ماذا يحدث في شرق السودان؟ قراءة في جذور الخلاف وخطاب الفتنة ومخاطر التفكك الاجتماعي
ليس الهدف من الحديث عن مخاطر الصراع في شرق السودان التنبؤ بحرب أهلية أو الإيحاء بحتمية وقوعها، وإنما محاولة فهم العوامل التي يمكن أن تدفع مجتمعاً متنوعاً ومتداخلاً تاريخياً إلى حالة من الاستقطاب إذا لم تُعالج جذور الخلافات بصورة عقلانية. فالمشكلة التي تستحق التوقف عندها اليوم ليست مجرد وجود خلافات بين مكونات شرق السودان، فالاختلاف جزء من تاريخ المنطقة، وإنما انتقال بعض هذه الخلافات من المجال الاجتماعي والسياسي إلى مجال التحريض والتعبئة والكراهية، خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تآكل الثقة بين مكونات المجتمع وإعادة إنتاج صراعات الماضي في صورة أكثر خطورة.
ومنذ عام 2019، أخذت التوترات السياسية والقبلية في شرق السودان منحى أكثر وضوحاً، ووقعت صدامات دامية، ولا سيما في بورتسودان وكسلا، وتداخلت فيها قضايا سياسية وقبلية وأمنية واقتصادية. لكن اختزال هذه التطورات في القول إن الصراع بدأ عام 2019 سيكون قراءة سطحية للتاريخ؛ لأن جذور كثير من التنافسات تعود إلى فترات أقدم من قيام الدولة السودانية الحديثة، بينما تعود بعض أسباب التوتر المعاصر إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، حين أصبحت قضايا الأرض والسلطة والتمثيل والتنمية والموارد مرتبطة بصورة مباشرة بالدولة المركزية.
ومن الضروري، قبل الدخول في تفاصيل الأزمة الراهنة، التمييز بين مستويين مختلفين من التاريخ. هناك خلافات ومنافسات اجتماعية ومحلية قديمة سبقت تكوين الدولة السودانية، ارتبطت بالمراعي والمياه والأرض وطرق التجارة وموازين القوة والتحالفات بين الجماعات، وهناك خلاف سياسي حديث نشأ في ظل الدولة الحديثة حول السلطة والتمثيل والوظائف والتنمية والحدود والموارد. الخلط بين المستويين يجعل الخلافات المعاصرة تبدو وكأنها امتداد تلقائي لعداوات قبلية أزلية، بينما التاريخ الاجتماعي للشرق أكثر تعقيداً من ذلك.
فشرق السودان لم يكن في أي مرحلة تاريخية كتلتين منفصلتين تعيش كل منهما في عزلة عن الأخرى. المنطقة كانت مجالاً واسعاً للحركة والرعي والتجارة والهجرة والمصاهرة، وكانت الجماعات تنتقل وتتداخل مصالحها، كما امتدت الروابط الاجتماعية عبر الحدود التي جاءت لاحقاً لتفصل السودان عن إريتريا. ولذلك فإن تصوير العلاقة بين المكونات المختلفة على أنها عداء ثابت لا يتغير يتجاهل جانباً كبيراً من التاريخ الاجتماعي للمنطقة.
وينبغي كذلك الحذر من اختزال المشهد في ثنائية «الناطقين بالتجري» و«الناطقين بالبداويت». فاللغات لا تتطابق بصورة آلية مع القبائل أو المواقف السياسية، والشرق يضم مجموعات متعددة ومتداخلة، من الهدندوة والبني عامر والحباب والأمرار والبشاريين وغيرهم، إلى جانب سكان المدن الذين تشكلت مجتمعاتهم عبر الهجرة والتجارة والاستقرار من مناطق مختلفة. كما توجد مصاهرات وعلاقات اقتصادية واجتماعية تجعل الحدود بين الجماعات أكثر تعقيداً مما توحي به الخطابات المتطرفة.
وقد أضاف الاستعمار إلى هذا الواقع طبقة جديدة من التعقيد، حين تحولت مجالات الحركة القديمة إلى حدود سياسية وإدارية. ومع استقلال السودان أصبحت الجنسية والحدود والقانون والمؤسسات الوطنية عوامل جديدة في تنظيم العلاقات الاجتماعية. لكن الدولة الوطنية لم تنجح دائماً في تحقيق تنمية متوازنة أو بناء تمثيل سياسي يرضي جميع مكونات الشرق، وظلت قضايا التهميش والموارد والأرض والخدمات حاضرة في الوعي السياسي للمنطقة.
