رحيل موسوعة تمشي على قدمين.. البروفيسور عزالدين عمر موسى

رحيل موسوعة تمشي على قدمين.. البروفيسور عزالدين عمر موسى
  • 22 يونيو 2026
  • لا توجد تعليقات

مشاهدات-عمر-المونة

أكرمني الله بمجالسة ومؤانسة واحد من كبار علماء السودان ومفكريه، وأن أتولى إدارة آخر ندوة وحوار له عن تاريخ الهجرات العربية إلى السودان، والتي أُقيمت بمدينة الرياض قبل سبع سنوات. ومنذ ذلك التاريخ ظللت حريصاً على زيارته وتفقد أحواله والاتصال به هاتفياً، حتى منحني لقب “الحوار”، وهو لقب أعتز به لأنه جاء من رجلٍ أفنى عمره في خدمة العلم والمعرفة.
كانت مكتبته العامرة بحي أم الحمام بالرياض وجهةً دائمة لي، فهي ليست مجرد رفوفٍ تعج بالكتب، بل عالم متكامل من المعرفة والتاريخ والوثائق النادرة. هناك كنت ألتقي بالبروفيسور عزالدين عمر موسى، فأشعر أنني أمام موسوعة حية تمشي على قدمين، جمعت بين سعة الاطلاع، وعمق البحث، وثراء التجربة، وحكمة العلماء.
كان الراحل واحداً من أبرز المؤرخين والباحثين السودانيين والعرب، وصاحب إسهامات علمية رائدة في مجالات التاريخ الإسلامي والتاريخ الاقتصادي والحضارة العربية والإسلامية. أثرى المكتبة العربية بعشرات المؤلفات والبحوث والدراسات التي أصبحت مراجع معتمدة للباحثين وطلاب العلم، وأسهم في توثيق جوانب مهمة من تاريخ الأمة وحضارتها.
ومن أبرز أعماله العلمية دراساته الرائدة في التاريخ الاقتصادي عند المسلمين، وأبحاثه المتخصصة في الحضارة الإسلامية والعلاقات الثقافية بين إفريقيا والعالم العربي، إضافة إلى عدد كبير من الكتب والدراسات التي شكلت إضافة نوعية للمكتبة العربية والإسلامية.
وتقديراً لعطائه العلمي المتميز، نال جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية عام 2003، وهي من أرفع الجوائز العلمية في العالم الإسلامي، كما حظي بالعديد من التكريمات والأوسمة تقديراً لإسهاماته الفكرية والأكاديمية، وتقلد مناصب علمية وثقافية مرموقة جعلت منه مرجعاً للباحثين والمؤرخين داخل السودان وخارجه.
لم يكن البروفيسور عزالدين عمر موسى عالماً فحسب، بل كان إنساناً نبيلاً ومعلماً وصاحب رسالة، فتح أبوابه للباحثين وطلاب العلم، ومنح وقته وجهده لكل من قصد المعرفة. كان يؤمن بأن العلم مسؤولية، وأن الباحث الحقيقي هو الذي يترك أثراً نافعاً يمتد بعد رحيله.
رحل اليوم عن دنيانا تاركاً إرثاً عظيماً من المعرفة والعلم، ومكتبة زاخرة بالمؤلفات، وأجيالاً من التلاميذ والباحثين الذين تتلمذوا على يديه ونهلوا من فكره. رحل الجسد، لكن بقي الأثر، وبقيت سيرته شاهدة على حياة كُرست للعلم والعطاء.
رحمك الله رحمة واسعة يا أبا الوليد، وغفر لك وأسكنك فسيح جناته، وجعل ما قدمته من علم وبحث ومعرفة في ميزان حسناتك. ستظل حاضراً في ذاكرة محبيك وتلاميذك، وستبقى مؤلفاتك وأبحاثك صدقة جارية ينتفع بها الناس جيلاً بعد جيل.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

التعليقات مغلقة.