تصنيف الإخوان في ذروة ضجيجه: إزالة التمكين، تسريبات كِبر ورهان البرهان الأخير

تصنيف الإخوان في ذروة ضجيجه: إزالة التمكين، تسريبات كِبر ورهان البرهان الأخير
  • 18 مارس 2026
  • لا توجد تعليقات

ميرغني أبشر

يبدو أن قرار الخارجية الأمريكية بتصنيف جماعة الإسلام السياسي وواجهاتها المدنية والعسكرية، من المؤتمر الوطني وكتائبه ذات المسميات الأسبستونية الرنانة، قد جاء بمثابة تفريغ للتورم السياسي الذي تعيشه البلاد منذ اندلاع حرب الكراهة العبثية في منتصف أبريل 2023م. فما إن صدر القرار حتى طفحت الساحة السياسية بسيلٍ من الأحداث المتلاحقة، يجرّ بعضها بعضاً ويتزامن بعضها الآخر في مشهد كثيف الإشارات والدلالات. وفي هذا المقال نحاول، بقدر ما تسمح به المساحة، الوقوف على أبرز هذه المستجدات، مجتهدين في سبر غورها أملاً في تقعيدها ضمن سياقها السياسي الصحيح.

الواقعة الأبرز خلال هذا الأسبوع تمثلت في حادثة التسجيل المصور الذي بثته قناة سكاي نيوز العربية لنائب الرئيس المطاح به والقيادي بالمؤتمر الوطني المحلول والحركة الإسلامية عثمان يوسف كِبر، والذي هاجم فيه البرهان هجوماً مباشراً. ويُعرف عن كِبر ميله الدائم إلى العنف، وقد اتُّهم سابقاً، خلال الفترة من ديسمبر 2010 إلى مارس–يونيو 2011، بالإشراف على أعمالٍ وحشية ضد قبيلة الزغاوة، حيث قام بتسليح مجموعاتٍ من غير الزغاوة وحثّها على قتالهم وطردهم. وخلال تلك الأحداث نظّم مسلحون قبليون مذبحةً في أبو زريقة بموافقة السلطات المحلية التي كان كِبر على رأسها آنذاك.
لهذا فإن احتمالات تسريب حديث الرجل، المحاط بكثيرٍ من المتربصين، تبدو واسعةً، كما أن سلامة التسجيل وصحته لا تحتاجان إلى تدقيقٍ كبير في مادته. فالأقوال التي أطلقها تتسق تماماً مع شخصيته السياسية المعروفة، كما أن تعقيدات الحوار واستفسارات الحضور وتأميناتهم المتكررة على حديثه تنفي شبهة الفبركة. ويمكن حتى لغير المتخصص تمييز صوت من قام بالتسجيل، بينما جاء نفيه الكتابي مرتبكاً على نحوٍ عزّز الشكوك، خاصةً مع خطئه في كتابة تاريخ رده حين أشار إلى عام 2025 وهو يقصد العام 2026 الجاري، وهو خطأ يكشف استعجالاً واضحاً في محاولة احتواء الأزمة.

الجديد الذي حملته الواقعة لا يكمن في تأكيد سيطرة الحركة الإسلامية على مفاصل الدولة، فذلك أمر معلوم، وإنما في استفحال الخلاف بين عسكرها الذين يباشرون المواجهة ومدنييها المترفين القلقين من تبعات التصنيف الأمريكي وما قد يعقبه من إجراءاتٍ عقابية. فقد أصبحت تشنجات أطراف الحركة الإسلامية وارتفاع وتيرة هجومها على البرهان أمراً ملحوظاً، خاصةً بعد المستجد الآخر المتمثل في تعيين أحد المصطفين في خندق الإسلاميين خلال حرب الكراهة العبثية مستشاراً سياسياً ومبعوثاً خارجياً لرئيس مجلس سيادة حكومة الأمر الواقع.
الشخصية المعينة تُحسب على مجموعة “المزرعة” التي يتصدرها الشفيع خضر، وهي مجموعة من اليسار المتساقط ارتبطت ببيوت خبرة دولية ومنظمات ذات حضور أممي ذي نهجٍ براغماتي، وقد وضعت قدمها الأولى بحذر داخل بلاط الأفاعي بدولة رئيس الوزراء المغيب كامل أدريس، قبل أن تتقدم خطوةً جديدة عبر أمجد فريد، الذي عمل مساعداً لرئيس مكتب رئيس الوزراء الشرعي د. عبد الله حمدوك، كما شغل موقع المستشار السياسي للبعثة السياسية الخاصة للأمم المتحدة في السودان وزميلاً زائراً في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
هذا التوجه البرهاني الأخير أثار قلق دهاقنة الإسلام السياسي، فارتفعت أصواتهم في تعنيف البرهان سراً وعلانيةً، عبر الصحافة والتصريحات السياسية، وكان أحدثها حديث القيادي بالحركة الإسلامية حاج ماجد سوار الذي تساءل عن الحظوظ السياسية لما أسماهم أبطال حرب الكرامة. وتشير هذه المواقف إلى أن البرهان بات يتحرك بخطوات أوسع نحو واجهات مدنية بحثاً عن اختراق يمنحه قدراً من المقبولية الأممية عقب التضييق المتزايد على داعميه من تيار الإسلام السياسي المنبوذ دولياً.