ومن هنا ظهرت حركات سياسية ومسلحة طالبت بحقوق شرق السودان، وفي مقدمتها مؤتمر البجا ثم الجبهة الشرقية، وصولاً إلى اتفاق سلام شرق السودان عام 2006. وتكشف هذه المرحلة أن قضية الشرق لم تكن في جوهرها نزاعاً قبلياً فقط، وإنما كانت أيضاً قضية سياسية تتعلق بالتهميش والتمثيل والتنمية وعلاقة المركز بالأطراف.
وفي هذه المرحلة كان لإريتريا حضور مهم في المعادلة الشرقية. فقد كانت دولة جارة ذات حدود مباشرة وروابط اجتماعية وتاريخية مع سكان المنطقة، كما استضافت ودعمت في مراحل سابقة قوى من المعارضة الشرقية، وأصبحت طرفاً مهماً في مسار السلام الذي أدى إلى اتفاق شرق السودان. لكن وجود الدور الإريتري لا يعني أن إريتريا صنعت الصراع من الأصل؛ فالمظالم الداخلية كانت موجودة، والتدخل الخارجي جاء ليتقاطع معها ويستثمر فيها وفق مصالحه الأمنية والسياسية. وهذه نقطة أساسية في تحليل أي دور خارجي: ينبغي التفريق بين صناعة المشكلة واستغلال المشكلة.
وينطبق الأمر نفسه على بقية القوى الإقليمية. فمصر تنظر إلى السودان من زاوية أمن الحدود والنيل واستقرار الدولة السودانية، وإريتريا ترتبط بالشرق مباشرة من الناحية الجغرافية والأمنية والاجتماعية، بينما أصبحت الإمارات جزءاً من الحسابات الإقليمية الأوسع المرتبطة بالحرب السودانية والبحر الأحمر والاقتصاد وشبكات النفوذ. لكن وجود مصالح لهذه الدول في السودان لا يكفي وحده لإثبات أن دولة بعينها تدير كل خلاف قبلي أو كل حملة إلكترونية في الشرق. مثل هذه الاتهامات تحتاج إلى أدلة محددة، وإلا تحولت هي نفسها إلى مادة من مواد التضليل.
ومن الملفات التي تحتاج إلى قراءة أكثر هدوءاً قضية اللاجئين الإريتريين. فقد كان شرق السودان لعقود طويلة أحد أهم مناطق استقبال اللاجئين القادمين من إريتريا، واحتضنت المنطقة عدداً من المخيمات. ولا يجوز، إنسانياً أو علمياً، تحميل اللاجئين مسؤولية النزاعات التي نشبت في المنطقة، فقد جاء معظمهم نتيجة الحروب والاضطرابات والظروف السياسية في بلادهم، وعاشوا في السودان في ظروف صعبة امتدت سنوات طويلة.
لكن تاريخ اللجوء نفسه أصبح عاملاً مهماً في تشكيل المجتمع الحدودي. فقد كانت أعداد من الإريتريين قد لجأت إلى السودان قبل استقلال إريتريا، ثم تغير الوضع بعد انتصار الثورة الإريترية عام 1991 وإعلان الاستقلال رسمياً عام 1993. وقد بدأت برامج العودة المنظمة بمساعدة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منتصف التسعينيات، فعلى سبيل المثال أشار تقرير للمفوضية إلى تقديرات بوجود نحو نصف مليون لاجئ إريتري في السودان، وإلى عودة نحو مئة ألف منهم بصورة تلقائية بين 1992 و1994، ثم بدء برنامج إعادة التوطين والعودة المنظمة بموجب اتفاقات بين السودان وإريتريا والمفوضية.
UNHCR
وفي مرحلة لاحقة توسعت عمليات العودة الطوعية؛ ففي عام 2001 بدأت عملية واسعة لإعادة اللاجئين من السودان إلى إريتريا، وذكرت المفوضية أن أكثر من خمسين ألفاً كانوا قد عادوا بمساعدتها حتى يونيو 2002، مع استمرار برامج التسجيل والعودة من المخيمات والمراكز الحضرية. كما أن تطبيق «شرط وقف اللجوء» على اللاجئين الإريتريين دخل حيز التنفيذ في نهاية عام 2002، مع وجود آليات لتحديد الحالات التي تستحق استثناءً فردياً، بينما تأثرت عمليات العودة لاحقاً بالتوترات والقتال في شرق السودان، واستؤنفت القوافل في يونيو 2003.
UNHCR
وهذا التاريخ مهم لأنه يوضح أن اللجوء الإريتري لم يكن حالة ثابتة، بل مر بمراحل: هروب، ثم إقامة طويلة، ثم عودة طوعية، وإعادة توطين في دول ثالثة لبعض الحالات، وبقاء آخرين في السودان. لكن السنوات الطويلة التي عاشها اللاجئون في الشرق أنتجت واقعاً اجتماعياً لا يمكن اختزاله في صفة «لاجئ».
فخلال عقود اللجوء اختفى جيل كامل من ذاكرة المكان الأصلي، وولد جيل آخر في السودان لم يعرف إريتريا إلا من خلال روايات الآباء وصور الذاكرة العائلية. هذا الجيل لم يعش الحرب التي دفعت والديه إلى اللجوء، ولم يعش تجربة الفرار، وإنما عاش طفولته ومدرسته وعلاقاته الاجتماعية وذكرياته في السودان. ولذلك يمكن أن يصبح ارتباط الإنسان بالمكان الذي نشأ فيه بالغ العمق، حتى عندما يظل يحمل هوية أسرته وذاكرتها الوطنية.
وهنا تظهر مفارقة إنسانية عميقة: بالنسبة إلى الأب قد تكون إريتريا هي الوطن الذي اضطر إلى تركه، بينما قد يكون السودان بالنسبة إلى الابن هو المكان الذي ولد فيه وعرف فيه أول منزل ومدرسة وأصدقاء وذكريات. وقد عبّر أبو تمام عن المعنى الإنساني لهذه العلاقة بقوله:
«كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبداً لأول منزلِ»
فالإنسان يمكن أن يحمل في داخله أكثر من طبقة من الانتماء والذاكرة. وهذا لا يعني بالضرورة أن ارتباطه بمكان نشأته يلغي وطن آبائه، ولا يعني أن كل من ولد في السودان أصبح بالضرورة سودانياً في هويته الوطنية، وإنما يعني أن عقود اللجوء تخلق علاقات اجتماعية وإنسانية لا يمكن تجاهلها.
ولهذا فإن اختزال سكان المناطق الحدودية إلى «سودانيين» و«أجانب» وفق صورة جامدة يتجاهل تاريخاً طويلاً من التداخل. هناك من عاد إلى إريتريا، ومن انتقل إلى دولة ثالثة، ومن بقي في السودان، وهناك أسر موزعة بين البلدين، وروابط قرابة ومصاهرة وتجارة تتجاوز الحدود. وهذه الحقيقة لا تلغي حق الدولة في تنظيم الجنسية والإقامة والحدود، لكنها تجعل استخدام الأصل العائلي أو الروابط العابرة للحدود ذريعة للتشكيك الجماعي في الولاء أمراً بالغ الخطورة.
وقد تتحول قضية اللاجئين، إذا أسيء استخدامها سياسياً، من ملف إنساني إلى مادة للتحريض. وهنا ينبغي الفصل بين مشكلة الهجرة واللجوء من جهة، واستغلال ملف اللجوء لإنتاج الشك والكراهية من جهة أخرى. وجود اللاجئين قد تكون له آثار اقتصادية وديموغرافية وأمنية في منطقة فقيرة وحدودية، لكن ذلك لا يجعل اللاجئين أنفسهم سبباً تلقائياً للصراع.
بعد سقوط نظام البشير في عام 2019، دخل الشرق مرحلة جديدة. فقد تراجعت قدرة المركز على ضبط التوازنات القديمة، وبدأت قوى سياسية وقبلية متعددة تتنافس بصورة أكثر وضوحاً على تمثيل المنطقة. وفي بورتسودان وكسلا تحولت بعض التوترات إلى مواجهات دامية، بينما أصبحت قضايا الأرض والتمثيل والإدارة الأهلية والموارد جزءاً من معركة سياسية أوسع.
ثم جاء اتفاق جوبا للسلام عام 2020، الذي شمل ترتيبات واسعة للحكم وتقاسم السلطة والسلام، لكنه لم ينجح في إنهاء الخلاف حول من يمثل شرق السودان وكيف تعالج مظالمه. وأصبح مسار الشرق نفسه موضوعاً للصراع، فظهرت قوى اعتبرت أن الاتفاق لا يمثلها، وقوى أخرى رأت فيه إطاراً ضرورياً لمعالجة المظالم.
وهنا برز مجلس نظارات البجا والعموديات المستقلة، وأصبح ناظر الهدندوة واحداً من أبرز الشخصيات في المشهد السياسي الشرقي. ومن المهم التعامل مع هذا الدور بعيداً عن التبسيط. فمن غير الصحيح إنكار التأثير السياسي للناظر، لكن من غير الصحيح أيضاً اختزال أزمة الشرق كلها في شخصه أو اعتباره وحده «رأس الحربة». فالمؤسسة الأهلية ليست كتلة سياسية واحدة، والقبائل نفسها ليست أحزاباً متجانسة، كما أن أسباب الأزمة أقدم وأوسع من أي شخصية سياسية معاصرة.
