شكرا “بدين الهوى والهوية”
بدعوة كريمة من اتحاد ابناء جزيرة بدين بالمملكة العربية السعودية تشرفت أمس الخميس بحضور تدشين فيلم ” بدين .. الهوى والهوية” الذي انتجه امانة الاعلام والتوثيق بجائزة الشيخ عبد الرحيم محمد فضل حاكم، وقضينا امسية مختلفة كانت في غاية الروعة والجمال.
الاختلاف الاول في امسية امس اتت من كون انها المرة الاولى التي يتم دعوتي من قبل رابطة او اتحاد لحضور تدشين فيلم ، اذ انه باستمرار تكون الدعوات اما لحضور فعاليات تكريم واحتفال او برنامج رياضي اونفره ، لذلك كانت الدعوة مختلفة كون انها المرة الاولى وبالتاكيد جسم يقوده المتميز علاء الدين ستكون كل اعمالهم متميزة فلهم التحية والتقدير.
اما الاختلاف الثاني فهومن تميز الجائزة وفكرتها واداراتها، اذ تعودنا عادة ان الوفاء لمن يرحل من الاباء والامهات يكون في افضل الحالات بتشييد مسجد او زاوية او سبيل او مظلة توفر الظل للعابرين والمارة، لذلك كانت تجربة جديدة ان يكون الوفاء والتكريم للراحلين باطلاق جائزة علمية بدات بتكريم المتفوقين وظلت تتطور وتتوسع عاما بعد عام، وذلك كذلك امر طبيعي طالما ان المتميزان عمران وامين يقودان هذا المشروع وبالتاكيد بقية اخوانهم واخواتهم واعضاء مجلس الادارة ، فلهم جميعا ايضا التحية والشكر والتقدير.
اما الاختلاف الاخير والذي كان سببا في تميز الليلة هي جمعية “جاس” نفسها، لجنتها التنفيذية وعضويتها بقيادة الصديق عبدالله شمشان، فبالرغم من عدد الحضورالذي تجاوز المائتين وخمسون شخص الا ان الجمعية استضافتهم بكل رحابة صدر غطت على ضيق القاعة وفاض كرمهم وحسن ضيافتهم وقبل ذلك ابتسامتهم المرحبة وغمرت الجميع.
اما الفيلم الوثائقي فقد أكد بأن امانة الاعلام والتوثيق في الجائزة وصلت مرحلة الاحتراف في انتاج الافلام الوثائقية، والمتابع الحصيف لسلسة الافلام الذي انتجتها الامانة سيكتشف ان هنالك تطور كبير بل هائل في الانتاج، وبقية عناصره من حيث القصة والسيناريو والتصوير والتعليق والاخراج، فقد ابان وثائقي “بدين الهوى والهوية” عن امكانات ضخمة وتفجر موهبة كبيرة في مجال الاعداد للاصدقاء عمران عبد الرحيم ومحمد ابراهيم سيداحمد، ذلك ان القدرة على رؤية الصورة الابداعية في قصة متداولة منذ عشرات السنوات امر يعبر عن موهبة كبيرة في الاعداد والشوف بشكل مختلف عن الاخرين. القصة التي تحكي هجرة احدهم لسنوات في بلاد بعيدة وتنقطع اخباره ثم يعود هو وابناءه او يعود ابناءه لوحدهم بعد ان يغادر الحياة بحثا عن اهاليهم اوتنفيذا لوصية والدهم ، قصة متكررة في المجتمع النوبي الذي امتهن الهجرة منذ ازمان بعيدة، لكن ان يتم صناعة فيلم وثائقي مكتمل الاركان والعناصر هو التميز والابداع وذلك ما صاحب اعداد وانتاج هذا الفيلم.
