دمج الحركات والمليشيات في الجيش: دعوةُ حقٍ أُريد بها باطل

دمج الحركات والمليشيات في الجيش: دعوةُ حقٍ أُريد بها باطل
  • 26 مارس 2026
  • لا توجد تعليقات

محمد الأمين عبد النبي

تطرح تصريحات القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان ومعاونيه، ومن بينهم ياسر العطا ومني أركو مناوي، بشأن دمج جميع الحركات والمليشيات المسلحة المشاركة في الحرب ضمن القوات المسلحة، خطاباً يبدو ظاهرياً إصلاحياً لمعالجة تعدد الجيوش، لكنه ينطوي على تعقيدات عميقة تتصل ببنية الدولة السودانية وأزمة الشرعية السياسية والأمنية فيها، ويثير تحفظات جوهرية سياسياً وأمنياً وإجتماعياً وقانونياً.
تعكس هذه الدعوة محاولة لإعادة إنتاج الأزمة السودانية، فطرح الدمج في ظل غياب عملية انتقال سياسي ذات مصداقية، وضمن سياق حرب مفتوحة، يثير شبهة استخدامه أداةً لإعادة ترتيب التحالف العسكري وتكريس موازين القوة القائمة. كما أن إشراك فاعلين مسلحين ذوي خلفيات أيديولوجية أو جهوية مثل بعض الكتائب ذات الطابع الإسلامي أو التشكيلات المرتبطة باتفاق سلام هش يهدد بتحويل الجيش من مؤسسة وطنية محايدة إلى مظلة جامعة لتحالفات ظرفية.
كما يفتقر الطرح إلى الشروط المهنية المعروفة لعمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، وإصلاح القطاعين الأمني والعسكري. إذ لا توجد مؤشرات على وجود عقيدة عسكرية موحدة، أو معايير واضحة للدمج، أو آليات للتحقق والتدقيق في الخلفيات والانتهاكات. كما أن إدماج تشكيلات غير منضبطة أو ذات ولاءات شخصية ومالية في هيكل الجيش قد يؤدي إلى مأسسة الانقسام داخل القوات المسلحة نفسها، بما يقوّض وحدة القيادة والسيطرة.
وتحمل الدعوة مخاطر إعادة إنتاج العسكرة بوصفها آلية للاندماج الاجتماعي والاقتصادي، في ظل اقتصاد منهك وغياب بدائل مدنية. فبدلًا من تفكيك اقتصاد الحرب، قد يؤدي الدمج غير المدروس إلى توسيع قاعدة المنتفعين من المؤسسة العسكرية وإمتيازاتها، وتعزيز شبكات الزبائنية والولاءات، بما يعمّق الفجوة بين المركز والأطراف، ويؤجل معالجة جذور النزاعات المرتبطة بالتهميش والعدالة الانتقالية. كما أن تجاهل قضايا الضحايا والانتهاكات يهدد بإدامة دورات العنف، ويقوّض جهود السلام والمصالحة الوطنية.
ويثير الطرح إشكالات جوهرية تتعلق بغياب إطار دستوري وتشريعي ناظم لعملية الدمج. فالقوات المسلحة، وفق المبادئ الدستورية المقارنة، ينبغي أن تُنظَّم بقوانين واضحة تحدد شروط الخدمة والترقي والمساءلة. وفي الحالة السودانية، يُطرح الدمج في ظل فراغ دستوري نسبي وتعطّل مؤسسات الرقابة، ما يفتح الباب أمام إجراءات انتقائية تفتقر إلى الشفافية، وقد تتعارض مع الالتزامات الدولية للسودان في مجال حقوق الإنسان والقانون الإنساني.
