عبد الواحد محمد نور: لا سودان معافى ومستقر بوجود الكيزان
في الوقت الذي تتواصل فيه الحرب في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتتسع تداعياتها الإنسانية والسياسية، اجتمعت في أديس أبابا قوى مدنية سودانية مناهضة للحرب، في محاولة لتوحيد رؤيتها بشأن إنهاء الحرب وتأسيس مسار سياسي جديد يقود إلى دولة مدنية ديمقراطية.
يطرح رئيس حركة تحرير السودان عبد الواحد محمد نور رؤية تقوم على توحيد القوى المدنية المناهضة للحكم العسكري والإسلام السياسي، والدخول في حوار سوداني ـ سوداني، يستثني المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية ومن يرفضون التحول المدني الديمقراطي.
يرى نور أن الأزمة السودانية تتجاوز الحرب الحالية إلى جذور مرتبطة بشكل الدولة والهوية والعدالة وتوزيع السلطة والثروة، داعيًا إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد يراعي تنوع السودان، ويضع أسس دولة المواطنة وسيادة القانون.
في هذا الحوار، يتحدث نور عن اجتماع أديس أبابا، ورؤيته لمستقبل القوى المدنية، وموقفه من الجيش والدعم السريع، وشروط إنهاء الحرب، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وما يعتبره خسائر السودان خلال فترة حكم الإسلاميين، إضافة إلى موقف حركة تحرير السودان من الحرب وأوضاع النازحين في مناطق سيطرتها.

في أديس أبابا التقى أكبر تجمع مدني سوداني مناهض للحرب. كيف تنظرون إلى هذا اللقاء، وما الذي يمكن أن يحققه؟
القوى المدنية مكانها الطبيعي أن تكون في مقدمة المشهد، وثورة ديسمبر هي مشروعيتنا، وشارك فيها الشباب من الجنسين، والنساء، وكل قطاعات الشعب السوداني، وأن يأتي العسكر ويقوموا بانقلاب، فهذا أمر غير مقبول.
هذا الاجتماع والتجمع هو تتويج لجهد الثوار، ونريد أن نتوسع بحيث تشارك كل المكونات الموجودة وتساهم في إيقاف الحرب وإنهائها.
تحدثتم عن ضرورة توحيد القوى المدنية. ما شكل هذه الوحدة التي تدعون إليها؟
يجب أن نتوحد كمدنيين ضد الحكم العسكري المستبد والإسلام السياسي، وأن نجلس في حوار سوداني ـ سوداني. نحن في حركة تحرير السودان دعونا إلى هذا الحوار، بحيث نجلس كسودانيين ونتفق على شكل الدولة التي نريدها.
يجب أن تجلس التنظيمات السياسية، وحركات الكفاح المسلح، ومنظمات المجتمع المدني، والإدارة الأهلية، والمهنيون، ونتفق أولًا على المعايير التي تحدد هذه المكونات، حتى تأتي كل مكونات ثورة ديسمبر، باستثناء المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية ومن يرفضون هذا المسار.
هل تعتقد أن القوى المدنية قادرة فعلًا على تجاوز خلافاتها وتشكيل جبهة واحدة؟
هذا هو التحدي، لكن لا بد من الحوار. لا يمكن أن نبني دولة جديدة ونحن مختلفون حول الأساس الذي ستقوم عليه. نريد أن نؤسس للدولة السودانية الجديدة التي نريدها.
عندما تتحدثون عن الدولة السودانية الجديدة، ما شكل هذه الدولة التي تنشدونها؟
نحتاج إلى الإجابة عن سؤال: من نحن السودانيون؟ نحن عرب وأفارقة، مسلمون ومسيحيون وأصحاب معتقدات أفريقية، ومن كل مناطق السودان وجغرافيته، ومن هذا التنوع يجب أن نخلق هوية سودانية تخصنا جميعًا، حتى لا تكون هناك مشكلة هوية لدى أي مواطن.
هل تعتقد أن أزمة الهوية كانت أحد أسباب الحروب المتكررة في السودان؟
بالتأكيد، نحن دولة غنية جدًا بمواردها وجغرافيتها، ومع ذلك يعيش شعبها تحت خط الفقر. وأسباب الحروب معروفة، وعلينا أن نخاطب كل هذه المشاكل، ونتفق على شكل الدولة وإدارتها والطريقة التي نريد أن نحكم بها السودان.
السودان دولة كبيرة كالقارة، ورغم انفصال الجنوب، ما زالت لدينا دولة كبيرة ومتنوعة، والسؤال هو: كيف نستطيع أن ندير هذا التنوع معًا، وأن يكون الجميع شركاء فيها؟
ما موقفكم كقوى مدنية من المرحلة المقبلة؟
كمدنيين عندنا مشروعية، والمدنية خيار الشعب، و«العسكر للثكنات والجنجويد ينحل» هو شعارنا.
