لماذا كان التوجه إلى القيادة العامة للجيش في ٦ أبريل؟
يصادف اليوم السادس من أبريل الذكرى السنوية السابعة ليومٍ مشهودٍ ومفصلي من أيام ثورة ديسمبر المجيدة، مثلما كان في ١٩٨٥ يوماً تاريخياً أسقط فيه الشعب السوداني دكتاتورية جعفر نميري.
في ٦ أبريل توّجت ديسمبر مواكبها المهيبة بمليونية عظيمة اختُتمت بالإعلان عن اعتصام أمام القيادة العامة للجيش في الخرطوم، وكذلك في أكبر مدن السودان كانت هناك اعتصامات أمام المقار القيادية للجيش ترفع المطلب الثوري: إسقاط النظام!
أصدرت تلك الحشود الجماهيرية -التي كانت “كتلة حرجة بمعنى الكلمة”- حكمها على النظام بعبارة بسيطة “تسقط بس”، وكان ذلك مؤشراً لأن الشعب السوداني قال كلمته ضد نظام حكم ما يسمى بالحركة الإسلامية في السودان الذي بدأ في ٣٠ يونيو ١٩٨٩!
لماذا كان التوجه إلى القيادة العامة للجيش؟ وهل كان ذلك خطأً استراتيجياً؟
من وجهة نظري، كان الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش هو الخيار العملي الوحيد المتاح أمام ثورة سلمية تهدف لاقتلاع دكتاتور عسكري يقتل الشعب وظهره مسنود إلى المؤسسة العسكرية. كانت الفكرة مطالبة الجيش بأن يكون في تلك اللحظة الثورية ذراعاً للشعب ينفذ إرادته باقتلاع البشير ونظامه من السلطة لإعادتها إلى الشعب، كما حدث في أكتوبر ١٩٦٤ وفي أبريل الأولى ١٩٨٥، إذ سلّم الجيش السلطة لحكومة انتقالية سلّمت السلطة لحكومة منتخبة. فقد كانت هذه حدود الخبرة السياسية السودانية: تفويض الجيش لتنفيذ إرادة “الكتلة الحرجة” بإسقاط الدكتاتورية، لا تفويضه ليحكم عبر دكتاتورية عسكرية بديلة!
بعد ثورتي أكتوبر ١٩٦٤ وأبريل ١٩٨٥ عاد العسكر للثكنات، وكانت عودتهم مجرد “استراحة انقلابية”، إذ أعقبت كل انتفاضة شعبية دكتاتورية عسكرية أشد وطأة وأطول عمراً.
ماذا فعلت ثورة ديسمبر أو من تصدّى لقيادتها حتى لا يكون مصيرها كمصير أكتوبر وأبريل؟
هذا السؤال هو مدخل لتشريح سياسي دقيق لأداء كل الفاعلين الثوريين بصورة نقدية، ولتشريح أزمة المؤسسة الأمنية والعسكرية التي لم تلتقط إشارة التاريخ وتدرك أن هناك حزمة من المتغيرات العميقة التي تجعل نجاح حكم عسكري في السودان في حكم المستحيل.
ونحن نستعيد ذكرى تدشين الاعتصام المجيد في ٦ أبريل ٢٠١٩، بعد كل هذه السنوات وما فيها من أحداث دراماتيكية، نحتاج لعقل نقدي لتقييم تلك المرحلة المفصلية في تاريخنا المعاصر؛ عقل متأنٍ يقرأ الأحداث في سياقها الموضوعي بهدف استكشاف طريق المستقبل على ضوء خلاصة التجربة. نحتاج إلى عقل محصّن ضد الثورة المضادة وسردياتها في تزوير التاريخ، والقفز بخفة لإصدار أحكام التجريم والتخوين الجماعي لجزء مهم من قوى الثورة في سوق المزايدات السياسية الرعناء تحت لافتات “شراكة الدم” و”بي كم بي كم قحاتة باعوا الدم”.
العلاقة مع العسكر منذ ٦ أبريل موضوع شائك ومعقد فرضته إكراهات الواقع ومعادلة توازن القوى وحدود ما هو ممكن لثورة سلمية.
عندما اعتصم الثوار أمام القيادة العامة لم يكن الجيش حينها بريئاً من سفك الدماء طيلة تاريخنا المعاصر، ولكن كان الاعتصام أمام قيادته محاولة لفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد تغسل الدماء عبر إقامة نظام ديمقراطي يحقق العدالة وسيادة حكم القانون، عبر إصلاحات جوهرية في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والعدلية.
الاعتصام منح الجيش الفرصة الأولى ليكون طرفاً متعاوناً في فتح الطريق إلى الأمام.
الشراكة المدنية العسكرية في الفترة الانتقالية منحت المكون العسكري (الجيش والدعم السريع) الفرصة الثانية ليكون طرفاً متعاوناً في فتح الطريق إلى الأمام.
ماذا فعل العسكر؟
خانوا العهد في المرتين: مرة بجريمة فض الاعتصام، ومرة بالانقلاب على الحكومة الانتقالية، وفي المرة الثالثة بإشعال الحرب!
وفي كل خيانة كان يقف خلف العسكر ويحركهم من وراء الكواليس نظام الكيزان، الذي سقط رأس واحد فقط من رؤوسه هو عمر البشير، وبقيت له رؤوس أخرى كامنة في مفاصل الدولة الأمنية والعسكرية.
إزاء هذا الواقع المعقد، هل تنشغل قوى الثورة بتخوين بعضها البعض وتنقسم على نفسها، أم أن واجبها هو تفهم التعقيدات والإكراهات وتوحيد الصفوف لمواجهتها؟ فالتحدي كان كبيراً وصعباً حتى لو توحدنا، ناهيك عن أن نكون متفرقين!
كانت “أيام الاعتصام” التي بدأت في ٦ أبريل ٢٠١٩ ملحمة شعبية خالدة في ذاكرة الشعب، وكانت جريمة “فض الاعتصام” في ٣ يونيو ٢٠١٩ أول محاولة انقلابية على ثورة ديسمبر المجيدة. ورغم الجرح العميق لتلك الجريمة، فإنها أثبتت تفرد ديسمبر الذي جعلها عصية على القمع؛ مثلما امتلأت الشوارع في ٦ أبريل، امتلأت في مليونية ٣٠ يونيو ٢٠١٩ المهيبة التي قالت بوضوح: الردة مستحيلة!!
أثبتت الثورة في كل منعطف أنها لن تتراجع، وأنها مثلت نقطة تحول تاريخي وحالة قطيعة مع الخيارات الانقلابية، ولهذا السبب أطلقت الثورة المضادة آخر طلقة متبقية في صندوق ذخيرتها ممثلة في حرب ١٥ أبريل الإجرامية.
نعم، كانت الحرب رصاصة غادرة في جسد الثورة أرادت قتلها، ولكن هيهات أن تموت أو تسقط راية حرية سلام وعدالة.


