السبت - 16 صفر 1448 هـ , 01 أغسطس 2026 م

الحرب تتسبب في خسائر بقيمة 250 مليون دولار بقطاع الملاحة النهرية

بدين… الهوى والهوية.. تعدد التجارب ووحدة الأثر

بدين… الهوى والهوية.. تعدد التجارب ووحدة الأثر
المستشار البشرى عبدالحميد

تشرفت بتلبية الدعوة الكريمة من لجنة جائزة الشيخ عبد الرحيم فضل حاكم للإبداع والتميُّز لحضور تدشين الفيلم الوثائقي «بدين… الهوى والهوية.. حقيقة الوفاء وصدق الانتماء»، الذي أُقيم مساء الخميس بدار جمعية أبناء سقدان (جاس)، برعاية اتحاد أبناء بدين بالمملكة العربية السعودية.

منذ أن وقعت عيناي على عنوان الفيلم، عاد إليَّ خاطرٌ قديم راودني مرارًا أن أكتب يومًا عن تجربتي في بدين، وعن ذلك الأثر العميق الذي تركته الجزيرة في نفسي وأنا طفل. فقد بدا لي عنوان الفيلم كأنه يستدعي تلك الذكريات؛ لأنني كنت أؤمن بأنَّ الهوى ليس مجرد تعلق بالمكان، وإنما هو الأثر الذي يتركه الناس في أرواحنا، وأنَّ الهوية ليست اسمًا يُكتب في الوثائق، بل منظومة من القيم تصنع الإنسان وتلازمه أينما ارتحل.

ومع بداية الفيلم، ولم تمضِ سوى دقائق قليلة، أدركت أنَّ ما كنت أعدُّه خاطرة شخصية قد تحول على الشاشة إلى تجربة إنسانية نابضة بالحياة، تجسد قصة أسرة من بدين. كما بدا لي أن محتوى الفيلم يميِّز بين نوعين من التجارب الإنسانية؛ أولهما التجارب التي تنشأ عن تطبيق الأفكار التي يطرحها المفكرون والكتَّاب في مؤلفاتهم، فتغدو نماذج نظرية يهتدي بها الناس، وثانيهما التجارب التي يصنعها أصحابها من خلال ممارساتهم في واقع الحياة، فتتحوَّل إلى قيم يراها الناس في السلوك قبل أن يقرؤوها في الكتب. وهذا النوع الأخير هو الأبقى أثرًا، والأعمق رسوخًا.

لقد جسدت أسرة عمنا علي خيري بلال هذا المعنى الأخير بأبلغ صورة. فالرجل الذي غادر بدين في مقتبل عمره، واستقرَّ به المقام في مدينة ليفربول بالمملكة المتحدة، لم يحمل معه ذكريات المكان فحسب، بل حمل أيضًا منظومة القيم النوبية التي نشأ عليها. وحين اشتدَّ عليه المرض، لم تكن وصيته الأخيرة وصية توريث مال، وإنما كانت وصية انتماء؛ أن يعود أبناؤه إلى بدين ليعرفوا الأرض التي أنبتت أباهم، ويتعرفوا إلى المجتمع الذي صاغ شخصيته. كأنه أراد أن يقول إنَّ أعظم ما يمكن أن يورثه الإنسان لأبنائه ليس الثروة، وإنما الهوية.

وكان المشهد الأكثر تأثيرًا في الفيلم أن َّزوجته الإنجليزية احترمت وصيته بكل وفاء، فعاد الأبناء إلى مسقط رأس أبيهم، وتولى شقيقه أحمد خيري رعايتهم والإشراف على تنشئتهم، حتى أصبحوا جزءًا من المجتمع، واندمجوا فيه، وأتقنوا العربية والنوبية إلى جانب الإنجليزية، وحملوا في وجدانهم حبَّا صادقًا لأرض لم يكن لهم بها سابق صلة، لكنها عرفت كيف تحتضنهم عندما جاؤوا إليها أطفالًا صغارًا.

وأنا أتابع مشاهد الفيلم، لم أكن أشاهد قصة أسرة محمد خيري بلال وحدها، بل كنت أستعيد صفحة من طفولتي؛ فقد غادرت، وأنا في العاشرة من عمري، حضن أسرتي في قرية تبو ودبتود لألتحق بالسنة الرابعة الأولية في مدرسة بدين شمال الأولية.