أما المستجد الختامي فقد تمثل في عودة لجنة إزالة التمكين إلى العمل، وهو قرار وجد ترحيباً واسعاً وسط قطاعات الشعب. وقد أوضحت اللجنة أن استئناف نشاطها جاء بقرارٍ من قيادتها برئاسة محمد الفكي سليمان، عضو مجلس السيادة الشرعي، مع التركيز على تتبع الأصول المالية للتنظيمات المرتبطة بالنظام المعزول واستردادها أينما وُجدت. كما أعلنت اللجنة عزمها ملاحقة قيادات حزب المؤتمر الوطني قضائياً داخل السودان وخارجه، والتصدي لما وصفته بحملات التضليل الإعلامي، إلى جانب كشف الكيانات والمنظمات التي يُعتقد أنها شكّلت واجهات للنظام السابق.
وقد سبق إعلان عودة اللجنة نشاطٌ مكثف في الوسائط الرقمية قاده ناشطون وطنيون عقب قرار التصنيف الأمريكي، بهدف حشد الدعم المعلوماتي لرصد عناصر الجماعة، فجاء قرار العودة سريعاً ليمنح هذا الحراك منصةً شرعية تؤسس لعملٍ دبلوماسي وسياسي منظم يستهدف وقف أنشطة شبكات تنظيم الإخوان المحلية والعابرة للحدود، والتي باتت تُعد تهديداً مباشراً للأمنين الإقليمي والدولي.
ومن المتوقع أن تعمل اللجنة كمزوّدٍ معتمد لقرار التصنيف الأمريكي، بما يتيح إصدار مذكرات توقيف دولية وقوائم عقوبات موسعة، إضافةً إلى رفد المؤسسات الدولية المعنية، كوزارة الخزانة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، ببياناتٍ تكميلية تتضمن قوائم سوداء بأسماء قيادات عسكرية وسياسية وفّرت الغطاء العملياتي لكتيبة البراء والمجموعات المسلحة المرتبطة بتنظيم الإخوان.

وعند قراءة المشهد كاملاً يتضح أن التورم السياسي الذي أحدثه قرار التصنيف الأمريكي قد تجلّى في ثلاث كدمات سياسية متزامنة: كدمة أولى يمثلها البرهان عبر انفتاحه على واجهات مدنية ذات ارتباطات سابقة بمنظومات غربية، في محاولة لفتح نافذة تعيد تعريفه أمام المجتمع الدولي بصورة تمنحه مقبوليةً تضمن استمراره في السلطة ضمن تسوية سياسية توقف الحرب بشروط يشارك في صياغتها.
وكدمة ثانية داخل التيار الإسلامي نفسه، حيث تتصاعد لغة التهديد والمناورة مع احتمال اللجوء إلى حماقات سياسية أو أمنية إذا شعرت تلك الأطراف بأن قطار التسوية تجاوزها قبل أن تنجح في إعادة تشكيل صورتها.
أما الكدمة الثالثة فقد جاءت محمولةً بدعم قوى الثورة التي ترى في التصنيف حصاداً لجهدها الطويل في توصيف جماعة الإخوان تنظيماً إرهابياً، وهي تنتظر لحظة استحقاقها السياسي عقب تجربة “المزرعة” البراغماتية ذات الإسناد البرهاني المحمول مصرياً.

هكذا تتقاطع المسارات في لحظة سياسية مشحونة، حيث غدا قرار التصنيف حدثاً فاعلاً ونقطة تحول أعادت ترتيب الاصطفافات وكشفت عمق الصراع داخل السلطة وحولها، فاتحةً الباب أمام مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة موازين القوة تحت ضغط الداخل وحسابات الخارج معاً.

الوسوم ميرغني-أبشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*