والسؤال الأكثر أهمية هنا ليس: «هل ناظر الهدندوة هو رأس الحربة؟»، وإنما: كيف أصبح الناظر قادراً على لعب هذا الدور السياسي؟
الإجابة ترتبط جزئياً بضعف المؤسسات الحديثة. فعندما تتراجع الأحزاب أو تفقد ثقة المجتمع، وعندما تعجز الدولة عن إنتاج تمثيل سياسي مقنع، تعود الإدارة الأهلية لتملأ الفراغ. وحين تصبح القبيلة أكثر قدرة على الحشد من المؤسسة السياسية، يتحول الناظر من مرجعية اجتماعية إلى لاعب سياسي. وهنا يمكن للإدارة الأهلية أن تكون أداة للتهدئة والمصالحة، أو أن تتحول إلى أداة للتعبئة والاستقطاب.
لكن التحول الأخطر في السنوات الأخيرة ربما لم يكن انتقال القبيلة إلى السياسة وحده، بل انتقال الصراع إلى الهاتف المحمول.
فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءاً من بنية الصراع السوداني نفسه. وتشير دراسات حديثة إلى أن المنصات الرقمية لم تعد مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل أصبحت ساحة لصناعة الروايات وتضخيمها، وتبرير العنف، وتعميق الاستقطاب. وتوضح دراسة صادرة عن مؤسسة العلوم والسياسة الألمانية عام 2026 أن وسائل التواصل أصبحت «ساحة معركة» مركزية في الحرب السودانية، وأن الحسابات والمؤثرين يشاركون في إعادة تشكيل الروايات السياسية وتطبيع العنف وتعميق الاستقطاب.
وتؤكد دراسة أكاديمية عن «الحرب الرقمية» في السودان أن وسائل التواصل تؤدي وظيفة مزدوجة؛ فهي يمكن أن تنشر خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، لكنها يمكن أيضاً أن تصبح وسيلة لبناء السلام ومواجهة خطاب التحريض. وخلصت الدراسة إلى أن الخوارزميات تساعد في تضخيم التضليل والاستقطاب، الأمر الذي يجعل محو الأمية الرقمية والمحتوى المحلي للتحقق من المعلومات جزءاً من أدوات الوقاية من الصراع.
وهذه الملاحظة شديدة الأهمية في شرق السودان. فالحساب الذي ينشر خطاباً قبلياً لا يحتاج إلى أن يكون تابعاً لدولة أجنبية حتى يكون خطيراً. والحساب المجهول لا يعني تلقائياً أنه حساب أمني. وقد لا يكون صاحب الصفحة جزءاً من أي تنظيم أصلاً؛ ربما يكون شخصاً متحمساً لقبيلته، أو ناشطاً سياسياً، أو شخصاً يبحث عن الشهرة والتفاعل، أو شخصاً يصدق الرواية التي ينشرها.
لكن هناك فرقاً بين ذلك وبين الحملات المنسقة. فإثبات وجود شبكة حسابات وهمية أو حملة منظمة يحتاج إلى تحليل رقمي حقيقي: تاريخ إنشاء الحسابات، توقيتات النشر، تشابه النصوص والصور، شبكات إعادة النشر، مصادر التمويل، والروابط بين الحسابات. لذلك لا ينبغي اتهام دولة أو جهاز أمني بإدارة حملة إلكترونية لمجرد أن عدة صفحات نشرت المضمون نفسه.
لكن عدم إثبات وجود شبكة منظمة لا يجعل خطاب الكراهية أقل خطراً.
فالخطر يبدأ عندما تأخذ الصفحة حادثة فردية وتحوّلها إلى جريمة جماعية. يقتل فرد فيقال «قتلونا». يقع نزاع على أرض فيقال «إنهم يريدون طردنا». يصدر تصريح من سياسي فيقال «هذه القبيلة كلها ضدنا». تنتشر صورة قديمة فيعاد تقديمها على أنها حدث جديد. ثم تتكرر الرواية مئات المرات، فيتحول الكذب أو المبالغة إلى «حقيقة اجتماعية» في ذهن المتلقي.
وهكذا تتحول وسائل التواصل من أداة اتصال إلى أداة تعبئة.
وقد خلصت دراسات عن خطاب الكراهية في السودان إلى أن الخطاب القائم على الهوية العرقية والقبلية أصبح من أخطر محركات العنف، وأنه يستخدم أحياناً كأداة سياسية لتبرير العنف وتعميق الانقسامات، ولا سيما منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. كما أظهرت دراسة واسعة للروايات الرقمية في السودان أن القبيلة أصبحت فاعلاً سياسياً واضحاً في الفضاء الإلكتروني، وأن جزءاً كبيراً من الخطاب القبلي ارتبط مباشرة بالحرب والتعبئة والمواقف السياسية.