وللوهلة الأولى، قد تبدو المقارنة بعيدة؛ فأطفال محمد خيري بلال قدموا من ليفربول إلى بيئة تختلف عنهم لغةً وثقافةً، بينما لم أغادر سوى قرية نوبية مجاورة. غير أنَّ جوهر التجربتين واحد؛ فقد غادر كل منا عالمه المألوف، في العمر نفسه، إلى مكان لم يألفه من قبل. وإذا كان اختلافهم في اللغة، فإنَّ غربتي كانت في اختلاف اللهجة النوبية التي أتحدثها عن لهجة أهل بدين. فالطفل لا يقيس الغربة بطول المسافات، بل بما يفقده من ألفة، وما يواجهه من مجهول. وفي الحالتين كان قلب صغير يبحث عن الطمأنينة، وهو لا يدري ما يخبئه له القدر.

لم تكن مدرسة بدين شمال الأولية مدرسة عادية في ذلك الزمان، بل كانت مؤسسة تربوية مرموقة. فكما ذكر الأستاذ جعفر عباس ابن بدين في مداخلته، كانت أشبه بما كانت تمثله كلية غردون في التعليم العالي. عُرفت بكفاءة معلميها، ونظامها الداخلي، وداخلياتها التي ضمَّت طلابًا من مختلف قرى المنطقة. وكان الوصول إليها إنجازًا في حد ذاته؛ إذ كان يتنافس مئات التلاميذ القادمين من المدارس الصغرى على عدد محدود من المقاعد، ثم يخوض طلابها بعد ذلك منافسة جديدة للالتحاق بالمدارس الوسطى. ولذلك لم تكن بدين تستقبل الطلاب لمجرد تعليمهم، بل كانت تستقطب نخبة التلاميذ، ثم تتولَّى صقلهم علمًا وتربيةً وسلوكًا.

ومع ذلك، لم يكن أكثر ما يميِّز تلك المدرسة مناهجها أو معلميها أو نظامها، على أهميتها جميعًا، وإنما ذلك المجتمع الذي يحيط بها. فمنذ الأيام الأولى لوصولنا تبدد شعور الغربة الذي حملناه معنا. كنا نظن أنَّ علاقتنا بالجزيرة ستقف عند حدود فصول الدراسة، فإذا بنا نجد أنفسنا في مجتمع فتح لنا أبوابه وقلوبه معًا. لم يكن المعلم يؤدِّي رسالة التعليم وحده، ولم تكن الأسرة تمارس واجب الضيافة فحسب، بل كانت الجزيرة كلها تشارك في تربية أبنائها والوافدين إليها على السواء.

وما زلت، بعد كل تلك السنين، أذكر معلميَّ بكل تقدير وعرفان، وأستحضر وجوه الأمهات اللاتي أحطننا بالرعاية، والآباء الذين عاملونا كأبنائهم، والقيادات المجتمعية التي كانت ترى في نجاح الطالب نجاحًا للمجتمع كله. عندها أدركت أنَّ التعليم لم يكن يبدأ من الفصل الدراسي وينتهي عند جرس الحصة، وإنما كان أسلوب حياة يتشارك الجميع في صناعته.

ولخبرتي بمجتمع جزيرة بدين، وأنا أشاهد أبناء علي خيري بلال واندماجهم في مجتمعها، لم أرَ في ذلك حدثًا استثنائيَّا فرضته ظروف الوصية، بل رأيته امتدادًا طبيعيًّا لما عرفته الجزيرة عبر تاريخها. فما حدث لهم هو ذاته ما حدث لنا، وإن اختلفت التفاصيل؛ ذلك أن بدين بأهلها لم تكن تسأل القادم: من أين أتيت؟ بل كانت تستقبله بلسان الحال قبل المقال: أنت واحد منا، فمرحبًا بك بين أهلك.

وهذا، في تقديري، هو المعنى الحقيقي للهوية؛ فالهوية ليست التغني بالماضي، ولا الانغلاق على الذات، ولا الاعتزاز بالأصل فحسب، وإنما القدرة على غرس القيم في النفوس حتى تصبح جزءًا من شخصية الإنسان، فيحملها معه حيثما ذهب، ويورثها لمن بعده.

ولعل أعظم ما نجح الفيلم في تقديمه أنَّه لم يكتفِ بسرد قصة مؤثرة، وإنما أعاد تعريف معنى الانتماء. فقد أثبت أنَّ الانتماء الحقيقي لا يُقاس بطول سنوات الإقامة، ولا بمكان الميلاد، وإنما بما يتركه المجتمع في نفوس أبنائه ومن عاش بينهم. فكم من إنسان وُلد في مكان ثم غادره فلم يبقَ بينهما سوى الاسم، وكم من آخر عاش في مكان سنوات معدودة، فظل يحمل أثره ما بقي من عمره.

