اختزال مشكلة وطن في العقل الرعوي

اختزال مشكلة وطن في العقل الرعوي
  • 24 أغسطس 2026
  • لا توجد تعليقات

العالم أحمد دقاش

النور أحمد

الدكتور النور حمد، بتأهيله الأكاديمي العالي (ماجستير ودكتوراه في التربية الفنية من الجامعات الأمريكية)، وإضافة إلى لونيته السياسية في كونه من تلاميذ وتربية الشهيد محمود محمد طه –له الرحمة–، له مؤلفات وكتابات مقالات رصينة في الصحف والدوريات ومراكز الأبحاث؛ بل أكثر من ذلك، له مواقفه الوطنية الراسخة في مختلف محطات العمل السياسي. كل ذلك أكسبه احتراماً وتقديراً كبيراً لدى الكثيرين رغم الاختلاف في التوجهات السياسية.

وعجبت للبروفيسور النور حمد، الذي نحبه ونقدره جداً لروحه الوطنية غير المنحازة اجتماعياً، أن يحلل المشكلة السودانية بتبسيط مخل وتسطيح شديد، باختزالها في “العقل الرعوي”، الذي هو أصلاً هارب ويكره أن يجاور السلطة والمدينة، أو يمارس ويستفيد حتى من منجزات الحداثة والخدمات، ناهيك عن ممارسة الحكم واتخاذ القرار.

وكلام دكتور حمد يذكرني بأحد الشيوخ من علماء السلطان وهو يتحدث وكأنه اكتشف ووصل إلى كوكب الزهرة، حيث قال بشأن الحرب الدائرة –وهو يسجل أقوالاً للتكسب والتقرب– بأن المواطن هو سبب الحرب! يا عجبي.. غاضّاً الطرف عن ترتيبات التعبئة التي سبقتها في الإفطارات الرمضانية التنظيمية والتهديدات التي أطلقت في الهواء ووثقتها الفيديوهات والـ”لايفات”! يا ناس، اطعنوا الفيل مباشرة.

هؤلاء الأشخاص، والذين نعتبرهم علماء وصفوة أمثال دكتور النور حمد، يفترض اتباعهم علمية المنهج والإحاطة والكياسة في تناول المشكلة السودانية. لكن للأسف، البعض باختيارك يكشف الستار عن نفسه فيعبر عن فهمه متغافلاً للتاريخ وأنثربولوجيا وطنه المتنوع، مما يجعلنا نتساءل: أي متعلمين ومستنيرين نحن السودانيين؟

الوطن في مراحله السابقة لم يبخل على مواطنه بشيء حسب الإمكانيات والفهم المتاح؛ فالبعض نال حظاً من التعليم وصعد سلالمه حتى الوصول إلى الجامعات الأجنبية في أوروبا وأمريكا وغيرها. لكن للأسف، كان مردود ذلك لصالح الوطن دون المستوى، وفي الغالب كان عطاء هذه الفئة من المتعلمين للآخر الأجنبي أكبر مما قُدّم للوطن. لذلك يتفاخر البعض بأننا بنينا تلك الدولة أو غيرها، ومعروف أن ذلك لم يكن مجاناً بل كان تبادل منفعة ومصلحة، فيه أعطينا وأخذنا. ولماذا لم تبنِ وطنك يا هداك الله؟

يُلاحظ أن أغلب الذين نالوا الشهادات والمؤهلات العليا من مؤسسات تعليمية حول العالم –باستثناء ممارسي العمل الطبي أو التدريس في الجامعات والمعاهد العليا– فإن الغالبية يرجعون إلى الوطن ولم يضيفوا له جديداً مما تعلموه عند الآخرين، مع استثناءات بسيطة. فهو قد شاهد التقدم والتطور والنماء وعرف فنون الإدارة الناجحة في تلك البلاد، لكنه مع ذلك يعود لوطنه ليعمل “أفندياً” في مكتب وثير ليدير مؤسسة أو وزارة بالحد الأدنى من الإبداعات، ليكون قوام عمله الاستمتاع بالتوقيع على أوراق التصديقات وأوامر الصرف وإجازات الموظفين وترأس اجتماعات غير منتجة، حتى وإن كان مؤهله العالي في مجال فني دقيق!

