المؤرخ نعوم شقير في الميزان (بمناسبة مرور ثمانية عشر عاماً على رحيل البروفيسور أبوسليم)

المؤرخ نعوم شقير في الميزان (بمناسبة مرور ثمانية عشر عاماً على رحيل البروفيسور أبوسليم)
  • 27 يوليو 2022
  • لا توجد تعليقات

أحمد إبراهيم أبوشوك

المهندس أبوعاقلة سليمان، الخبير في إدارة التطوير العمراني بدولة قطر، له اهتمام واسع بتاريخ السُّودان، وقراءات متفرقة في نواحيه، آخرها الطبعة المترجمة لكتاب القِسّ أهرولدر، عشر سنوات في سجن المهدي. وفي أثناء عرضه وتعليقاته على ما جاء في هذا الكتاب في إحدى الجلسات الإخوانية السامرة، سأل سؤالاً مشروعاً عن مدى صدقية ومرجعية كتاب نعوم شقير، جغرافية وتاريخ السُّودان؟ وبسؤاله هذا ذكَّرني بورقة جيِّدة الصنِّعة، قدَّمها البروفيسور محمد إبراهيم أبوسليم (ت. 2004م) في الاحتفال المئوي العالمي للثورة المهدية، بعنوان: “نعوم شقير مؤرخاً”، الخرطوم، 1981م؛ ونشرها لاحقاً ضمن مجموعة مختارة من أوراق المؤتمر التي حررها الدكتور عمر عبد الرازق النقر، بعنوان: “دراسات في المهدية”، الخرطوم: دار النشر جامعة الخرطوم، 1982م؛ ثم أعاد نشرها في كتابه الموسوم بـ “أدباء وعلماء ومؤرخون في تاريخ السُّودان”، بيروت: دار الجيل، 1991م. وفي الجزء الخاص بتصويباته واستدراكاته لكتاب نعوم شقير، يقول البروفيسور أبوسليم: “ليس الغرض من ذلك، الحط من مقدرة نعوم، وقدر كتابه، وإنما نبغي من وراء ذلك خدمة الحقيقة، وفي بالنا أنَّ المئات من الطلاب، وأساتذة التاريخ، وجمهور القراء، يعتمدون على هذا المؤلف، ويرجعون إليه. ومن حق هؤلاء علينا أن ندلهم على مواضع الخطأ … نستدرك بالتعليق بعض ما فاته [أي شقير]، أو غمض عليه، أو كان عجلاً فيه.”
وبهذا الاستهلال الفَطِن شرع أبوسليم في تشريح كتاب نعوم بشارة شقير، تشريحاً أكاديمياً ناضجاً، مهَّد له بالخلفية الأسرية للمؤلف، الذي وُلُد بقصبة الشويفات بلبنان حوالى عام 1864م، وأكمل تعليمه الجامعي في الكلية الإنجيلية السوريه (الجامعة الأمريكية بيروت لاحقاً) عام 1883م، وبعد تخرجه هاجر إلى مصر، حيث التحق بخدمة الجيش الإنجليزي، ثم تحوَّل إلى خدمة الجيش المصري، وفي عام 1889م التحق بمخابرات الجيش المصري، وكانت مهامه الرئيسة تتمثل في جمع المعلومات الاستخباراتية الخاصة بالدولة المهدية. ومنذ عام 1901م إلى تاريخ وفاته بالقاهرة عام 1922م ألَّف شقير مجموعة من الإصدارات الموسوعية القيمة، أهمها تاريخ السُّودان القديم والحديث وجغرافيته، الذي صدرت طبعته الأولى في ثلاثة أجزاء في القاهرة عام 1903م، وصدرت الطبعتان الثانية والثالثة عن دار الثقافة ببيروت، بعنوان: “جغرافية وتاريخ السُّودان”، تباعاً في عامي 1967م و1972م؛ أما الطبعة الرابعة، التي قدم لها البروفيسور أبوسليم، فصدرت عن دار الجيل ببيروت، عام 1981م، لكنها أسقطت الجزء الخاص بجغرافية السُّودان؛ وبعد أن نفدت طبعتها من أسواق الكتاب العربي، أصدرت دار عزة للنشر والتوزيع بالخرطوم طبعة خامسة وكاملة للكتاب، بشقيه الجغرافي والتاريخي، مع مقدمة للبروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه، وذلك في عام 2007م. يبدو أن أهمية هذا الكتاب قد دفعت أبو سليم إلى القول:

