• 24 أغسطس 2026
  • لا توجد تعليقات

محمد الأمين عبدالنبي

لم يعد تقسيم السودان مجرد فرضية سياسية تُطرح للتحذير من مآلات الحرب، فقد أصبح خطرًا تتشكل شروطه تدريجيًا بفعل استمرار القتال. يبدأ التقسيم عمليًا عندما تتحول خطوط القتال إلى حدود نفوذ، وسلطات الأمر الواقع إلى مؤسسات، والموارد إلى اقتصادات مستقلة، والتحالفات العسكرية إلى ترتيبات سياسية. ولا يعني ذلك أن طرفي الحرب أعلنا مشروعًا صريحًا لتقسيم السودان، أو أن قيام دولتين بات أمرًا محسومًا، وإنما يعني أن استمرار الحرب ينتج واقعًا قد يقود إلى ذلك. فكل طرف يسعى إلى توسيع نطاق سيطرته وتأمين موارده، وبناء شبكات تضمن استمراره. ومع الزمن، تتحول السيطرة المؤقتة إلى مصالح دائمة.

وهنا تظهر أزمة العقل السياسي؛ فالدفاع عن وحدة السودان لا يكفي ما لم يقترن بمشروع وطني يحميها ويعيد بناء شروطها. والمفارقة أن استمرار الحرب يجعل الانقسام أكثر اعتيادًا كلما تكيف المجتمع والسياسة والاقتصاد مع خرائط السيطرة.

وتزداد الخطورة عندما يتداخل الصراع العسكري مع الانتماءات الإثنية، بما يجعل جرائم القتل القائمة على الهوية جزءًا من بنية الحرب. فالجرائم لا تنتهي بانتهاء الفعل؛ إذ تترك ذاكرة جماعية عميقة، وتعيد تعريف العلاقة بالأرض والآخر. وعندما تصبح الهوية معيارًا لتحديد مَنْ ينتمي إلى منطقة، ومَنْ يُنظر إليه باعتباره وافدًا أو عدوًا، تبدأ حدود التقسيم في الظهور داخل الوعي. ويعمّق خطاب الكراهية والعنصرية هذه القطيعة، ويجعل إعادة بناء الثقة أكثر صعوبة.

أما العامل الخارجي، فلا ينبغي اختزاله في وجود مشروع معلن لتقسيم السودان. فالمواقف الرسمية تتمسك بوحدة السودان، لكن استمرار تدفق السلاح والتمويل إلى أطراف الحرب يطيل أمدها، ويتيح إنتاج وقائع جديدة على الأرض. وقد تكفي المصالح المرتبطة بالذهب والموانئ وطرق التجارة والحدود والموارد لإنتاج ترتيبات نفوذ طويلة الأمد تخدم مصالح خارجية.

والأخطر أن العقل الخارجي بدأ تدريجيًا في التعامل مع السودان المنقسم باعتباره سيناريو ينبغي الاستعداد له. وعندما ينتقل السؤال من: “كيف ننهي الحرب ونستعيد الوحدة؟” إلى “كيف ندير التعايش بين مناطق النفوذ؟”، يتحول التفاوض من أداة لإعادة توحيد البلاد إلى آلية لتثبيت الواقع الذي أنتجته الحرب.

ولا تُعفى القوى المدنية من المسؤولية. فالدعوة إلى الوحدة تكتسب مصداقيتها بامتلاك موقف أكثر صرامة من الحرب، وبناء جبهة مدنية قادرة على الضغط لوقف القتال وفتح مسار سياسي جاد. ويقتضي ذلك التواصل مع طرفي الحرب، والضغط عليهما لإنهائها.

إن تكلفة التقسيم لن تقتصر على فقدان جزء من الأرض أو ظهور حكومتين متنافستين، بل ستعني دولًا أضعف، وحدودًا قابلة للصراع، ونزاعات على الموارد والجنسية والملكية والمياه، واقتصادات موازية قائمة على التهريب، وتنافسًا إقليميًا على الموانئ والممرات والثروات.

السودان لم يُقسَّم بعد، وهذه حقيقة ينبغي الحفاظ عليها حتى لا تتحول التحذيرات إلى نبوءة. لكن الحفاظ على وحدته يبدأ بوقف الحرب، وتفكيك اقتصادها، ورفض تحويل القوة العسكرية إلى شرعية سياسية، وفتح حوار سوداني لإفشال شروط التقسيم. ويبدأ ذلك بإعادة بناء فكرة السودان كدولة ومجتمع ومصير مشترك، وإنتاج وعي وطني وخطاب جامع، وتوحيد القوى المدنية حول مبدأ وحدة السودان وتحويله من شعار إلى التزام سياسي لا يخضع للمساومة، إلى جانب تحصين الدولة بمؤسسات قومية ومهنية، ونظام تعليمي وإعلامي يعززان المواطنة والهوية المشتركة. ولا يمكن بناء وحدة من دون عدالة ومصالحة تعيدان بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وتعالجان جذور الصراع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*