ولا شك أن تنفيذ هذه الرؤية بصيغتها المطروحة قد يؤدي إلى تكريس “جيش متعدد الولاءات” بدلًا من توحيده، وإضفاء شرعية رسمية على فاعلين مسلحين دون معالجة ماضيهم، بما يهدد بتحويل المؤسسة العسكرية إلى ساحة تنافس داخلي دائم. كما قد يضعف ذلك فرص بناء دولة مدنية ديمقراطية، ويعقّد أي مسار مستقبلي لإصلاح القطاع الأمني، خاصة إذا تم الدمج بوصفه حلاً سياسياً سريعاً لتثبيت الأمر الواقع، لا كجزء من عملية تحول ديمقراطي شاملة.
إن هذه الدعوات تصطدم بسجل طويل من التعهدات غير المكتملة بشأن إصلاح المؤسسة العسكرية ودمج القوات، بما في ذلك ما أعقب اتفاقات السلام السابقة. كما أن استمرار الحرب، وتضارب مصالح الفاعلين المسلحين، وغياب الثقة بين الأطراف، كلها عوامل تقلل من واقعية تنفيذ دمج شامل وعادل في المدى القريب. وبالتالي، يُخشى أن يكون الخطاب أقرب إلى أداة سياسية لإعادة التموضع منه إلى برنامج إصلاحي قابل للتطبيق.
وتكتسب هذه الدعاوى معناها الحقيقي حين تُقرأ في ضوء التاريخ السوداني المضطرب في ضبط العلاقة بين المدنيين والعسكريين، خاصة أن هذه القوات تتبع لتنظيمات سياسية. وعليه، فهي ليست مبادرة تقنية لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية بقدر ما هي امتداد لسؤال لم يُحسم منذ الاستقلال؛ من يسيطر على القوة المسلحة، وبأي شروط، ولصالح أي مشروع سياسي؟ فقد ظلت إشكالية العلاقات المدنية–العسكرية أحد أعقد العوامل البنيوية التي أعاقت ترسيخ نظام سياسي مستقر. وانطوى هذا الإخفاق على افتراض ساذج مفاده أن المؤسسة العسكرية ستلتزم تلقائياً بحدودها الدستورية والقانونية، وتؤدي دورها كأداة تنفيذية خاضعة للسلطة المدنية، دون الحاجة إلى بناء ترتيبات سياسية ومؤسسية ضابطة لهذه العلاقة. غير أن واقع الدول النامية، كما أثبتت التجربة السودانية بمرارة، يُظهر أن هذا الافتراض لا يصمد أمام تعقيدات السلطة، وضعف المؤسسات، وتشابك المصالح.
منذ فجر الاستقلال، كان لزاماً على النظام السياسي أن يعالج بصورة صريحة ومبكرة مسألة دور القوات المسلحة في المجال العام، وأن يحسم موقعها داخل معادلة الحكم. وقد انحصرت الخيارات النظرية والعملية المتاحة في ثلاثة مسارات رئيسية: أولها، النموذج المثالي الذي يكرّس خضوع المؤسسة العسكرية الكامل للسلطة التنفيذية المدنية المنتخبة، وفق ما استقر في الديمقراطيات الغربية، وهو نموذج تطلّب وقتاً من التراكم المؤسسي والتوازنات السياسية للوصول إليه. ثانيها، الخيار الراديكالي الذي انتهجته كوستاريكا بإلغاء الجيش باعتباره مصدراً دائماً لتهديد النظام الديمقراطي. أما ثالثها، فهو نموذج السلطة ذات الرافدين، الذي يقوم على استيعاب المؤسسة العسكرية داخل العملية السياسية ومنحها دوراً شريكاً في الحكم.
غير أن الإخفاق في تبنّي أي من هذه النماذج بصورة واضحة ومؤسسية في السودان، أو حتى تطوير صيغة هجينة مستقرة، أفضى إلى وضع رمادي اختلطت فيه الأدوار وتداخلت فيه السلطات، ما مكّن المؤسسة العسكرية من التمدد خارج نطاقها المهني. ولم يقتصر هذا التمدد على تنفيذ الانقلابات العسكرية، بل تجلّى أيضًا في ممارسة فعلية لصلاحيات تنفيذية مدنية، خاصة في إدارة الحرب الأهلية، وهو ما أضعف الحكومات ووضعها في موقع التابع لقرارات عسكرية تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية والمساءلة.
