غيابُ الحكيم.. واحتراقُ الوطن
في مثل هذه الأيام الكالحة، يعاودنا الحنين الموجع، وتنكأ الذاكرة جرحاً لم يندمل برحيل حكيم الأمة، وإمام الوسطية، وحادي الركب، الحبيب الإمام الصادق المهدي. رحل “الحقاني” والوطن في أمسّ الحاجة لصوت العقل، تاركاً خلفه فراغاً عريضاً لم يملأه أحد، وسودانا يترنح بين يدي عسكرٍ لم يحفظوا الأمانة، وساسةٍ أضاعوا البوصلة.
لقد ترك لنا الإمام وطناً كان يمسك جمره بيديه لئلا يحترق، فما إن غابت شمس حكمته حتى انفرط العقد، وهوى السودان في أتون حربٍ عبثيةٍ لا تبقي ولا تذر. إنها الحرب التي سعّر نيرانها أعداء الوطن، وتجار الدماء، “الكيزان” الذين ما شبعوا من التنكيل بهذا الشعب، فأحرقوا الأخضر واليابس انتقاماً من حلم الحرية، محولين أرض النيلين إلى ساحةٍ للموت والدمار.
اليوم، يقف الشعب السوداني يتيماً، ضائعاً، تائهاً بلا موجهٍ ولا نصير. غاب “الصادق” فغابت الحكمة، واستأسد الجهل، وصار المواطن الأعزل محصوراً بين سندان المليشيات ومطرقة الجيش، يدفع ثمن صراع الكراسي من دمه وأمنه وقوت يومه.
سلامٌ على روح الإمام في عليين، وعزاءٌ لهذا الوطن الجريح الذي يبحث في العتمة عن بصيص ضوءٍ كان يشعُّ من سراج الحكيم، ولا يجد سوى دخان البنادق وركام الذكريات..ومرارة النزوح واللجوء
رحم الله الإمام الحبيب الصادق المهدي، القامةٌ الوطنية والفكرية السامقة، ورجلٌ عاش للسودان ومات على محبته.
خمسٌ عجافٌ
خَمسٌ عِجافٌ مَضَتْ والقلبُ في كَمَدِ
والجُرحُ في مُهجةِ السُّودانِ لَمْ يَهْدِ
يا راحلاً، وَرُبُوعُ النِّيلِ باكِيَةٌ
تَنعَى “الإمامَ” عظيمَ الشَأوِ والسَنَدِ
يا “صادقاً” في زمانِ الزيفِ، مَعذِرَةً
إنْ قَصَّرَ الشِّعرُ في مَيدانِكَمْ وبَدِي
عِشْتَ النزاهَةَ ثوباً لا غُبارَ بِهِ
عَفَّ الضميرِ، نقيَّ الكفِّ واليَدِ
ما خُضْتَ في دمِ شعْبٍ كُنتَ تَعشقُهُ
كلا، ولا كُنتَ بالغوَّالِ والنَكِدِ
أبَيتَ حُكمَ طُغاةِ الجَيشِ في شَمَمٍ
وما رَكَنْتَ لِعَصفِ السيفِ والزَرَدِ
عَشِقتَ شُورَى الورى نهجاً ومَكرُمَةً
تَبني الديمُقراطَية صَرحاً عاليَ العَمَدِ
وكنتَ لِلمَرأةِ الحُرَّةِ عونا مُنتَصِراً
تَرعى الحُقوقَ بِلا مَنٍّ ولا صَدَدِ
لا فَرْقَ عِندَكَ في عِرْقٍ وفي نَسَبٍ
الكُلُّ في حِمى سودانِ الفِدا.. ولَدي
آثَرْتَ خَيرَ بِلادِ النِّيلِ مُحتَسِباً
وَجُدْتَ بالرُّوحِ قَبْلَ المالِ والوَلَدِ
يا حارسَ القِيَمِ المُثلى وَسَيِّدَها
ذكراكَ باقِيَةٌ رُوحاً بِمِلْءِ غَدِ
نَمْ في جِوارِ إلهِ العَرشِ مُبْتَهِجاً
فأنتَ في مَقعَدٍ للصِدقِ مُنفَرِدِ
نسأل الله الرحمة والمغفرة له ولجميع موتانا وموتى المسلمين.