لكنك قلت إنك ضد شعار «الجيش للثكنات». لماذا؟
أنا ضد هذا الشعار. الجيش السوداني هو الميليشيا، وهو الذي فصل الجنوب وقتل عددًا كبيرًا من الجنوبيين، وأُسس في عهد المستعمر، وكان اسمه قوة دفاع السودان، وخرجوا وحاربوا في المكسيك وأمريكا اللاتينية.
إذا كنت ترفض شعار «الجيش للثكنات»، فما الجيش الذي يحتاجه السودان؟
عبد الواحد محمد نور: نحتاج إلى جيش وطني، تكون عقيدته القتالية هي الدفاع عن الشعب السوداني وأرض السودان ودستور السودان. للأسف، هم ضد هذه الأشياء كلها، وولاؤهم ليس للشعب السوداني، بل لجهات أخرى، وهم ضد الشعب السوداني.
كيف يمكن إنهاء الحرب الحالية؟
نطلب من طرفي الحرب أن ننهي أسباب الحرب بواسطة عقد اجتماعي جديد، ولن يتم ذلك عن طريق الكيزان.
هل تعتقد أن أي حوار تقوده السلطة الحالية يمكن أن يقود إلى سلام حقيقي؟
لا. حتى حوار البرهان لا يستطيع أن يعمل حوارًا حقيقيًا، وإذا عمله فسيكون حوارًا مشوهًا.
نحن دعونا إلى حوار سوداني ـ سوداني، يجلس فيه السودانيون مع بعضهم، ويتفقون على الدولة التي يريدون بناءها.
ما الشروط التي يجب أن تتوفر في أي عملية سياسية مقبلة حتى تكون مقبولة بالنسبة لكم؟
أن تكون شاملة، وتخاطب جذور الأزمة، وأن يشارك فيها السودانيون الحقيقيون، وأن نصل في النهاية إلى وقف الحرب وإنهائها، واستعادة ثورة وحكومة ديسمبر، ثم الانتقال المدني الديمقراطي الذي ينتهي بانتخابات حرة ونزيهة، وبعدها دولة حكم مدني يرى كل السودانيين أنفسهم فيها.
تحدثتم عن ضرورة معالجة جذور الأزمة. أين تضعون ملف العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم؟
الجرائم التي ارتكبها الإسلام السياسي وحكوماته، والانقلابات التي حدثت، يجب أن تخضع للمحاسبة. نحن في حركة تحرير السودان نرى أن أي شخص ارتكب جريمة يجب أن يُقدَّم للمحاكمة، أيًا كان.
وإذا ارتكبت أنا، عبد الواحد محمد نور، جريمة في حق أي مواطن سوداني، فمن حق هذا المواطن أن يقاضيني. المواطن له الحق في دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون، والعدالة لا تستثني أحدًا.
هذا يقودنا إلى الجرائم التي ارتُكبت في الحرب. قوات الدعم السريع ارتكبت خلال الحرب الحالية جرائم موثقة. هل تطالبون بمحاسبة مرتكبيها؟
نريد أن نخلق دولة قادرة على سيادة القانون، ولديها الأدوات اللازمة لتنفيذ القانون. وطالما أننا لا نستطيع تشكيل دولة بهذا الشكل، فهذه ليست دولة حقيقية، وأي شخص ارتكب جريمة قتل أو اغتصاب يجب أن يُقدَّم للمحاكمة.
لكن السودان عرف الإفلات من العقاب لعقود، كيف يمكن كسر هذه الحلقة؟
أزمة السودان أن الجرائم الكبيرة تتكرر لأنه لا توجد محاسبة، وهناك إفلات من العقاب، وحان الوقت لأن تكون حكومة الثورة المدنية حكومة لا يفلت فيها أحد من العقاب، مهما كانت الظروف.
وحتى لا يكون هناك استثناء، يجب أن نبدأ بأنفسنا، بأحزابنا وحركاتنا، ثم بعد ذلك على مستوى عامة الشعب.

س: ماذا خسر السودان من تجربة الإسلام السياسي؟
عبد الواحد محمد نور: خسر كل شيء. خسر وحدته بانفصال جنوب السودان. كانت المشكلة في الجنوب سياسية، وعندما تولى الإسلام السياسي الحكم، جعلها مشكلة دينية وعرقية وحربًا مقدسة، وحكم وحارب شعبه ووصفهم بأنهم كفار.
وفي دارفور، رغم أن أهلها مسلمون، مارس الكيزان القتل وأُبيدوا وارتكبوا في حق أهل دارفور جرائم حرب. لدى الكيزان، إذا لم تكن معهم فأنت كافر.