ولهذا لم يكن فيلم «بدين… الهوى والهوية» مجرد توثيق لسيرة أسرة عمنا علي خيري بلال، بل كان شهادة على سيرة مجتمع بأكمله؛ مجتمع حافظ على هويته، وبنى علاقاته على المحبة والتكافل، وجعل من التعليم، وحسن الجوار، واحتضان الإنسان، قيمًا تُمارس قبل أن تُقال. ولعل هذا هو السر الذي جعل اسم بدين يرتبط في الذاكرة بالمكان والإنسان معًا.

فما بقي في الذاكرة لم يكن المباني، ولا النخيل، ولا ضفاف النيل وحدها، وإنما سماحة الناس، والأخلاق، وصدق العلاقات، وروح التكافل، والإحساس بأنَّ المجتمع كله شريك في تربية أبنائه، ومسؤول عن نجاحهم، وحريص على أن يغادروا وهم يحملون من أخلاقه بقدر ما يحملون من علمه.

ومن هنا تتجلَّى القيمة الحقيقية لجائزة الشيخ عبد الرحيم فضل حاكم للإبداع والتميُّز. فهي ليست جائزة لتكريم عمل إعلامي فحسب، وإنما مبادرة لحفظ الذاكرة الجمعية، وربط الأجيال الجديدة بجذورها، وتحويل التجارب الإنسانية الملهمة إلى رواية موثقة تستعصي على النسيان. فالأمم لا تُبنى بالمشروعات وحدها، وإنما تُبنى كذلك بحفظ رواياتها وقصصها الجميلة، والاحتفاء بالنماذج التي تجسِّد أفضل ما في الإنسان والمكان.

لقد أدرك القائمون على الجائزة أنَّ كثيرًا من القيم التي صنعت بدين لم تُكتب في لوائح، ولم تُدرَّس في المناهج، وإنما عاشت في الناس، وانتقلت بينهم بالممارسة اليومية. ومن هنا جاءت أهمية هذا الفيلم، الذي لم يصطنع بطولة، بل كشف عن بطولة واقعية ظلَّت طويلاً في دائرة الكتمان، حتى كادت تبدو لأهلها أمرًا عاديًا، بينما هي في حقيقتها تجربة إنسانية تستحق أن تُروى، وأن يُحتفى بها، وأن تُقدَّم للأجيال نموذجًا لما يستطيع المجتمع أن يصنعه حين تتجذر فيه قيم الوفاء والانتماء.

فهنيئًا لجائزة الشيخ عبد الرحيم فضل حاكم للإبداع والتميز، وللقائمين عليها، بهذا الإنجاز العظيم.

وفي نهاية عرض الفيلم، لم ينتابني الشعور بأنني شاهدت فيلمًا وانتهى الأمر، بل شعرت بأنني استعدت جزءًا من نفسي. فقد أيقظ الفيلم ذكريات ظلَّت كامنة في الوجدان، وأعاد إليَّ يقينًا قديمًا بأنَّ بعض الأماكن لا تسكنها لأنك وُلدت فيها، وإنما لأنها سكنت قلبك يومًا فلم تغادره أبدًا. وآمل أن أجد الوقت لأكتب يومًا تفاصيل عن الأشخاص والأمكنة في بدين التي أسهمت في صقل شخصياتنا.

فالهوى الذي حمله عنوان الفيلم لم يكن عاطفة عابرة، والهوية لم تكن وصفًا جغرافيًا أو انتسابًا قبليًّا، بل كانا خلاصة تجربة إنسانية تؤكد أنَّ الأوطان الصغيرة، حين تنجح في صناعة الإنسان، تمتد خارج حدودها، وأنَّ المجتمعات التي تغرس القيم في أبنائها، وفي كل من يمرُّ بها، تظلُّ حاضرة في وجدانهم مهما ابتعدت بهم الديار.

ولعل هذا هو الدرس الأجمل الذي خرج به الجميع من تلك الأمسية الجميلة، فكرةً، وبرنامجًا، وتنظيمًا، وحضورًا، ومعنىً؛ وهو أنَّ بدين لم تكن مجرد جزيرة على ضفاف النيل، بل كانت، وما زالت، وستظلُّ مدرسة في بناء الإنسان. فإذا كان الهوى هو ما يجذب القلوب إلى المكان، فإنَّ الهوية هي التي تجعل ذلك المكان يعيش في القلوب، جيلاً بعد جيل.

لكم التحية، وسلامي إلى أهل بدين، كبارًا وصغارًا، دون فرز.

المستشار البشرى عبد الحميد
الرياض – المملكة العربية السعودية
٣١ يوليو ٢٠٢٦م

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
دخول سجل اسمك المستعار
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور