ماذا لو حدقتُ في داخل نفسي؟؟
▪️ماذا سيحدث إذا تجرأتُ، لا على مواجهة العالم، بل على مواجهة الداخل؟ نعم داخل نفسي ذلك المكان المكتظ بالأصوات المتناقضة، والوجوه التي أعرفها أكثر مما أعرف ملامحي في المرآة.
مساحة غير مرئية، لكنها الأكثر ازدحامًا وتأثيرًا، حيث تُصاغ القرارات قبل أن تُعلن، وتُولد الانفعالات قبل أن تُفهم.
▪️أنظر فأجد الحزين جالسًا في زاوية بعيدة، يحتضن خيباته بهدوء ثقيل.
ليس ضعيفًا كما يُظن، بل عميق الإحساس، يرى التفاصيل التي يعبرها الآخرون بلا اكتراث.
هو الذاكرة العاطفية، أمين التجارب المؤلمة، ومذكّر النفس بأن بعض الجراح لا تلتئم، بل تتحول إلى بصيرة صامتة.
الحزين لا يطلب الشفقة، بل الاعتراف بإنسانيته، وبحقه في الحضور دون إدانة.
وبالقرب منه يقف المتفائل، مبتسمًا بلا سبب ظاهر، يلوّح بفكرة النجاة مهما اشتد العصف.
لا ينكر الألم، لكنه يرفض أن يمنحه القيادة. .هو الصوت الذي يهمس: ما زال الطريق مفتوحًا، وما زالت المحاولة تستحق، وما زالت الخسارة درسًا لا نهاية.
وجوده توازن نفسي دقيق، يمنع اليأس من التحول إلى عقيدة.
ثم يظهر الفوضوي، متحررًا من القواعد، يبعثر الأفكار، ويكسر الإيقاع المألوف.
يليه المتهور، لا يفكر طويلًا، يقفز قبل أن يحسب المسافة.
هذان لا يحبان التخطيط ولا الصبر، لكنهما سر الجرأة الأولى، وشرارة البدايات غير المحسوبة التي تصنع أحيانًا أعظم التحولات.
بدونهما قد تتحول الحياة إلى جدول منضبط يخلو من المغامرة.
وفي الجانب الآخر يقف المتغطرس الظالم، متضخم الأنا، يبرر أخطاءه، ويلقي باللوم على الجميع.
وجه غير محبوب، لكنه صادق في كشف النزعة البشرية نحو السيطرة والدفاع عن الذات وجوده تذكير قاسٍ بأن النفس قادرة على الظلم إذا غابت عنها المحاسبة، وأن القوة غير المنضبطة تتحول سريعًا إلى استبداد داخلي.
وبين هذا الصخب يجلس الصامت.
لا يشرح، لا يعترض، لا يبرر. يراقب الجميع، يسجل كل شيء، ويترك المساحة للآخرين كي ينكشفوا.
الصمت ليس فراغًا، بل وعيًا عميقًا يؤجل الكلام إلى أن ينضج المعنى.
غالبًا ما يكون الصامت هو نقطة التوازن غير المرئية.
وبعيدًا عن الضجيج، شبه معزول عن التدافع، يجلس الحكيم ،لا يتدخل كثيرًا، ولا يفرض رأيًا ، ينتظر اللحظة المناسبة، يعرف أن القيادة ليست صراخًا، بل توقيت.
الحكيم هو خلاصة التجربة، المصفاة التي تمر عبرها المشاعر قبل أن تتحول إلى قرارات، والضمير الذي يذكّر النفس بحدودها.
▪️وبميزان علم النفس، هؤلاء ليسوا غرباء…إنهم أنماط داخلية، أجزاء من بنية النفس الإنسانية…ما تسميه المدارس الحديثة بـ[الذات المتعددة]، حيث يتناوب كل نمط على إدارة المزاج والسلوك حسب الضغط، والخبرة، والبيئة.
الإنسان ليس كيانًا أحادي الصوت، بل منظومة ديناميكية تتغير بتغير الظروف.
الحزن يقود أيام الانكسار.
التفاؤل يتقدم عقب النجاة.
الفوضوي والمتهور يظهران عند الاختناق من الرتابة.
المتغطرس يخرج عند التهديد.
الصامت يسيطر وسط الفوضى.
والحكيم… لا يغيب، لكنه لا يُستدعى إلا بعد أن تهدأ العاصفة ويطلب العقل النجاة لا الانتصار…النضج لا يعني طرد هذه الشخصيات، بل الاعتراف بها وتنظيم حضورها.
▪️الخطر ليس بوجودها، بل بترك المقود بيد واحد منها طويلًا.فالتوازن النفسي يولد من حسن الإدارة الداخلية، لا من القمع ولا من الإنكار.
▪️أن أحدّق إلى داخل نفسي يعني أن أتخلى عن وهم الوحدة الداخلية.
لست صوتًا واحدًا، بل مجلسًا كاملًا.
والسلام النفسي لا يتحقق بإسكات الجميع، بل بإدارة هذا المجلس بعدل، ووعي، ورحمة.
حدقتُ إلى داخلي طويلًا…قرأتُ دواخلي بوضوح مؤلم ومحرّر في آنٍ واحد…لم أبرّئ نفسي، ولم أُدنها، بل رأيتها كما هي بشرية، متناقضة، قابلة للانكسار كما هي قادرة على النهوض.
▪️ومن هذا الاكتشاف، أوجّه الدعوة لك ولغيرك..تجرأوا على التحديق في دواخلكم بصدق..لا للجلد، ولا للتجميل، بل للفهم…فمن لم يعرف من يسكن داخله، سيظل يفسر حياته من الخارج… ويخطئ الطريق.
mhgoub33@gmail.com


