المقاربة السعودية في مواجهة مأزق السودان
لا شكَّ أنَّ أزمةَ الشرعيةِ وتعقيدَ المشهدِ السودانيِّ الداخليِّ فرضت على المملكةِ العربيةِ السعوديةِ التعاملَ مع أزمةِ الحربِ من خلال إعدادِ خطةٍ استراتيجيةٍ وواقعيةٍ لمتابعةِ إدارةِ الأزمة، لإدراكِها أنَّها ليست مجردَ صراعٍ عسكريٍّ بين طرفين، لكنَّها أزمةٌ شائكةٌ متعددةُ الأبعادِ والتداخلاتِ فرضها الواقع. ذلك أنَّ الجيشَ السودانيَّ، رغم أنَّه متمسكٌ بشرعيةِ الدولة، إلَّا أنَّه يواجه تحدياتٍ كبيرةً على الأرض في ظلِّ إصرارِ معارضيه على الطعنِ في شرعيتِه منذ أكتوبر 2021م، باعتبارِ أنَّه انقلب على الحكومةِ المدنية.
أمَّا قواتُ الدعمِ السريع، التي كانت تُشكِّل جزءًا من القواتِ المسلحة، فقد تمَّ تصنيفُها كقوةٍ متمردةٍ خارجةٍ على شرعيةِ الدولة، في ذاتِ الوقتِ الذي تُمثِّل فيه قوةَ أمرِ واقعٍ تحاربُ في أرضِ المعركة. أمَّا القوى المدنيةُ التي كان يُعوَّل عليها أن تقومَ بقيادةِ العملِ السياسيِّ الرشيدِ والمساهمةِ في الحل، فقد شكَّلت جزءًا أساسيًّا من المشكلة، لتخلقَ وضعًا أكثرَ تعقيدًا نتيجةَ ما تعانيه من انقساماتٍ داخلية، وضعفٍ في الرؤية، وتضاربٍ في المصالح، وتوزعِ أطرافِها في الاصطفافِ بين القواتِ المسلحةِ والدعمِ السريع.
في ظلِّ هذه الاعتبارات، تبلورَ الموقفُ السعوديُّ في التعاملِ مع الأزمةِ من خلال سياستِها الحكيمة، وهي تجتهدُ لحلِّ الأزمةِ عبر مجموعةٍ من المحدداتِ والمواقفِ شكَّلت مزيجًا من الاعتباراتِ الاستراتيجيةِ والقانونيةِ والسياسية، يمكن تلخيصُها في الآتي:
أولًا: تضعُ السعوديةُ العمليةَ الإنسانيةَ وإنهاءَ الحربِ في مقدمةِ أولوياتِها، بوصفها المدخلَ الأساسيَّ لعودةِ الحياةِ الطبيعيةِ وتحقيقِ السلامِ والاستقرارِ في السودان، وعلى مستوى الإقليم. وتنظرُ إلى استمرارِ القتالِ على أنَّه تهديد مباشر لوحدةِ الدولةِ وأمنِ الإقليمِ بكاملِه.
ثانيًا: ضرورةُ الحفاظِ على مؤسساتِ الدولةِ السودانية، إذ تركزُ المقاربةُ السعوديةُ على حمايةِ مؤسساتِ الدولةِ السودانية، وفي مقدمتِها القواتُ المسلحة، من الانهيار، وتؤكدُ في ذاتِ الوقتِ على عدمِ المساواةِ بينها وبين قواتِ الدعمِ السريعِ كقوةٍ موازية.
ثالثًا: تؤكدُ السعوديةُ حرصِها على وحدةِ السودان، وترفضُ أيَّ عملٍ يمكن أن يؤدِّي إلى تقسيمِ البلاد. ومن هذا المنطلق أكدت رفضَها لتشكيلِ تأسيسٍ كحكومةٍ موازيةٍ قد تقودُ للانقسام، وهي تستحضرُ السيناريوهاتِ المشابهةَ نتيجةَ ما حدث من انفصالِ جنوبِ السودان، وما يمكن أن يقودَ إلى تكرارِ سيناريو الصومال أو ليبيا، وما نتج عنها من مهدداتٍ وتداعياتٍ طويلةِ الأمد على وحدةِ البلادِ والمنطقةِ بأسرِها.