وعند الحديث عن مشاكل الوطن وتحديات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فإنه لا يغوص إلى جذور المشكلة بحثاً عن الحل، بل يبرّئ نفسه ليكون “شاهدَ مَلِك”. وفي حالة البروفيسور النور حمد، فإن كبش الفداء هو “العقل الرعوي”. وعند الدكتور الدرديري –أحد منظري الإنقاذ– أنهم “عرب الشتات”، بأن هذه الفئة هي التي دمرت مدنيات في شمال إفريقيا ومناطق أخرى، ونسي أنهم هم الذين بنوا دولة الأندلس التي يتغنون بمجدها ويفخرون بتطورها في أنظمة الحكم والعلوم والثقافة، والتي بناها ذات البدو الذين نُعتوا بلقب البرابرة السراسنة (Saracen) المستلف من كتابات المستشرقين أمثال شاخت وبوزورت الألماني في كتابه (The Legacy of Islam).

خرج بروفيسور النور حمد في كتابه “العقل الرعوي” لينسب سوءات الحكم والفشل في السودان إلى تمكن صفة الحيازة والأنانية في العقل الرعوي من قيادات الحكم في البلاد، بتملك ذلك المسؤول حيازة أرض بمساحة دولة في الخليج، على قاعدة وردت في الشعر الجاهلي: “نشرب الماء صفواً إذا وردنا / ويشرب غيرنا كدراً وطيناً”.

هل يدري دكتور حمد أن الحيازة واحتكار التملك ليستا من صفات العقل الرعوي أو البدوي؟ فالبدوي الرعوي يختلف سلوكه تماماً عما ذكرت؛ فهو منتشر في فضائه الجغرافي والمكاني، وليست له ديمومة العلاقة مع الأرض، ويتنقل خلف سوامه من البهم، فتجده في مروره بدياره القديمة يقول: “هاي فلان، ديك مالدايا؟ نار فلانة في سنتنا الفلانية”، فهو قد يحن لكن لا يحب التملك! وهذه من مشاكله في تفسير الآخر لعلاقته مع الأرض التي يغشاها عابراً ولا يحوزها، ولابد من معالجة هذا الفهم بمنظور أنثروبولوجي، اجتماعي، وتاريخي وقانوني لإنصافه.

إذن، أين علاقة التحيز وأنانية التملك التي يستشهد بها بروفيسور النور حمد ويسقطها على العقل البدوي اختزالاً لمشكلة وطن هي أوسع وأعقد من ذلك، وفيها الجانب السياسي والاجتماعي وعقلية الهيمنة والتعالي الثقافي لفئة دون أخرى؟

آسف، ربما كنت قاسياً في نقد كتاب بروفيسور النور حمد –الذي أحترمه وأقدر مواقفه الوطنية وكتاباته تماماً، كما الكاتب الباقر العفيف –له الرحمة– المتصالح مع نفسه والمعتز بسودانيته بعيداً عن المفاخرة الزائفة بالأسلاف–. كما التحية لبروفيسور علي إبراهيم على غزارة معلوماته وفهمه العميق لمكونات الشخصية البدوية ونقده اللطيف لمسألة العقل الرعوي التي حُمّلت أكثر مما تحتمل، ولماذا قررت ألا تكون رعوياً.

حقيقة، إن المشكلة ليست في نظرية العقل الرعوي وحدها، بل أيضاً هناك آخرون –وإن لم يفصحوا كتابةً– ذهبوا أيضاً في هذا الاتجاه في إرجاع المشكلة السودانية إلى فئة دون أخرى. ولست منحازاً للعقل الرعوي أو مدافعاً عن العقول الأخرى المتهمة من شاكلة تحميل مسؤولية الوطن لعقلية العسكر، ومرة لعقلية الأفندي، وأحياناً لعقلية الجلابي، أو العقلية الداعشية التي تريد أن تفرض الوصاية على البلاد. وفي بعض الأحيان يتم إرجاع الأمر للاستعمار والاختراق والتدخل الأجنبي والطمع في موارد البلاد.