كما أنهم قطعوا أوصال البلاد، وسيّسوا القبائل وجعلوها وعاءً سياسيًا، بل وقسموا القبيلة الواحدة.
س: وما أثر ذلك على مؤسسات الدولة؟
بعد ثورة ديسمبر، قال السودانيون: «أي كوز ندوسو دوس» و«لا لحكم العسكر»، لكن الدولة العميقة ظلت موجودة، بما فيها الجيش. أي ضابط لم يكن إسلاميًا أُقيل، وأصبح الجيش بنسبة كبيرة تحت سيطرة الإسلاميين، وكذلك الخدمة المدنية، حيث أُقيلت الكفاءات الوطنية تحت مسمى الصالح العام، وأُتي بالإسلاميين، وتسلطوا على الجميع، ونحن تمردنا على هذا الوضع.
كما خسر السودان تنوعه وموارده، والسلطة الحالية تحميها جهات أخرى تنهب موارد السودان لحماية وجودها في السلطة.
هل يعني ذلك أنكم ترون أن إنهاء الحرب وحده لا يكفي؟
نحن في الحركة نقول إنه لا يوجد سودان معافى ومستقر بوجود الكيزان، ونقول للشعب السوداني: إذا كان الكيزان في السلطة، فلن نوقف نضالنا.
يجب أن يتوحد السودانيون كما توحدوا في ثورة ديسمبر وخلعوا البشير، رغم أن الثورة اختُطفت حينها ولم تصل إلى نهايتها المنطقية.
المطلوب الآن أن تأتي وحدة الشعب السوداني بنهايتها المنطقية، وأن تنهي دولة الكيزان والدولة العميقة، وتبني دولة الشعب السوداني، دولة المواطن.
أعلنت حركة تحرير السودان موقفها المحايد من الحرب. ماذا يعني هذا الحياد عمليًا؟
موقفنا واضح: نحن محايدون وضد الحرب. وقد بدأت الحرب في الخرطوم، وفي مناطقنا المحررة لا تشهد المناطق قصفًا بالطيران أو المدفعية أو المسيّرات، ولهذا جاء إلينا الناس من الخرطوم والجزيرة ومدن السودان المختلفة بحثًا عن الأمان.
تحدثت عن وصول أعداد كبيرة إلى مناطق الحركة، هل استقبلتم أيضًا مقاتلين من الجيش؟
بعد الحرب انتسب إلينا أكثر من عشرة آلاف جندي من الجيش، وحوالي مئة ضابط. ونحن اتخذنا معهم قرارًا بتسليم السلاح وخلع الزي العسكري، ومن يريد العودة إلى مناطقهم سمحنا لهم بالعودة، ومن أراد البقاء بقي.
وماذا عن المدنيين الذين لجأوا إلى مناطق سيطرتكم؟
جاء إلينا مواطنون من مناطق بعيدة في دارفور بحثًا عن الأمان، والنازحون ليسوا ضيوفًا لدينا؛ فمن حقهم التواجد في أي من الأراضي المحررة التي ترحب بهم، ويقدم أهلها المساعدة لهم.
لكن مشكلتنا الآن أنهم يحتاجون إلى الخدمات، وليس لدينا الإمكانيات الكافية لتوفير المخيمات والغذاء لهم. العدد كبير جدًا وبالملايين، وأصبح كثير منهم بلا طعام أو مأوى.
س: تتحدثون عن ملايين النازحين. ما تصوركم لمعالجة أوضاعهم بعد الحرب؟
نحن نتحدث عن النازحين واللاجئين وطريقة تعويضهم. لدينا نازحون قدامى في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة، وهناك نازحون جدد بسبب الحرب الحالية.
يجب أن تكون هناك آلية لتعويض الناس نفسيًا وماديًا، ومعالجة الجرائم التي ارتُكبت، وتحقيق العدالة.
ما الأولوية بالنسبة لكم في المرحلة المقبلة: وقف الحرب، أم معالجة جذورها، أم بناء الدولة؟
كلها مترابطة. نريد أولًا أن نصل إلى وقف الحرب وإنهائها، ثم نستعيد ثورة ديسمبر والحكومة المدنية والانتقال الديمقراطي، ونبني دولة المواطنة التي يرى فيها كل سوداني نفسه.
وأنت تعمل في العمل العام منذ سنوات طويلة، من الذي يقيّم تجربتك السياسية؟
أنا أعمل في العمل العام، والسودانيون أنفسهم هم من يقيّمونني.
وما الذي تريد أن يحكم به السودانيون على تجربتك في نهاية المطاف؟
أريد أن يحكموا عليها بما قدمته للسودان، وبما إذا كنا قد ساهمنا في الوصول إلى دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون والديمقراطية.