رابعًا: ضرورةُ وقفِ تدفقِ السلاحِ إلى السودان لتجفيفِ منابعِ الحرب، بوصفه عاملًا رئيسًا في استمرارِ العملياتِ العسكريةِ وإطالةِ أمدِ الصراع.
خامسًا: تعتمدُ السعوديةُ على نهجِ العملِ الجماعيِّ والعملِ في إطارِ الشراكاتِ الدولية، بالتنسيقِ مع الولاياتِ المتحدةِ والرباعيةِ الدولية، في محاولةٍ لبلورةِ مسارٍ سياسيٍّ متكامل، رغم التعقيداتِ التي تواجهُ هذا المسار، مستصحبةً تجربتَها في منبرِ جدة ووقوفَها على ما حدث من تراجعٍ من جهاتٍ بعينِها أبدت شكلًا من القبولِ لشروطِ المبادرةِ ثم تراجعت عنها، ممَّا أضعف ثقتَها تجاه تلك الجهات، وهو ما يفرضُ مقاربةً أكثرَ حذرًا في إدارةِ التفاوض.
سادسًا: تؤكدُ المقاربةُ السعوديةُ أنَّ السودانيين هم من يقررون مستقبلَهم، وأنَّ الحلَّ المستدامَ يجب أن يكون نابعًا من توافقٍ داخلي، على أن يقتصرَ دورُ الأطرافِ الخارجيةِ على القيامِ بدورِ المسهِّلين والداعمين في البحثِ عن الحلول.
ومن القراءةِ الواقعيةِ للأوضاع، يتضحُ أنَّ التحديَ والعقبةَ الأكبرَ أمام الوصولِ إلى حلولٍ هو تباينُ مواقفِ المكوناتِ السودانيةِ وفشلُهم في الاتفاقِ على الحدِّ الأدنى الذي يقودُ إلى محطةِ الحوارِ السودانيِّ – السوداني، عبر تشكيلِ جبهةٍ وطنيةٍ سودانيةٍ متحدةٍ للسلامِ والتنميةِ تتجاوزُ الانقساماتِ السياسيةَ الداخليةَ العميقةَ التي ضربت جميعَ المكوناتِ السياسيةِ والمدنية، إضافةً إلى انعدامِ الثقةِ والاتهاماتِ المتبادلةِ بين مختلفِ المكونات. كما يشكِّل التنوعُ الاجتماعيُّ والثقافيُّ المعقد، وما نتج عنه من اصطفافاتٍ قبليةٍ فرضتها ظروفُ الحرب، عقبةً كأداءَ في الطريقِ نحو الحل.
إِنَّ الأزمةَ السودانيةَ لم تعد ترتكزُ على غيابِ الحلول، بل في “انفصامِ القولِ عن الفعل” الذي صار سمةَ السياسةِ السودانية، فالكلُّ وللأسف يقولُ ما لا يفعل، متناسين قولَ اللهِ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}. هذا التناقضُ بين الأقوالِ والأفعالِ لا يقتصرُ على التحالفاتِ المتصارعةِ فقط، بل تسللَ إلى داخلِ كلِّ المكوناتِ السياسيةِ والمدنية، لذا فإِنَّ متابعةَ مصادرِ أصحابِ المبادراتِ تؤكدُ وصولَ رسائلَ متناقضةٍ حول “منظورِ الحل”، كلها من جهاتٍ وأفرادٍ يُفترضُ أنَّهم يمثلون جسدًا واحدًا ويتحدثون اللغةَ ذاتها، ولكن تتعددُ الألسنُ وفق اختلافِ الأجنداتِ التي تشكلُ حزمةً من التناقضاتِ بعيدًا عن الأجندةِ الوطنية، وهو الأمرُ الذي وجد للأسف من يستثمرُه في الإقليمِ من خلال فتحِ أبوابِه لسماعِ كلِّ طارقٍ ودعمِ ومساندةِ كلِّ مخرب، ويتسعُ الخرقُ على الرتق.
تجاربُ الأممِ تؤكدُ أنَّ الحلولَ المستوردةَ لا تصنعُ سلامًا، وأنَّ الطريقَ إلى الاستقرارِ الحقيقيِّ لا يُفتحُ إلَّا عبر توافقٍ وطنيٍّ جامع، وهي الحقيقةُ التي ينبغي أن يدركَها السودانيون اليوم قبل الغد، حتى لا نكونَ بأفعالِنا وتنازعِنا من اخترنا إغراقَ السفينة.