من اكثر ما شدني في هذا الفيلم، الموهبة والابداع الكبيرين اللذان ظهرا في التصوير وحركة الكاميراواللقطات التي تم اخذها من زوايا تعبران تماما عن الموقف والمشهد والحوار علماً بان الصور والمقاطع اعتمدت بشكل عام علي الصور والمناظر الطبيعية والواقعية، والتي ابرزت الجمال والطبيعة الاسرة لجزيرة بدين، بعيداً عن المشاهد التمثيلية والصور المركبة، ما يعتبر نقلة في جانب تصوير الافلام الوثائقية التي في الغالب تعتمد علي الكثير من المشاهد التمثيلية والمحاكاة، خصوصا عند عرض مشاهد من فترات زمنية قديمة، كما ابان الامكانات الطبيعية والجمالية الهائلة التي تزخر بها المنطقة بشكل عام وجزيرة بدين علي وجه الخصوص. حتى في المشاهد التي عرضت حقب زمنية وتاريخية غابرة تمكن المبدع محمد نور صالح الذي اشرف على المونتاج والجرافيك من توفير مقاطع فيديو حقيقية للساقية و”النورج” وشوارع الاسكندرية في نفس الفترة الزمنية وبعض المشاهد لمدينة وميناء ليفربول الذي كان يعتبر من اكبر المواني البحرية والمراكز التجارية لبريطانيا.
اعتمد الفيلم ايضا على اللغة الدارجة في الحوار، والذي ابدع الاستاذ محمد علي الشيخ في كتابة السيناريو والحوار، وتحدث المشاركون بشكل طبيعي دون تكلف ما منح الفليم قيمة اضافية في البعد عن التمثيل والتكلف وفي الوقت ذاته اتسمت لغة التعليق وكلماتها بالكتابة الادبية الاقرب للسردية وجاءة معبرة عن القصة وقيمتها الانسانية العالية، واضاف المعلق سعود مطلق الذيابي جمالا بصوته القوى ونطقة السليم للحروف لجمال الكلمات واللغة.
انتبه الفليم الى عرض جانب من حياة الابطال في جزيرة بدين وحياتهم الحالية في بريطانيا مستعرضا اثر الفترة الزمنية التي عاشوها في بدين على الاباء والابناء، وركز علي نجاحهم وتفوقهم الحالي في بريطانيا ما يعني ان تجربة حياتهم في بدين والفرق الحضاري الكبير بين بدين وليفربول لم تؤثر في امكاناتهم علي منافسة مجتمع متقدم بسنوات كبيرة بل مكنتهم من المنافسة والنجاح والاندماج. عظم الفيلم دور العم الذي احتصن ابناء اخيه وزوجته التي كانت لهم ام ثانية، وهنا ابرز الفيلم القيمة العالية للاسر الممتدة والترابط لاسرى، ويجيب بشكل عملي علي كثير من تساؤلات العصر، الناتجة من تفرق الاسر بسبب الهجرة الى كل دول العالم، فتجد الاخ يحمل الجنسية الاميركية والثاني الجنسية البريطانية والثالث السودانية ، يعيشون في بلدان مختلفة دون ان يلتقوا لعشرات السنوات، فكما كانت جزيرة بدين المكان الوحيد الذي جمع ال خيري فالوطن الام يظل باستمرار مستعدا لاستقبال الجميع بحفاوة اياً كانت جنسياتهم وطبيعة حياتهم.
حقيقي هنالك الكثير من الاشراقات في هذا الفيلم، ويمكن القول اجمالا انه تفوق على نفسه وعلي تجارب امانة الاعلام والتوثيق السابقة واظهر تطورا كبيرا في مسيرة الامانة في مجال انتاج الافلام الوثائقية. وقريبا سنتجاوز ازمة التوثيق التي صاحبت تاريخ السودان، اذا استمرت امانة الاعلام والتوثيق في انتاج الافلام الوثائقية.
اخيرا نكرر الشكر لاتحاد ابناء بدين بالسعودية ولجمعية”جاس” ولمجلس ادارة جائزة الشيخ عبد الرحيم محمد فضل حاكم.