وقد أفرز هذا الخلل سلسلة من الوقائع الدالة التي تكشف طبيعة العلاقة المختلة بين المدنيين والعسكريين، وتؤكد أن المشكلة اعمق من تدخل الجيش عبر الانقلابات، وانما في غياب تعريف دقيق ومتوافق عليه لدوره داخل النظام السياسي، وفي ضعف الأدوات المدنية القادرة على فرض الرقابة والمساءلة. وترتب على ذلك أن أصبحت المؤسسة العسكرية فاعلاً سياسياً، يملك القدرة على توجيه القرار الوطني وفرضه دون أن يتحمل تبعاته.
إن الثمن الذي دفعه السودان نتيجة هذا الاختلال كان باهظاً، تمثّل في إطالة أمد الحروب الأهلية، وتعطيل التحول الديمقراطي، وإضعاف مؤسسات الدولة، فضلاً عن إهدار فرص تاريخية لبناء سلام مستدام. وهو ما يبرز أن معالجة هذه الإشكالية لا يمكن أن تتم عبر حلول جزئية أو ظرفية، بل تتطلب إعادة تأسيس شاملة للعلاقة بين المدنيين والعسكريين، تقوم على وضوح الأدوار، وخضوع المؤسسة العسكرية لسلطة مدنية شرعية، وترسيخ ثقافة مهنية داخل القوات المسلحة نفسها.
تُظهر التجربة التاريخية أن غياب تعريف واضح ومتفق عليه لدور القوات المسلحة داخل النظام السياسي أدى إلى تموضعها كفاعل سياسي، لا كأداة تنفيذية للدولة. وهذا الخلل البنيوي هو ذاته الذي سمح بتجاوزات جسيمة، حيث مارست المؤسسة العسكرية سلطات فعلية دون مساءلة، وبالتالي، فإن أي حديث عن دمج قوى مسلحة جديدة في الجيش دون معالجة هذا الأصل، يعني عملياً توسيع دائرة المشكلة لا حلّها. فبدلاً من بناء جيش مهني موحّد بعقيدة وطنية، يجري الاتجاه نحو استيعاب قوى متعددة الولاءات سوى كانت قبلية او جهوية او أيديولوجية داخل مؤسسة الجيش، بما يعيد إنتاج المعضلة التاريخية؛ هل الجيش في السودان مؤسسة للدولة أم تحالف قوى مسلحة داخل الدولة؟ إن الدمج، في غياب إصلاح جذري للعلاقات المدنية–العسكرية، قد يحوّل الجيش إلى مظلة رسمية لتوازنات القوة القائمة في ساحة الحرب.
إن الربط بين الدعوة الحالية والسرد التاريخي يكشف مفارقة جوهرية مفادها ان السودان فشل في إخضاع الجيش للسلطة المدنية (النموذج الأول)، وفي إلغاء دور الجيش (النموذج الثاني)، وفي بناء شراكة مستقرة (النموذج الثالث)، ونشأ وضع هجين غير مستقر تتداخل فيه الأدوار دون قواعد واضحة. وعليه، فإن أي دمج جديد يتم داخل هذا الإطار سيظل محكوماً بالاختلال ذاته، وسيكون حلقة في سلسلة تاريخية من إدارة غير محسومة للعلاقة بين المدنيين والعسكريين.