“يحتل كتاب نعوم شقير، تاريخ السُّودان القديم والحديث وجغرافيته، أهمية خاصة بين المؤلفات التي تتناول تاريخ السُّودان، وقد ظل هذا المؤلف رغم توالي الأعوام، وتبدل الحال، وتقدم الدراسات السُّودانية، مرجعاً لا يستغنى عنه. وهو يضع بين يدي القارئ الحقائق الأساسية عن السُّودان وأهله، من أقدم عصور التاريخ إلى الوقت الذي انتهى طبعه فيه، وهو نهاية السنة الثالثة [من القرن العشرين]. ويعتبر الكتاب بحق خزانة كبرى؛ للحقائق والبيانات الجغرافية، والتاريخية، والبشرية، والثقافية. وقد جاء وضعه بعد أن صدرت بوحي المخابرات المصرية، بقيادة الجنرال ونجت، وبعونها المباشر، عدة كتب، وصفت أحوال المهدية وأخبارها بعداء ظاهر، حيث يمكن أن تُعدُّ دعوة صريحة لغزو السُّودان، وإسقاط المهدية. فلما جاء كتاب نعوم كان الوقت قد تغير، وحلَّ المؤرخ محل الداعي، وأضحى الهدف من التأليف هو التاريخ، فتعدلت صورة المهدية على يدي نعوم، عمَّا كانت عند ونجت، وأهرولدر، وسلاطين، بدرجة محسوسة. وقد لون هذا الكتاب أفكار الناس وآراءهم حول المهدية، وجرت آراء نعوم وتقريراته بين سطور المؤرخين، ولم يتسن لقارئ التاريخ أن يقف على ما يجانبه؛ إلا بعد أن ظهر التيار الجديد من المؤلفات، بدءاً بالسُّودان في قرن للمرحوم مكي شبيكة.”

وحسب طبعة بيروت لعام 1972م، يشغل فهرس كتاب نعوم شقير بأجزائه الثلاثة، وأبوابه، وفصوله 8 صفحات؛ وديباجته أيضًا 8 صفحات. يتكون الجزء الأول من 244 صفحة، والجزء الثاني من 148 صفحة، والجزء الثالث من 688 صفحة، والملاحق من 15 صفحة، وتصويب الأخطاء من صفحتين، وفهرس الأعلام والموضوعات من 32 صفحة. وبذلك يفوق عدد صفحات الكتاب 1145 صفحة، يتناول جزءها الأول جغرافية السُّودان الطبيعية، والبشرية، والإدارية؛ ويتحدث الجزء الثاني عن تاريخ السُّودان القديم؛ أما الجزء الثالث فموضوعه تاريخ السُّودان الحديث، الذي يبدأ بالحكم التركي المصري (1821-1885م)، ويتوسط ذورة سنامه تاريخ المهدية (1881-1898م)، و تتبلور خاتمته فيما أطلق عليه المؤلف “حملات استرجاع السُّودان”، العنوان الذي بخسه أبوسليم، ووصفه بأنه “لفظ كريه، ابتدعته المخابرات لتبرير الغزو”.

