حين تتحول الثورة إلى سلطة

حين تتحول الثورة إلى سلطة
  • 23 مايو 2026
  • لا توجد تعليقات

الطيب حاج مكي

كلما تتأمل في رواية  مزرعة الحيوان لجورج أوريل تمسك بعبقرية مدهشة حازها هذا الرجل. اذ قرأ جورج كف السلوك البشري وادرك وجود فايرس الشموليه والدكتاتورية في دماغ الإنسان.  ولهذا تُعد رواية مزرعة الحيوان واحدة من أكثر الأعمال الأدبية إثارة وقدرةً على كشف التحولات التي تصيب قادة الثورات حين تنتقل الثورة من الحلم إلى السلطة. فالرواية، رغم بساطة رموزها وحكايتها، تحمل رؤية عميقة لطبيعة الإنسان حين يمتلك القوة، وكيف يمكن للشعارات النبيلة أن تتحول تدريجياً إلى أدوات للهيمنة والقمع.
تحكي الرواية أن الحيوانات قامت بثورة على صاحب المزرعة وطردته، بعدما عانت طويلاً من الظلم والاستغلال.كانت الثورة في بدايتها تحمل وعوداً براقة تبشر بالعدالة والمساواة والحرية، ورفعت الشعارات التي تؤكد أن جميع الحيوانات متساوية، وأن عهد الاستبداد قد انتهى إلى الأبد. تماما كما حلمنا في ثورة ديسمبر. غير أن هذه الأحلام لم تلبث أن تحولت إلى كوابيس وبدأت بالتآكل شيئاً فشيئاً، حين اقتربت مجموعة الخنازير من السلطة،مستفيدة من دهائها وقدرتها على التحكم في الآخرين.
ومع مرور الوقت، لم تعد المساواة مبدأً ثابتاً، بل أصبحت مفهوماً قابلاً للتأويل بحسب مصلحة الحاكم الجديد. ظهرت الفكرة الخطيرة التي تقول إن بعض الحيوانات تستحق “عدالة أكثر” من غيرها، وأن القيادة تملك امتيازات خاصة لأنها الأقدر على حماية الثورة. وهنا تبدأ الشعارات البراقة بالذبول، لتحل محلها مفاهيم مقلوبة؛ فالحرية تصبح مقبولة فقط خارج السلطة، أما عندما يصبح الثائر حاكماً فإنه يبدأ في تبرير القمع بحجة الضرورات الوطنية، وحماية البلاد، والحفاظ على الاستقرار.

ثم يجد الثوار ما قال نزار قباني ماثلاً :
لم يدخل العدوّ من حدودنا ..
بل تسرّب مثل النّمل من عيوبنا ·

وتكشف الرواية أن الثورة لا تسقط دائماً بسبب أعدائها، بل أحياناً بسبب الذين يتحدثون باسمها. فالحاكم الجديد قد يستخدم اللغة ذاتها التي استخدمها الطغاة السابقون، لكنه يغلفها هذه المرة بشعارات التحرر والعدالة. وهكذا يتحول الاستبداد من صورة واضحة إلى صورة أكثر خداعاً، لأن القمع يصبح مبرراً باسم المصلحة العامة، وتصبح الطاعة واجباً وطنياً لا يجوز الاعتراض عليه.
ومن أكثر الأفكار إيلاماً في الرواية أن الثورات قد تنتهي إلى إعادة إنتاج النظام الذي قامت ضده. فالخنازير التي قادت الثورة لم تكتفِ بالسيطرة على المزرعة، بل بدأت تدريجياً في تقليد البشر أنفسهم؛ في الملبس والسلوك واحتكار السلطة. وفي النهاية لم يعد بالإمكان التمييز بين الحاكم القديم والحاكم الجديد، وكأن التاريخ يعيد نفسه بوجوه مختلفة.
إن كثيراً من الثورات عبر التاريخ بدأت بحلم جماعي يسعى إلى كرامة الإنسان، لكنها مع الزمن تحولت إلى أنظمة شمولية جديدة. ففي اللحظة التي تُحتكر فيها الحقيقة باسم الثورة، ويُمنع النقد بحجة حماية الوطن، تنشأ طبقة جديدة ترى نفسها فوق الناس، وتمارس الظلم وهي تدّعي أنها تحمي العدالة. وهكذا يصبح الشعب الذي خرج من أجل الحرية أسيراً لسلطة أخرى، قد تكون أكثر قسوة لأنها ترتدي ثوب المبادئ.
ولعل ما حدث بعد الثورة السودانية 2018 وتحديداً بعد انقلاب اكتوبر ٢٠٢١ يقدم مثالاً معاصراً قريباً من الفكرة التي طرحها أوريل في روايته. فقد خرج السودانيون مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، حاملين أحلاماً كبيرة ببناء دولة مدنية وإنهاء عقود من القمع والاستبداد. غير أن المرحلة التي أعقبت الانقلاب على الثورة كشفت حجم التناقضات والصراعات التي يمكن أن تنشأ داخل القوى التي تتحدث باسم الثورة نفسها. فمع تصاعد الصراع على السلطة، بدأت تظهر ممارسات من الإقصاء والقمع وتبرير العنف تحت شعارات حماية الوطن أو حماية المرحلة الانتقالية. ثم جاءت الحرب لتضيف ” ضغثاً على إبالة ” ليتكرر المشهد الذي حذر منه أوريل؛ إذ تتحول الشعارات النبيلة إلى أدوات سياسية، ويصبح الدفاع عن “الثورة” ذريعة لإسكات الأصوات المختلفة أو تبرير التضييق على الناس وقمعهم وإسكات أصواتهم.

وتشير الرواية أيضاً إلى خطورة السيطرة على الوعي واللغة. فالخنازير لم تعتمد فقط على القوة، بل على إعادة صياغة الحقائق وتغيير الشعارات كلما احتاجت إلى ذلك. ومع الوقت، يفقد الناس قدرتهم على التمييز بين الحقيقة والكذب، لأن السلطة تكرر روايتها حتى تتحول إلى “حقيقة رسمية”. وهذه إحدى أخطر أدوات الأنظمة الشمولية؛ إذ لا تكتفي بالتحكم في الأجساد، بل تسعى للسيطرة على العقول والذاكرة.

في النهاية، لا تبدو مزرعة الحيوان مجرد حكاية رمزية عن حيوانات في مزرعة، بل تحذيراً دائماً من فساد السلطة حين تغيب الرقابة والوعي. فالثورات لا تنجح بمجرد إسقاط الحاكم، بل تحتاج إلى قيم ومؤسسات تمنع إنتاج الاستبداد من جديد. وإلا فإن الشعارات التي تبدأ بالحرية قد تنتهي إلى جملة ساخرة ومؤلمة: جميعنا متساوون، لكن بعضنا أكثر مساواة من الآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*