تكمن خطوة دمج القوات المشتركة ودرع السودان والبراء بن مالك وغيرها من القوات المقاتلة بجانب القوات المسلحة في أنها استجابة تكتيكية لضغوط خارجية متزايدة مرتبطة بملفات الإرهاب، ووقف الحرب، أكثر من كونها جزءاً من رؤية متماسكة لإصلاح أمني وعسكري شامل. فغياب الإطار المؤسسي الواضح، وانعدام الخطوات التمهيدية المعروفة في الإصلاح مثل تحديد العقيدة العسكرية، وإعادة هيكلة القيادة، ووضع آليات المساءلة كلها مؤشرات على أن الطرح يُستخدم لطمأنة الفاعلين الدوليين وإظهار قدر من الانضباط الشكلي، دون معالجة جذور الأزمة البنيوية وظاهرة تعدد الجيوش.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال فشل الدمج وفق نص اتفاق جوبا، وكذلك عدم الالتزام بوثيقة أسس ومبادئ الإصلاح الأمني والعسكري ضمن الاتفاق الإطاري، ما أدى إلى بقاء كل التشكيلات شبه العسكرية خارج إطار الدولة، واستمرار ازدواجية الولاءات، وتعطيل أي عملية حقيقية لإعادة بناء جيش وطني متماسك، وهو ما أسهم في اندلاع الحرب التي ما تزال نيرانها تحرق البلاد.
وتثير هذه الدعوة سؤالاً محورياً لا يمكن القفز فوقه؛ أين موقع قوات الدعم السريع من هذا الطرح؟ فالتعامل مع ملف دمج تشكيلات مسلحة وتجاهل أو تهميش القوة العسكرية الأكبر والأكثر تأثيراً في الحرب، يكشف انتقائية واضحة تقوّض مصداقية الدعوة من أساسها. إذ لا يمكن الحديث عن إعادة بناء القوات المسلحة أو إحتكارها للسلاح في الدولة دون معالجة وضع هذه القوات تحديداً، سواء عبر تفكيكها أو دمجها وفق ترتيبات شاملة ومتفق عليها. إن تجاوز هذه الحقيقة يعكس قصوراً في التصور ويشير إلى أن الخطاب موجّه لإعادة ترتيب موازين قوى جزئية، لا لإعادة بناء جيش وطني موحّد ينهي ظاهرة تعدد الجيوش.
ومن المعلوم بالضرورة أن عملية الدمج لا تنفصل عن عمليتي نزع السلاح والتسريح، وفق أسس صارمة ومترابطة: أولها، أساس دستوري وقانوني يحدد بوضوح خضوع المؤسسة العسكرية لسلطة مدنية، ويعرّف عقيدتها ووظيفتها؛ وثانيها، أساس مهني–عسكري يقوم على معايير موحدة للقبول والترقي والانضباط، مع إخضاع جميع الأفراد لعمليات تدقيق تستبعد المتورطين في انتهاكات جسيمة؛ وثالثها، إطار إصلاح أمني شامل يتكامل مع برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج؛ ورابعها، مبدأ الحياد المؤسسي الذي يمنع إدخال الولاءات الحزبية أو الأيديولوجية أو الجهوية داخل بنية الجيش؛ وخامسها، ضمان المساءلة والعدالة الانتقالية كشرط لبناء الثقة المجتمعية؛ وأخيراً، ربط العملية برؤية اقتصادية واجتماعية تقلل الاعتماد على المؤسسة العسكرية كأداة توظيف، عبر توفير بدائل مدنية حقيقية للمقاتلين المسرّحين، وربط العملية بإستراتيجية تنموية تعالج جذور النزاعات. وبدون هذه المرتكزات، سيظل الحديث عن الدمج مجرد خطاب تعبوي للاستهلاك السياسي، يعيد إنتاج بنية العسكرة بدل تفكيكها، ويؤجل الانفجار بدلاً من منعه.
ختاماً، فإن مثل هذه الدعاوى لا تنطلي على الشعب السوداني، الذي يعي جيداً أن ما يُطرح ليس مشروعاً إصلاحياً حقيقياً، وإنما دعوة حقٍ أُريد بها باطل، تهدف إلى الهروب من استحقاقات السلام، وتجاوز الالتزامات المتعلقة بإنهاء الحرب ومحاسبة المتورطين. فهي محاولة لفرض واقع جديد يخدم مصالح ضيقة على حساب مصلحة الدولة والشعب، ويكافئ أطراف النزاع بدلاً من إخضاعها للمساءلة، بينما تستمر معاناة السودانيين اليومية بسبب العسكرة والفوضى الأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*