إذاً ما تقييم البروفيسور محمد إبراهيم أبوسليم لكتاب نعوم شقير؟
يتشكل تقييم البروفيسور أبوسليم لكتاب تاريخ السُّودان القديم والحديث وجغرافيته في أربعة محاور، وخاتمة. يتناول المحور الأول البيئة السورية-الأرثوذكسية التي نشأ فيها المؤرخ شقير، وانعكاسات ذلك على توثيقه لتاريخ السُّودان، وطبيعة علاقته بالطرف الآخر الذي وثَّق له، أو بلغة ابن خلدون، مدى وعيه بواقع العمران البشري الذي تعامل معه في السُّودان. ويجيب أبوسليم عن هذا التساؤل في المحور الثاني الخاص بولاءات شقير، ورؤيته للشعب السُّوداني، قائلاً: شقير “لم يعرف السُّودانيين عن كثب، ولا خبرهم بشكل مباشر، وإنما عرفهم بوحي ما قرأ، وما سمع، والقليل الذي رأي، وقد كانت نظرته عموماً نظرة متعالية، نظرة متحضر في قوم غير متحضرين، وهي نظرة ورثها عن جاليته، وعن المصريين، بل ومن المخابرات التي ظلت تعكس أحوال السُّودان بلون مغرض. وقد تسامح قليلاً مع المجتمع الشمالي العربي، بحكم رابطة اللغة، والوشيجة العربية، والتراث العربي؛ ولكنه كان فظًا مع غير العرب.” إذ يصف السود بقوله: “أما قواهم العقلية فقاصرة جداً، وترقيهم محدود، وهيئتهم تُؤذن بالهمجية … وأسوأ ما في أخلاقهم العناد، وجفاء الطبع، وقلة التدبير والحزم”. وهذه النظرة النمطيه الخاطئة قد ورثها شقير من المدونات العربية القديمة التي وقف عليها. أما إطراءاته لمصر وطنه الثاني، وخديويها الحاكم بأمره وأمر المستعمر البريطاني، وقلم مخابراتها الضالع في الشأن السُّوداني، فقد كانت إطراءات مصلحية؛ ألقت بظلالها السالبة على بعض جوانب تاريخ السُّودان وجغرافيته، لكنها لم تفسد تماماً الحجة التي أسسها عليها شقير مفردات مشروعه لتأليف كتاب عن السُّودان.
وتقودنا هذه الجزئية إلى المحور الثالث من تقييم البروفيسور أبوسليم، الذي أشار فيه إلى وجاهة منطلقات شقير وموضوعيته بشأن تأليف تاريخ السُّودان وجغرافيته، ويستشهد في ذلك بنصوص مختارة من مقدمة شقير، جاء فيها:

“شوقني الاشتراك في الوقائع إلى معرفة تاريخ السُّودان وجغرافيته، فتصفحت كتب التاريخ والسياحات التي تبحث في السُّودان صريحاً، أو عرضاً، من قديمه وحديثه، إفرنجية وعربية، مطبوعة وغير مطبوعة، ومازجت الأهلين على اختلاف طباقاتهم، وأجناسهم في مصر والسُّودان، فاختبرت عاداتهم وأخلاقهم، وأخذت عن ثقافتهم ما علموه من تاريخ بلادهم، مما خبروه بأنفسهم، أو حفظوه عن آبائهم حتى أنه لم يكد يبقى أثر عن السُّودان في ذاكرة أهله وفي الكتب إلا اطلعت عليه، واثبته في محفوظاتي الخاصة. فاجتمع عندي مطول ضخم جامع لكل ما ترام معرفته عن أحوال السُّودان، مما يوجد في كتاب واحد من الكتب العربية، أو الإفرنجية، بل ليس منه العربية إلا رسائل متفرقة أو نبذ خاصة من مباحث التاريخ أو الجغرافية … لأدباء السُّودان ولع شديد في حفظ آثارهم، والوقوف على تاريخ بلادهم، ولم يتسن لأحد منهم إدراك هذه الأمنية. وكان الكثيرون من أهل مصر، وغيرهم مهتمين للوقوف على حقيقة حال السُّودان.”