وهذا يعني أن الفتنة الحديثة لا تحتاج بالضرورة إلى اجتماع قبلي أو خطاب جماهيري. قد تبدأ بمنشور واحد، ثم يعاد نشره، ثم تضاف إليه تعليقات، ثم تنتقل الرواية إلى مجموعات واتساب وفيسبوك وتيك توك، وفي ساعات يصبح المجتمع أمام روايتين متناقضتين، وكل طرف يعتقد أن الآخر يستعد ضده.
والأخطر هو صناعة العدو الجماعي.
عندما يقول شخص «فلان أخطأ»، يبقى الخلاف قابلاً للنقاش. أما عندما يقول «هذه القبيلة كلها اخطأت»، فقد انتقل من نقد فرد إلى إدانة جماعة. وعندما يصبح أصل الإنسان أو لغته أو قبيلته سبباً للتشكيك في سودانيته، فإن الخلاف السياسي يتحول إلى صراع على الوجود.
وهنا يجب أن نتوقف عند قضية شديدة الحساسية: التشكيك في سودانية بعض مكونات شرق السودان.
فالروابط التاريخية بين البني عامر والحباب وغيرهم من الجماعات وبين إريتريا لا تعني أن هذه الجماعات «أجنبية»، كما أن وجود روابط عائلية عبر الحدود لا يعني ولاءً سياسياً لدولة أخرى. والخلط بين النسب والحدود والجنسية والولاء السياسي يمكن أن يكون أداة خطيرة في صناعة الإقصاء.
والدولة نفسها يجب أن تدرك هذه الحساسية. فالجنسية مسألة قانونية، لكن الانتماء الاجتماعي والذاكرة والتاريخ مسائل أكثر تعقيداً. ولا يمكن معالجة مشكلة الجنسية أو الهجرة بخطاب يضع جماعة كاملة تحت المجهر.
ومن هنا يأتي السؤال الأصعب: هل مؤسسات الدولة، وخصوصاً الأجهزة الأمنية، شريكة في إنتاج هذا المناخ؟
لا توجد إجابة مسؤولة يمكن أن تختصر المسألة في «نعم» أو «لا». هناك على الأقل ثلاثة تفسيرات يجب التمييز بينها: العجز، والتماهي أو الانحياز، والإدارة المتعمدة للصراع.
قد تكون الدولة عاجزة عن السيطرة على خطاب الكراهية، أو مشغولة بالحرب، أو غير قادرة على فرض القانون بصورة متساوية. في هذه الحالة لا تكون الدولة قد صنعت الفتنة، لكنها سمحت لها بالنمو.
وقد يكون هناك انحياز أو تماهٍ من جانب بعض المسؤولين أو المؤسسات مع طرف اجتماعي أو سياسي. وعندما يشعر المجتمع أن القانون لا يطبق على الجميع بالتساوي، فإن الثقة في الدولة تنهار، ويبدأ الناس في البحث عن حماية خارجها، وغالباً ما تكون القبيلة هي البديل الأقرب.
أما الاحتمال الثالث، وهو أن تكون هناك إدارة متعمدة للصراع، فهو اتهام بالغ الخطورة ولا ينبغي إطلاقه بلا أدلة. تاريخ السودان يعرف استخدام الانقسامات الاجتماعية في السياسة، وهناك اتهامات متكررة من قوى شرقية بأن بعض الحكومات تعاملت مع الصراع بطريقة أدت إلى تأجيجه بدلاً من حله، لكن الانتقال من الاتهام السياسي إلى إثبات وجود سياسة رسمية متعمدة يحتاج إلى وثائق وتحقيقات مستقلة.
وهذه التفرقة مهمة جداً، لأن المقال الذي يتهم الدولة بلا دليل يمكن أن يتحول هو نفسه إلى جزء من أزمة الثقة التي يحاول تحليلها.
لكن في المقابل، لا يجوز استخدام غياب الدليل على «مؤامرة مركزية» لتبرئة مؤسسات الدولة من مسؤولية العجز أو التقصير أو الانحياز الفردي. فالدولة مسؤولة عن حماية المدنيين، وعن تطبيق القانون بصورة متساوية، وعن منع خطاب التحريض من التحول إلى عنف.
