هل يضيف اجتماع نيروبي جديدًا أم هو سيرٌ على ذات نهج الفشل والضياع؟

هل يضيف اجتماع نيروبي جديدًا أم هو سيرٌ على ذات نهج الفشل والضياع؟
  • 23 مايو 2026
  • لا توجد تعليقات

عبدالله الصادق الماحي

ما تزال القوى السياسية السودانية خاصة التي مازالت في صمود، أسيرة الأحلام القديمة، تدور في ذات الحلقة المفرغة دون مراجعة حقيقية لتجاربها أو قراءة جادة للتحولات العميقة التي أصابت الواقع الوطني. وما تزال تفضّل صناعة الشعارات على صناعة الفعل، وماتزال تراهن على كتابة الخطابات أكثر من رهانها على بناء مشروع سياسي قادر على مخاطبة اشواق السودانيين وتلبية متغيرات الواقع الوطني الجديدة وماتزال غير قادرة علي حشد القوى التي انجزت الثورة.

اجتماع “صمود واخرين” في نيروبي، الذي أُطلق عليه“اجتماع المبادئ السودانية لبناء وطن جديد” بدا منذ جلسته الافتتاحية وكأنه يعكس أزمة التحالفات السياسية أكثر مما يقدم حلولًا لها. فمن مظاهر الارتباك والانقسام الواضحة أن يخاطب الجلسة رئيس التحالف، ثم يتوالى بعده أعضاء من ذات التحالف بخطابات تبدو وكأنها موازية أو مصححة أو حتى معارضة لخطابه. هذا الأمر يكشف غياب الانسجام الداخلي، ويطرح سؤالًا مشروعًا: هل يثق هؤلاء أصلًا في التحالفات ويعترفون بمرجعيتها السياسية والتنظيمية؟

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في الاجتماع عودة علي السنهوري مجددا إلى واجهة المشهد، وهو المسؤول الأكبر عن إخفاقات المرحلة الانتقالية الأولى. فالرجل، رغم محدودية تأثيره الجماهيري، ما يزال يصر على لعب دور “الأستاذ” الذي يخاطب الجميع من أعلى، مواصلًا ذات الخطاب النخبوي الذي أسهم في تعميق الهوة بين قوى التغيير والشارع السوداني. والمفارقة أن قيادات التحالف نفسها التي عجزت عن ضبط مشهد الثورة وعن توظيفه وانحاز وحدة سياسية حقيقية داخليه، مازالت تتسنم ذات المشهد الجديد كأكبر مظهر لنسف اي امل في قيام تحالف مختلف.

غير أن القضية الأهم، بالنسبة لقواعد حزب الأمة القومي وكوادره، تتمثل في اصرار ممثليه على الاستمرار على ذات الهوان، داخل تحالف مازال يعيش الضعف والتشتت. فالحزب، بما يمتلكه من تاريخ سياسي طويل، وقاعدة جماهيرية واسعة، وتجربة ممتدة في الحياة الوطنية السودانية، قد ذُوِّب تماما داخل كيان لا تملك كل مكوناته مجتمعة عشر اعشار الثقل الجماهيري والحضور الشعبي لحزب الأمة القومي وهنا يبرز تساؤل مشروع: لماذا يظل ممثلي حزب الأمة القومي الذين قبلوا التحرك سياسيًا خلف مجموعات وأسماء محدودة التأثير ضيعت الانتقال ولم يتجاوز حضورها حدود النخب والارتباطات الخارجية. لماذا يصر ذات الاشخاص الذاعنين علي تمثيل الحزب؟ ولماذا يصرون علي تكرار ذات تجربة قحت وتقدم وصمود التي منحتها لهم الثورة ومازالوا لا يملكون وعيا ولا خيالا ولا قدرة علي صناعة اي تحالف غيرها ذي جدوى!!!

إن الأزمة الحقيقية في تحالف “صمود” ليست فقط في ضعف أدواته السياسية، بل في عجزه عن إدراك أن السودان قد تغيّر. ولم يعد مشهد الثورة هو ذات المشهد ولم تعد المعادلات القديمة ذاتها قائمة، والشارع السوداني، بعد الذي تعرض له في تجربة الحرب، لم يعد يمنح الشرعية لمجرد الشعارات أو الادعاءات الثورية خاصة لمن ضيعوا ثورته. ان الواقع الجديد يفرض على جميع القوى الوطنية مراجعات عميقة، وبناء مشاريع وطنية تستند إلى هموم الجماهير، مشاريع قادرة على التأثير في الأحداث، لا  مجرد اجتماعات مغلقة وبيانات متكررة.

وما لم تدرك هذه القوى وقياداتها المعزولة وزنها السياسي وحجم التحديات الوطنية المتعاظمة، وتقبل ان تتراجع كل الاسماء خطوة ليتقدم اخرين، فإن اجتماعاتها ستظل مجرد محاولات للبقاء في دائرة الضوء، دون تأثير حقيقي في مسار الأزمة الوطنية المتعاظمة. ويبقى التحدي واهم الاهداف الوطنية الأكثر إلحاحاً الان، هي اعتراف صمود بالفشل ثم التوافق علي كتابة رؤية منفتحة مؤهلة لتوحيد الارادة الوطنية السياسية الديمقراطية في مواجهة التحديات الوطنية المتعاظمة وتقديم وجوه جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*