وبناءً على هذا النص المقتبس من مقدمة شقير يثمن أبوسليم نبل المقصد، ووجاهة الرأي، وسلامة الإحساس الشخصي للمؤرخ نعوم شقير، الذي تحمَّل مسؤولية إعداد كتاب عن تاريخ السُّودان وجغرافتيه، لكنه يُقرّ بأن التقييم الموضوعي للكتاب لا يتمَّ دون النظر في المصادر التي أعتمد عليها المؤلف، والآليات التي استخدمها في تفسير تلك المصادر، علمًا بأن المصدر يظل مقدسًا من حيث المعلومات التي يحويها؛ ولكن تفاسيره تختلف، حسب تأهيل المؤرخ، وتحليله الموضوعي للأحداث، وبُعده عن التشيع للآراء والمذاهب، ومعرفته بمقاصد الأحداث، وإلمامه الواسع بطبائع العمران البشري التي يتعامل معها.
وينطلق أبوسليم من هذه الملاحظات إلى المحور الرابع، المرتبط بمصادر كتاب نعوم شقير، التي يعتبرها أبوسليم أحد آليات تقويم الكتاب، وعليه يصف مصادر معلوماته عن التاريخ القديم، وتاريخ مملكتي النوبة، والنصرانية، والبجة في شرق السُّودان بأنها متواضعه؛ لأنها اكتفت بالمراجع العربية والإنجليزية، وكتب التراث الإسلامي التي كانت متاحةً للمؤلف آنذاك. وضيق وعاء المصادر جعل أبوسليم يصف عرض شقير لتاريخ السُّودان القديم والوسيط بأنه عرضٌ ضامرٌ، وخالٍ من أساليب التحليل والمقارنة؛ لأنه حصر نفسه في الجمع، والعرض المسلسل، وإعادة الصياغة الأسلوبية. ويضاف إلى ذلك، قلة معرفة شقير بتاريخ السُّودان القديم والوسيط، لذلك “كانت أهمية هذا الطرف من تاريخه أهمية محدودة، وقد أخذه منه الزمن الآن، ففقد الكثير من قيمته”. وهنا يشر أبوسليم، من غير افصاحٍ، إلى الدراسات الأكاديمية اللاحقة التي تناولت تاريخ السُّودان القديم والوسيط، بمعرفة أكاديمية ثاقبة، وإلمام بالمصادر المتاحة، ومناهج البحث الحديثة، ونذكر منها على سبيل المثال أعمال الأساتذة الأجلاء محمد علي أحمد الحاكم، وعلي عثمان محمد صالح، والأب فانتيني، ويوسف فضل حسن، وجي أسبولدنق، وركس شون أوفاهي.
أما مصادر شقير عن التاريخ التركي المصري في السُّودان، فيصفها أبوسليم باستقامة الحال مقارنة مع سابقتها؛ لأن شقير حسب وجهة نظره قد خرج من دائرة النقل والتلخيص إلى درجة أسمى، عكست سمو معرفته بتاريخ ذلك العصر، فضلاً عن إفادته من كتب الرحالة، والروايات الشفوية التي كانت متداولة في تلك الفترة، لكن أبوسليم أخذ عليه عدم استئناسه بوثائق العهد التركي التي كانت مودعة في القاهرة آنذاك.
فيما يختص بتاريخ المهدية، يُقر أبوسليم أن نعوم شقير قد اعتمد في عرضه على طرفٍ من وثائق المهدية، والروايات الشفوية، وملاحظاته الخاصة، وذلك بحكم موقعه في إدارة المخابرات المصرية؛ إلا أن توظيفه لتلك المصادر كان محل نظر بالنسبة لأبي سليم، الذي قطع القول بأن علمه بوثائق المهدية لم يتعد الوصف الخارجي، وإنه لم يوظف تلك الوثائق بالقدر المطلوب في البحث العلمي. ويعزى أبوسليم هذا القصور في توظيف الوثائق إلى ثلاثة أمور رئيسة. أولها قصر المدة بين عثور نعوم شقير على الكم الهائل من وثائق المهدية وتأليف كتابه؛ وثانيها أن شقير نفسه لم يأخذ بمنهج توظيف الوثيقة في كتابة التاريخ؛ وثالثها ميله الواضح للروايات الشفوية التي كان معظم رواتها من الساخطين على المهدية. ولذلك يقول أبوسليم أن شقيراً لو وظف ما حصل عليه من الرواة، وجمعه من المؤلفين، وحلل ما جاء في الوثائق تحليلاً موضوعيًا “لبلغ كتابه مبلغ الاستقامة والكامل”.
ومن الناحية المنهجية، يصف أبو سليم منهج نعوم شقير في كتابة الكتابة، بأنه منهج غير متخصص، مال صاحبه إلى التاريخ السياسي، وأغفل الحديث عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المحيطة بكل حدث سياسي، واكتفى بتوظيف ظاهر لوثائق المهدية؛ فغاب عنه البُعد الداخلي، لذلك لم يستوعب المفهوم الديني للثورة المهدية، فغلب عليه حدسه الديني الأرثودكسي، فجعله يذهل عن مقاصد بعض الأحداث التي وقعت في المهدية. لكن ضعف المنهجية في كتابة تاريخ السُّودان القديم والحديث لم يمنع أبوسليم القول بأن نعوم شقير كاتب “متمرس … حصل على قدر عظيم من البيانات عن الموضوعات التي كتب فيها، وخبر تفاصيلها. وهو يورد كل ما يصل إليه بأمانة، ودقة … وقد أحسن العرض والصياغة. ومن هنا فإن تاريخه جاء خزانة كبرى للحقائق. لا يمكن لأي منصف أن يغفل عن هذا الذي بلغه نعوم، ولا لأي مطلع أن يتغاضى عما كتب.”