وعندما تقع اشتباكات قبلية، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: «أي قبيلة بدأت؟» فقط، بل: لماذا لم تمنع المؤسسات الأمنية تطور الخلاف إلى عنف؟ ولماذا لم تُحاسب الأطراف المسؤولة؟ وهل عومل الطرفان بالمعيار نفسه؟ وهل جرى التحقيق بصورة مستقلة؟ وهل كانت هناك مؤشرات مبكرة تجاهلتها السلطات؟
هذه الأسئلة أهم من إطلاق الاتهامات.
فالدولة القوية لا تحتاج إلى أن تكون طرفاً في الصراع لكي تؤثر فيه. يكفي أحياناً أن تفشل في التدخل في الوقت المناسب.
كما أن الدولة قد تصبح جزءاً من المشكلة من دون قرار مركزي؛ إذ قد يتصرف مسؤول محلي بانحياز، أو تستخدم قوة أمنية القوة بصورة غير متناسبة، أو تتأخر السلطات في حماية منطقة معينة. هذه التصرفات الفردية قد تنتج آثاراً سياسية أكبر من نية مرتكبيها.
ولهذا يجب أن تكون أجهزة الدولة الأمنية خارج الاصطفاف القبلي. لا ينبغي أن ينظر المواطن إلى الشرطة أو الجيش أو جهاز الأمن باعتباره ممثلاً لقبيلة، بل باعتباره مؤسسة للدولة. فإذا انهارت هذه الثقة، أصبح كل إجراء أمني قابلاً للتفسير القبلي.
أما القوى الإقليمية، فإنها قد تجد في شرق السودان بيئة مهمة للتأثير بسبب موقعه على البحر الأحمر وحدوده مع إريتريا وأهميته للموانئ والتجارة. لكن الخطأ هو تفسير كل خلاف داخلي بأنه صناعة خارجية. الخارج يستفيد من الانقسام عندما يكون موجوداً، لكنه لا يستطيع دائماً خلق انقسام مستدام من لا شيء.
ومن هنا يجب أن يكون السؤال: من يستفيد من استمرار التوتر؟
قد تستفيد نخب سياسية من التعبئة القبلية لأنها تمنحها قاعدة تفاوضية أكبر. وقد تستفيد قيادات مسلحة من استمرار الخوف لأنها تحصل على مبرر للتسلح. وقد تستفيد شبكات اقتصادية من الفوضى والتهريب والسيطرة على الموارد. وقد تستفيد قوى إقليمية من وجود حلفاء محليين أو من ضعف المركز. وقد تستفيد صفحات إلكترونية من زيادة التفاعل والمشاهدات.
لكن المواطن العادي لا يستفيد.
وهذه الحقيقة يجب أن تكون محور التوعية في شرق السودان.
فإذا تحول الخلاف إلى حرب واسعة، فلن تكون هناك حدود واضحة بين المتحاربين بسبب التداخل القبلي والاجتماعي. توجد عائلات مختلطة، ومصاهرات، وأحياء مشتركة، وأسواق مشتركة، ومصالح اقتصادية مشتركة، وعلاقات تاريخية تتجاوز التصنيف القبلي. ولذلك فإن أي خطاب يدفع الناس إلى النظر إلى جيرانهم باعتبارهم «عدواً» يمكن أن يمزق نسيجاً اجتماعياً بُني عبر أجيال.
وقد تكون هذه هي أخطر نقطة في المشهد كله.
فالحرب لا تبدأ عندما يحمل الناس السلاح فقط. تبدأ قبل ذلك عندما يفقدون الثقة في بعضهم.
عندما يصدق المواطن أن جاره يخطط ضده، وعندما يصبح كل تجمع قبلي موضع شك، وعندما تتحول كل صورة إلى دليل، وكل شائعة إلى حقيقة، وكل اختلاف سياسي إلى مؤامرة، يكون المجتمع قد دخل بالفعل مرحلة خطرة حتى لو لم يبدأ إطلاق النار.
ولهذا فإن حماية الشرق تبدأ من حماية الثقة الاجتماعية.
ولا يعني ذلك إسكات الحديث عن المظالم أو منع الناس من المطالبة بحقوقهم. بل العكس تماماً. المظالم الحقيقية يجب أن تناقش بصورة علنية ومسؤولة، وأن تعالج عبر مؤسسات الدولة والقانون والحوارات المحلية. لكن المطالبة بحق لا تحتاج إلى شيطنة جماعة أخرى.
يمكن للبني عامر أن يدافعوا عن حقوقهم من دون مهاجمة الهدندوة.
ويمكن للهدندوة أن يدافعوا عن حقوقهم من دون التشكيك في البني عامر.
ويمكن للحباب والأمرار والبشاريين وغيرهم من المكونات أن يطالبوا بحقوقهم من دون الدخول في معركة إلغاء متبادل.
