنفيذية وقياداتها الداخلية، ومجالس إداراتها الغائبة وزوجاتهم وعيالهم وأقربائهم..
يجب إبعاد هذه المؤسسات عن المؤثرات والتجاذبات السياسية، خاصة تعيينات معاشيي ومفصولي القوات المسلحة والأنظمة الأمنية والشرطية، وشرائح الترضيات والتسويات الحزبية والتمكين والتوافقات السياسية، وللأسف فهذا حال الوظيفة في السودان التي صارت مغنماً ومدخلاً للتربح والاغتناء، مثلها مثل السياسة، والتي صارت من أهم سبل كسب العيش في السودان..
وللإنصاف لا أظن أن لدى أهل سودانير اليوم مالاً يتربحون منه، أو وفراً يترفهون به، فهم يتعولون على وزارة المالية على حسب علمي، وهل يكفي (واحد فول، ولو وضعته في طشت) على إطعام مائة شخص…
وشركة هذا حالها، ولا تستطيع حالياً توفير حقوق العاملين بها، وإيفاء ما يستر حالهم ويقيم أودهم، فهل تتوقع منها إنجازاً وإعجازاً..؟
وهناك من يشطح ويقارنها بالخطوط الإثيوبية، والتي تعتبر أكبر داعم لميزانية إثيوبيا بأرباح تفوق السبعة مليارات دولار في العام، هذا غير العملات الصعبة التي توفرها عبر رحلاتها الخارجية، والتي تحصى بالمئات كل يوم..
سودانير في عزها انطبق عليها المثل (تأكل لتبعر)، وليس لتسمن وتزداد شحماً ولحماً أو لتدر لبناً خالصاً سائغاً للشاربين، وها هي اليوم تحصد أخطاء الماضي..
وفي صناعة الطيران وخدماته، فقيمة الطائرة تقاس بوجودها في الجو محلقة، وليس بركنها في الأرض ساكنة متعبدة في محراب النسيان، فكل ساعة تكون فيها على الأرض، هي خسارة لا تعوض، وفرصة ضائعة..
لتعيدوها سيرتها الأولى، استعينوا ببيت خبرة ليشخص حالتها، وحتى يتم ذلك، ادخلوا في شراكات تشغيل وليس شراكات تمليك، انتهجوا أسلوباً جديداً في الإدارة، بعقلية تستشف الأمور، وتوقع عالٍ للحدث، منطلقين من نقطة مهمة، وهي أن قطاع الطيران هو أكثر قطاع خدمي يشهد منافسة على المستوى العالمي، وأن نسبة الإفلاس التي تصيب شركاته هي من بين الأعلى عالمياً..
ناس سودانير (ناس الوحيد) كان الله في عونكم…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*