خاتمة
بعد هذا العرض لتقييم البروفيسور محمد إبراهيم أبوسليم لكتاب تاريخ السُّودان القديم والحديث وجغرافيته، تبقى لنا الملاحظات الآتية:
أولاً: أنَّ كتاب نعوم شقير مصدر مهم في تاريخ السُّودان الحديث (التركية، والمهدية والحكم الثنائي)، لايمكن الاستغناء عنه؛ لأن مؤلفه كان شاهد عيانٍ على بعض الأحداث والقضايا التي وقعت في ذلك العصر، وأحداث أخرى نقلها عن معاصريها، أو بعض الذين اشتركوا في صياغتها، فضلاً عن أنه نقل بعض الوثائق المرتبطة بتاريخ العهد التركي المصري، والمهدية، وبواكير الحكم الثنائي في السُّودان.

ثانياً: أنَّ كتاب نعوم شقير موطن جدل واسع في بعض الأحداث المرتبطة بتاريخ المهدية؛ لأن مؤلفه تأثَّر إلى حدٍ ما بواقعه الفكري والديني عندما نقل بعض الأحداث المتعلقة بتاريخ المهدية، إضافة إلى إن بعض رواياته تأثرت بالمحيط الاستخباري الذي نشأت فيه، وبعضها لم تُفسر بآليات أكاديمية في إطار واقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ إلا أن هذه الاخفاقات قد تجاوزها الزمن؛ لأن المدرسة التاريخية السُّودانية الحديثة قد خطت خطوات واسعة تجاه تحليل الموضوعات التي تناولتها، والمناهج الأكاديمية التي اتبعتها في تفاسير الأحداث التاريخية، وإعادة تركيبها وفق معطيات الواقع المحيط بها، وفوق هذا وذاك استند معظمها إلى كمٍ هائلٍ من الوثائق التاريخية المكتوبة، والمصادر الشفوية المتنوعة. وبالنسبة للموضوعات والتناول الأكاديمي، نلحظ ذلك جليَّا في كتابات البروفيسور ب. م. هولت، والبروفيسور محمد إبراهيم أبوسليم، والبروفيسور محمد سعيد القدال، وآخرين؛ أما وثائق المهدية فقد استقام ميسمها عند أبي سليم، الذي جمعها، وحققها، وعلَّق عليها في أسفار متعددة، أجلَّها مقاماً كتاب الآثار الكاملة للإمام المهدي، الذي وضعه في ستة مجلدات، ومجلد سابع لفهارس الأعلام، والأماكن، والموضوعات المفتاحية.

ثالثاً: إنَّ مرجعية كتاب نعوم شقير تختلف عند قارئين، أحدهما المؤرخ الذي يستطيع أن يوظف معلومات شقير بطريقة أكاديمية-مهنية، تنقيها من شوائب الغرض، وتضعها في مسارها التاريخي السليم، ثم تعالج مفرداتها وفق معطيات الظروف التاريخية التي نشأت فيها؛ أما القارئ غير المتخصص، فيوظف بعض المعلومات حسب تطلعاته السياسية والاجتماعية، وأجندته الخاصة أحيانًا؛ لذلك نجد بعض القراء يشتط في تقييم كتاب شقير، ويصنِّفه ضمن ما انتجه قلم المخابرات المصرية في سبيل القضاء على المهدية وأنصارها، فلا جدال أنَّ مثل هذا التصنيف تصنيف مجحف؛ لأن كتاب شقير يزخر بمعلومات قيِّمة ومفيدة، وإن اختلفنا مع شقير في تفسير بعضها.

رابعاً: إنَّ الدعوة لإعادة كتابة تاريخ السُّودان، دعوة جوفاء، تظهر مع ظهور الأنظمة الشمولية التي تهدف إلى توظيف عملية انتاج التاريخ لمصلحة مسارها السياسي؛ علماً بأن عملية كتابة التاريخ عملية دائمة ومستمرة، يتسع فضاؤها حسب توفر المصادر التاريخية وتنوعها، وتجدُّد المناهج البحثية القادرة على استنطاق المصادر، وإعادة النظر في قراءات الأولين؛ لأن إثبات حقيقة المصدر التاريخي لا ينفي تعدد تفاسير الحدث التاريخي الواحد في المصدر المثبوت، إذا أخذنا في الحسبان أنَّ كتابة التاريخ ليست استنساخاً للماضي، بل إعادة تركيب لمفرداته وفق معايير وآليات أكاديمية تجعلها أقرب إلى الواقع والصواب.

التعليقات مغلقة.