صحيح قد يكون لكل فئة مساهمة سالبة، لكن الأمر ليس على إطلاقه هكذا. ضحكت مرة وأنا استمع لشخص وهو يتحدث بجدية عن الأطماع الأجنبية في موارد السودان مع تأكيده بقوة أن بعض الدول الأجنبية تسيل لعابها لرمال صحراء السودان التي يصلح استخدامها في الصناعات الإلكترونية! فتساءلت في نفسي: ولماذا لا يحتلون صحراء الربع الخالي في الجزيرة العربية الأغنى رمالاً من السودان؟ وقس على ذلك الكثير من الأوهام التي غزت عقول الناس والمبالغة في موارد البلاد التي نتفق على تعددها.

نعم، قد يكون لجميع العقول المشار إليها أعلاه (عسكر / أفندية / جلابة / دواعش / الاستعمار، وأخيراً العقل الرعوي) مجتمعة دور في فساد حال البلاد مع اختلاف نسبة التحمل، لكن لا يمكن أن تُحمّل فئة منفردة مسؤولية ما حدث.

فحضارة روما العريقة بتاريخها الممتد وعظيم إنجازاتها الإنسانية، سقطت على أيدي البرابرة من القبائل الجرمانية البدوية (القوط الغربيين والشرقيين) التي أحرقت العاصمة روما تماماً وبالكامل. السؤال: لماذا حدث ذلك؟ فالكون محكوم بناموس كوني يقدره الخالق، وعلى الأرض ينبغي علينا قراءة أفعالنا وقانون قيام وسقوط الحضارات.

نعم، إن الحضارات والمدنيات تنمو وتزدهر بتصدي فئة الأقلية المبدعة للتحديات، فتؤسس ثقافة الحلول والبناء وحسن الإدارة التي تصنع الإنجازات المادية قوام الحضارات. لكن لابد من حراستها بالشوكة العادلة المتمثلة في القوة التي تحمي المكتسبات. متى فسد الأباطرة والحكام ومضوا في ظلم وإذلال الرعية مع ضعف شوكة القوة العادلة، ستجد أن أطراف الإمبراطورية قد تآكلت، وزحفت إلى المركز قبائل المنسيين الحاقدين اجتماعياً على المركز ليدمروا ويحرقون كل شيء.

وهكذا فعلت القبائل الجرمانية المسمّاة بأفعالها “بربرية” لتقضي على روما الحضارية بثقافتها وعلمائها ومنجزاتها المدنية التي لم تنفعها في غياب العدالة. هكذا يقول تاريخ الحضارات في قاعدة صعودها وسقوطها (Rise and Fall of Civilizations)، لولا أنني لا أود أن أثقل على القارئ بإطالة المقال لأوردت أمثلة من أثينا وبيزنطة وبغداد وسقوط الأندلس.

كل ذلك يعني أننا اليوم في السودان أمام حتمية تاريخية وعلينا أن نتفهم ذلك؛ فقد عاشت شعوب أخرى من قبل نفس المراحل في التطور، لكننا لم نفهم ذلك وظل الإعلام الموجه يضللنا بأن ما حدث في المركز “الخرطوم” لم يحدث في التاريخ وأنه ليس من أخلاق السودانيين، ودون تعامل موضوعي مع ما حدث بحثاً عن المخرج.

في رأيي، أننا يجب أن نقرأ تاريخ الشعوب التي استجابت لمثل هذه التحديات بإيجابية متسامية عن المرارات، في التوافق على ميثاق اجتماعي سياسي تشاركي لكل العقليات المتهمة بدمار الوطن، وإضافة آخرين منسيين لتأسيس وطن جديد تتساوى فيه مكوناته الاجتماعية في المواطنة العادلة للجميع في الحقوق والواجبات والتنمية المتوازنة المحمية بالدستور والقانون العادل. وبخلاف ذلك، سيستمر تطاول الصراعات الدامية، وكلٌّ سيستدعي المظالم والمرارات التي تغذي كل مراحل الصراع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*