فالحقوق لا تصبح أكثر شرعية عندما تُبنى على نفي حقوق الآخرين.
وهنا تأتي مسؤولية القيادات الأهلية. فإذا استخدمت مكانتها لمنع الثأر وتهدئة الشباب وتشجيع الحوار، فهي جزء من الحل. أما إذا تحولت إلى منصات للتعبئة السياسية والقبلية، فإنها قد تصبح جزءاً من المشكلة. وهذا لا ينطبق على ناظر الهدندوة وحده، بل على جميع القيادات الأهلية في الشرق.
كما تقع مسؤولية كبيرة على المثقفين والمؤرخين والباحثين. فالتاريخ لا ينبغي أن يتحول إلى محكمة لإدانة قبيلة أو إثبات «أصالة» جماعة على حساب أخرى. مهمة المؤرخ هي تفسير الماضي، لا تسليح الحاضر به.
واللغة أيضاً مسؤولية. فهناك فرق بين قول «هناك نزاع تاريخي حول الأرض» وبين قول «هذه القبيلة اغتصبت أرض هذه القبيلة». الأول يفتح باب البحث، أما الثاني فيصنع عدواً.
وهناك فرق بين القول «توجد روابط اجتماعية عابرة للحدود» وبين القول «هذه الجماعة ولاؤها لدولة أجنبية». الأول حقيقة اجتماعية قابلة للدراسة، والثاني اتهام سياسي يحتاج إلى دليل.
وهناك فرق بين نقد مسؤول أمني أو ناظر أو سياسي وبين تحميل القبيلة كلها مسؤولية مواقفه.
وهذه الفروق الصغيرة في اللغة قد تكون فاصلة بين النقاش والتحريض.
أما الشباب، وهم أكثر الفئات استخداماً للمنصات الرقمية، فعليهم مسؤولية استثنائية. فليس كل ما يصل إلى الهاتف خبراً، وليس كل صورة دليلاً، وليس كل مقطع جديداً، وليس كل حساب يمثل قبيلته. وقبل مشاركة أي محتوى متعلق بخلاف قبلي ينبغي طرح أسئلة بسيطة: من نشره؟ متى؟ أين؟ هل توجد مصادر مستقلة تؤكده؟ هل الصورة قديمة؟ هل المقطع مقتطع؟ وهل يمكن أن يؤدي نشره إلى استهداف أشخاص أو جماعة؟
قد تبدو هذه الأسئلة بسيطة، لكنها في أوقات التوتر يمكن أن تمنع كارثة.
والحسابات الوهمية تحديداً ينبغي أن تكون موضوعاً لدراسة مستقلة، لا مجرد اتهامات متبادلة. فإذا ظهرت شبكات منظمة، فيجب كشفها بالأدلة. وإذا كانت هناك حملات خارجية، فيجب توثيق مصادرها. وإذا كانت الحملات محلية، فيجب أيضاً كشف من يقف وراءها. أما التعميم في الاتجاهين فهو غير مفيد.
ومن المهم كذلك ألا ننسى أن وسائل التواصل يمكن أن تكون جزءاً من الحل. فالدراسات الحديثة نفسها تشير إلى أن المنصات الرقمية يمكن استخدامها لمواجهة خطاب الكراهية وبناء خطاب السلام، إذا وُجد محتوى موثوق ومبادرات تحقق محلية.
وهنا يمكن لمجتمع شرق السودان أن يبني مبادرات رقمية خاصة به: صفحات للتحقق من الأخبار، منصات تجمع الروايات المحلية من مختلف المكونات، مبادرات شبابية لرفض خطاب الكراهية، وتوثيق مستقل للانتهاكات، ومحتوى تاريخي يشرح حقيقة التداخل الاجتماعي بدلاً من استخدام التاريخ لتأجيج الصراع.
إن شرق السودان لا يحتاج إلى أن يتخلى عن هوياته المحلية حتى يحافظ على وحدته. بل يحتاج إلى أن يفهم أن تعدد الهويات جزء من تاريخه. فالقبيلة يمكن أن تكون إطاراً اجتماعياً، واللغة يمكن أن تكون تراثاً، والتاريخ يمكن أن يكون مصدراً للفخر، لكن لا ينبغي لأي منها أن يتحول إلى معيار لتحديد من يستحق الوطن ومن لا يستحقه.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في شرق السودان ليس مجرد اشتباك مسلح محدود، وإنما تحول الخلافات إلى وعي جمعي يرى الآخر عدواً دائماً. عندها تصبح المصالحة أصعب، لأن الجرح لا يعود متعلقاً بحادثة، وإنما بصورة كاملة عن الآخر.
