بروف عزالدين.. رحيل الكبار
فُجعنا بالأمس بنبأ رحيل البروفيسور عزالدين عمر موسى أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، الأستاذ المربي، والعالم الجليل، والإنسان الذي اتسعت له القلوب قبل المجالس. رحل “البروف”، كما يحلو لنا أن نناديه؛ ، الأب الروحي للسودانيين في العاصمة السعودية الرياض، بعد أن نعاه الناعي من ولاية إنديانا الأمريكية التي اختارها مقامًا أخيرًا عقب الحرب التي عصفت بالسودان وبددت أحلام شيوخه وشبابه.
رحل القائد الملهم والرئيس الفخري لرابطة الصالحية ولرابطة مشجعي الهلال الذي كنا نفاخر به أينما حللنا، وهو الاسم الذي ارتبط في وجدان السودانيين بالعطاء والوفاء وخدمة الناس.
منذ أن وطئت أقدامنا أرض الرياض رفقة هلال السودان في أواخر العام 1995، كان البروف في مقدمة السودانيين الذين غمرونا بحفاوتهم وكرم استقبالهم. وبعد استقرارنا في هذه البلاد الطيبة المملكة العربية السعودية، نشأت بيننا وبينه علاقة راسخة امتدت لأكثر من ربع قرن، نهلنا خلالها من غزير علمه، ونبل فكره، ورجاحة عقله، وحسن تدبيره، ودماثة خلقه، وكثيف حكمته.
على مدى سنوات طويلة عرفناه ركازتنا في الملمات، وبشارتنا في المسرات، وسندنا في الشدائد، وحائط مبكانا في المصائب والنائبات.
كان أبو أيمن رجلًا موسوعيًا بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ فإن قصدت العلم وجدته أستاذًا جامعيًا بارعًا ومؤلفًا متميزًا ومفكرًا يشار إليه بالبنان، وإن ولجت صالونات الأدب وجدته متحدثًا شيقًا وقاصًا مبدعًا وشاعرًا متمكنًا. أما إذا شهدت المنابر والمسارح، فستجده خطيبًا مفوهًا يأسر الحضور ببلاغة حديثه وسعة معرفته، وبشاشة محياه، وطرفته الحاضرة، وذكائه المتقد، ودهائه الذي يحير مجادليه.
كانت دار “أخو النخيل” بيتًا لكل السودانيين؛ ملاذًا للمحتاجين، ومقصدًا للغريب، وملجأً للمكروبين. ومحطة للزعماء، وبرلمانًا للرؤساء، وصالونًا للأدباء، وملتقى للرياضيين، ومسرحًا للفنانين. فيها يجد الجائع طعامه، والعطشان ماءه، والحائر من يأخذ بيده إلى الطريق.
وعلى مدى عقود طويلة ظل البروف حلقة الوصل المضيئة بين الشعبين السوداني والسعودي، وصورة مشرقة للسودان وأهله. كان صاحب مبادرات لا تنقطع، وحلالًا للعقد، ووجهة لكل صاحب حاجة. كم من مريض وجد منه العون، وكم من طالب علم فتح له الأبواب، وكم من أسرة أعانها على لمّ شملها، وكم من سوداني قصد بابه فعاد وقد قُضيت حاجته.
وحتى بعد أن أبعدته الظروف عن الرياض، ظل قلبه معلقًا بها وبأهلها. كان يفرح كالأطفال حين نبعث إليه بصورة أو مقطع فيديو يحكي نشاط للصالحية، أو مناسبة لرابطة الهلال، أو فعالية للملتقى السوداني الذي بناه طوبة طوبة مع رفيق دربه الراحل عبدالمنعم عبدالعال، ومع ثلة من الرجال الأوفياء والمناضلين الأقوياء والوطنيين الأحرار.
تشرفنا بالعمل معه في العديد من اللجان والكيانات الاجتماعية والثقافية والرياضية؛ في الملتقى السوداني، ورابطة الصالحية، وجمعية الصحفيين، ورابطة الهلال. وكان كل يوم نقضيه معه مدرسة نتعلم فيها فنون التواصل، وإدارة الأزمات، وتنظيم الفعاليات، وكيف نحب السودان ونقدمه لبقية الشعوب.
الحديث عن أبي وليد يطول ويطول، لكنني أختم بآخر مكالمة هاتفية جمعتني به. يومها كان يناشد الراحل عبدالمنعم عمر مواصلة مسيرة العمل في قيادة الصالحية، وأذكر جيدًا كيف كانت كلماته تغرق في الدموع وهو يحدثنا عن أهمية وحدتنا وتماسكنا. وهو يمني النفس أن يكون بيننا، الشوق يمزق روحه والأسى يلجم لسانه كلما ذكر أحبابه الذين قضى معهم نصف عمره وأكثر.
جملة أخيرة:
رحم الله بروف عزالدين رحمة واسعة، بقدر ما أحب وطنه وأهله، وبقدر ما أعطى من وقته وجهده وعلمه للناس في السودان والمهاجر. رحم الله ابن شمبات البار، وعاشق توتي التي امتلأ بحبها حتى غازلته الحيتان في النيل.


