متى تسدد أرض النوبة دين الشهداء ؟!

متى تسدد أرض النوبة دين الشهداء ؟!
  • 29 سبتمبر 2022
  • لا توجد تعليقات

محمد يوسف وردي

وهكذا ، هادئا يخرج الشهيد عبد الحكم يوسف من عقبة فريق نحو الطرف الشمالى لجدى ، وهو ينشد آخر مزاميره المقدسة ، ذات الصرخة العاتية التى أطلقها فى فريق قبل 15 عاما وجددت ذكراها طيور النيل ..يتردد صداها اليوم فى وطن مهزوم يتكالب عليه الموت من كل جانب بتواطؤ ومجاملات بعض أبنائه وصمتهم العابر كالفضيحة ، تلتحم الصرخة بمضيق كدنتكار ورسومات الغابرين على صخورها وجزيرة العمدة وأشجار النخيل حيث مراتع الطفولة والصبا والذكريات الخالدة مع النيل فى قيلولته الهادئة وهو يبسط السكينة والرضا أو فى زمجرته وهو يقتلع الجروف ثم يعود ناعما بعد أن يرتوى بالدم !!
كانت صرخة شهيدنا التى نزعت الخوف من العيون ، فى مسيرة يوم الرابع والعشرين من أبريل من تلك السنة الكبيسة فى فريق تقول بأن رعبا أكبر من ذلك الذى حدث سوف يجيء لكن لم يصدقه أحد ، وفى تصورى أنه اذا قدر لهذا العملاق -بسخائه وايثاره الذى بلغ حد تقديم روحه من أجل كرامتنا ولكونه مندوب جرح لا يساوم على رأى محمود درويش ، ولأنه يتفهم روح قومه ويعرف ماذا يؤثر فيهم ويثير انتباههم ويخاطب عقولهم – أن يخرج رأسه من التابوت ليقول كلمة أخيرة فى وجه قومه، ربما اختار كلمات حارقة وفاجأنا بالقول : متى تسدد ارض النوبة دين الشهداء ؟؟
إعتبارا من العام القادم سيضم التأبين السنوى لشهداء كجبار شهيدا جديدا ، خمسة عمالقة جعلوا من عظامهم جسرا ليعبر أهل النوبة من ظلام الاضطهاد والقمع والجور الى شمس الحرية والكرامة ، ينضم عبد الحكم لقافلة الشهداء العظام الذين فتحوا طريق النصر وقدموا أرواحهم الغالية لكى يعيش النوبة مرفوعى الراس ، لقد رفعوا راية النوبة لكى تكون شاهدة على عزة أبنائها .. ولا توجد شجاعة أعلى من قبول الموت ، لذلك ستبقى شمسهم مشرقة لا تغيب وستمتد ثمار تضحياتهم الى القادمين جيل وراء جيل .
وينبغى ، ونحن ننحنى اجلالا لروح عبد الحكم ورفاقه أن نستصحب مآثرهم وافكارهم التى لم تدفن مع أجسادهم،
وألا ننسى أنهم كانوا شبابا صنعوا قواعد راسخة فوق الأرض ( مركز الثقل ) لايمانهم بأن القواعد هى التى تناضل وتصادم وتدفع الثمن وتصنع التغيير وأنهم كانوا يعرفون موضع الجرح ويتحركون برشاقة فى ميدان المعركة الموشح بوحدة الصف النوبى التى تقلق تجار القضية ، وكلها مسائل نفتقدها اليوم للأسف .. ليت ناسنا ياخذون العبر من سيرة هولاء العظماء – الذين لم يجاملوا اقرباءهم المؤيدين للسد ولم يترددوا، اذ ربما تبدد ضلالات الواقع المزرى الذى يعيشه النوبيون على كافة الأصعدة اليوم .
أصابت قوات نظام الرئيس المخلوع عمر البشير الشهيد عبد الحكم أثناء احتجاج سلمى ضد سد كجبار ومنذ ذلك الوقت ظل مشلولا يتعالج فى الداخل والخارج الى أن توقف قلبه أمس الأول متأثرا بمضاعفات الإصابة. وعلنا جميعا نشعر كم هو كثيف قلب كل واحد منا وهو يستذكر إصابة عبد الحكم ثم معاناته الطويلة بسبب الاصابة .لقد تركنا عبد الحكم وحدنا ليعبر الى الضفة الاخرى فيما قاتله حر طليق لأن حلم العدالة فى نظر دولتنا الفاشلة أمر غير مشروع.. فى وقت يعيش فيه كيزان المحس الذين – كانوا يريدون منا ان نعيش أذلة كالعبيد- لم يتيحوا لعبد الحكم ورفاقه سوى القهر والاضطهاد وآله الموت طلقاء كأن شيئا لم لم يكن حيث لا مساءلة ولا محاسبة !!
ولان الدم واحد والدمع واحد ، ولان شهيدنا مثل نجمة الليل التى ترشد من تاه عن الطريق ، سيأتى أطفال صغار فى سبو وجدى او صاى وحميد ولو بعد حين ، ينبشون ذكرى أوجاع كدنتكار ويتأرون لشهيدهم ويرفعون عقيرتهم ب ( يا نجيب حقهم يا نموت زيهم ) .
نذكر اليوم جميع شهداء كجبار ، والأمة التى تنسى عظمائها لا تستحقهم.خاصة وأننا نعيش وضعا شديد الخطورة يتطلب التماهى مع أرواح الشهداء لكى ينقلوا لنا عدوى الايمان بالنوبة ، فقد خدعنا بما فيه الكفاية وطعنا بما فيه الكفاية .
يا الهى الطيب كلما كتبنا رثاء تشققت وجوهنا وبحثنا عن دواء فى وجوه الشهداء.
ورغم ان حزننا اليوم مشبع بالاعتزاز بصرخة عبد الحكم فى ذلك اليوم المشئوم ( اركونقا فموقمون) لن نترك ارضنا ، بيد أنه حزن من يشعر بثقل المسئولية من جانب آخر ، لأن صرخته تلك تلتقى اليوم بصرخة وطن يعانى من صحارى ابوصارى ودلقو الى الدويشات وكل القرى التى يركض اهلها تحت غبار الزئبق الذى نذروا له .. ولو كان الامر بيدى لصنعت مشهدا رمزيا تاريخيا ، يحمل فيه الشباب من طلاب المدارس والجامعات وهم متشحين بالرايات السوداء تابوت عبد الحكم ليطوفوا به حول مواقع التعدين فى إيقاع جنائزي مهيب ، لعل وعسى يشعر المجرمون بالذنب فيتراجعون ويحس المناهضون بالخطر فيهحرون التكتيك .
الحق يا عبد الحكم ستكون مجهدا للناس فى الوقت الحاضر .ارجوك خذنا الى المستقبل !!
وسلام عليك مع الخالدين .
محمد يوسف وردى

التعليقات مغلقة.