وإذا حدث ذلك، فإن الخاسر لن يكون البني عامر وحدهم ولا الهدندوة وحدهم ولا أي مكون آخر. الخاسر سيكون المجتمع الشرقي كله، وستتضرر المدن والأسواق والموانئ والطرق ومصادر الرزق، وستزداد فرص التدخل الخارجي، وسيصبح السلاح أكثر حضوراً في الحياة اليومية، وقد تنتقل الأجيال القادمة وهي تحمل ذاكرة الثأر بدلاً من ذاكرة التعايش.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: من سينتصر إذا تصاعد الصراع؟ وإنما: من المستفيد من إبقاء أبناء الشرق في حالة خوف وشك متبادل؟
والسؤال الأهم: من يستطيع أن يوقف هذه العملية قبل أن تتحول الاختلافات السياسية والاجتماعية إلى قطيعة بين المجتمع نفسه؟
المسؤولية مشتركة. الدولة مسؤولة عن القانون والحياد وحماية المواطنين. الأجهزة الأمنية مسؤولة عن منع العنف والتعامل المتساوي مع جميع الأطراف. القيادات الأهلية مسؤولة عن خفض التعبئة. السياسيون مسؤولون عن عدم استخدام الهوية القبلية كوسيلة للصراع على السلطة. الإعلام مسؤول عن التحقق. والناشطون مسؤولون عن عدم تحويل المنصات إلى ساحات للثأر. والمواطن مسؤول عن عدم إعادة نشر ما يعرف أو يشك في أنه قد يشعل الكراهية.
أما الذين يتعمدون إشعال الفتنة عبر مواقع التواصل، سواء كانوا أفراداً يبحثون عن الشهرة، أو ناشطين سياسيين، أو أصحاب مصالح، أو شبكات منظمة، فإن مواجهتهم لا تكون بالانفعال، وإنما بكشف الأساليب التي يستخدمونها، والتحقق من المعلومات، ومساءلة من يثبت تورطه، ورفض تعميم خطابهم على المجتمع كله.
فالفتنة في عصر الإنترنت لا تحتاج إلى آلاف الأشخاص كي تبدأ؛ قد تحتاج إلى هاتف واحد وحساب واحد ومعلومة كاذبة في اللحظة الخطأ.
لكن في المقابل، فإن المجتمع الواعي يستطيع أن يجعل الهاتف نفسه أداة للتهدئة، والحساب نفسه منصة للتحقق، والتاريخ نفسه وسيلة للتقارب بدلاً من أن يكون سلاحاً للخصومة.
وفي النهاية، فإن شرق السودان ليس مجتمعاً حديث التكوين حتى يمكن اختزاله في خلاف سياسي عابر، وليس مجتمعاً منقسمًا إلى معسكرين مغلقين. إنه فضاء تاريخي عميق من التداخل بين القبائل واللغات والهجرات والتجارة والمصاهرة والحدود. ولهذا فإن حماية هذا المجتمع لا تكون بإنكار الخلافات، وإنما بمنع تحويلها إلى كراهية جماعية.
إن أبناء الشرق لا يحتاجون إلى أن يتفقوا في كل شيء حتى يعيشوا معاً. يحتاجون فقط إلى أن يختلفوا من دون أن ينزعوا عن بعضهم حق الانتماء إلى المكان.
فالشرق يتسع للجميع، وتاريخه نفسه شاهد على ذلك.
ومن يريد الدفاع عن قبيلته، فليدافع عن حقوقها بالقانون.
ومن يريد الدفاع عن تاريخها، فليوثقه بالبحث.
ومن يريد الدفاع عن كرامتها، فليحترم كرامة الآخرين.
ومن يريد الدفاع عن السودان، فليدرك أن السودان لا يُبنى بإلغاء مكوناته، وإنما بحمايتها جميعاً داخل دولة واحدة.
وفي النهاية، فإن أخطر سلاح يمكن أن يُستخدم ضد شرق السودان قد لا يكون بندقية ولا مدفعاً، وإنما فكرة تقنع الإنسان بأن جاره عدو لأنه ينتمي إلى قبيلة أخرى.
ولهذا فإن حماية النسيج الاجتماعي ليست مهمة الدولة وحدها، ولا مهمة القبائل وحدها، ولا مهمة المثقفين وحدهم؛ إنها مسؤولية كل شخص يملك هاتفاً ويستطيع أن يضغط زر «نشر».
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى أمامنا جميعاً هو: هل نستخدم هذا الهاتف لنوثق تاريخ شرق السودان ونحمي ذاكرته، أم نستخدمه لنصنع عداءً قد لا يعرف أبناؤنا كيف يوقفونه؟


