زوجةُ المثقّف… حياةٌ بين المتعةِ ومعاناةِ الوهم والضَّجر
▪️ زوجةُ المثقّف ليست امرأةً عاديّة تسير أيّامها على إيقاعٍ متوقَّع، بل كائنٌ يعيش على حافة عالمين؛ عالمٍ ماديٍّ يطالب بالاستقرار والوضوح، وعالمٍ فكريٍّ متمرّدٍ لا يعترف بالحدود ولا يعترف بالساعة. هناك، تبدأ الحكاية، حكايةٌ لا تُروى عادةً إلّا همسًا…فالعيش مع مثقّف يشبه الإقامة قرب بحرٍ واسع. يومٌ صافٍ يمنحك زرقةً تُنعش الروح، ويومٌ آخر تعصف به أمواج القلق والشرود. زوجةُ الكاتب لا تتزوّج رجلًا فقط، بل تتزوّج مكتبًا، ودفاتر، وكتبًا مفتوحة على الدوام، وأفكارًا تستيقظ فجأةً منتصف الليل مطالبةً بالكتابة أكثر من أيّ عاطفة أخرى…وبعضهنّ يعشن المتعة كاملة.
▪️ زوجةُ المثقّف السعيد تشاركه دهشة الفكرة الأولى، وتبتسم وهو يقرأ لها فقرة لم تكتمل، وتشعر أنّها شريكة سرّية للنصّ، ولو لم يُذكر اسمها على الغلاف. هذا النوع من النساء يرى الفقر مرحلةً عابرة، ويرى الانشغال الفكري سحرًا لا إهمالًا، ويتعامل مع الصمت الطويل باعتباره مخاضًا لشيءٍ جميل قادم. هكذا عاشت زوجة ليف تولستوي سنواتٍ طويلة، ناسخةً أعماله بيدها، مؤمنةً أنّ عبقريته مشروع عائلة لا مجرّد موهبة فرد.
▪️نموذجٌ آخر عاشته فيرا زوجة فلاديمير نابوكوف، التي لم تكن زوجة فحسب، بل مديرة أعماله، ومحرّرته الأولى، وحارسة عالمه الهش. المتعة هنا لم تكن ترفًا، بل إحساسًا عميقًا بالمشاركة والجدوى، كأنّ الحياة تُكتب معًا سطرًا سطرًا…لكن الوجه الآخر حاضر بقسوة. زوجةُ المثقّف قد تتحوّل إلى سجينة فكرة لا تخصّها، تعيش داخل بيتٍ مزدحم بالكتب وخالٍ من الطمأنينة. المثقّف الغارق في مشروعه الفكري قد ينسى التفاصيل الصغيرة، وقد يرى الحبّ أمرًا مفهومًا لا يحتاج إلى عناية يومية. المال شحيح، والمواعيد مؤجّلة، والوعود مؤجَّلة أكثر، لتجد الزوجة نفسها تؤمّن الاستقرار وحدها، بينما يعيش هو داخل وهم العبقرية المنتظرة.
▪️تجربة زوجة دوستويفسكي الأولى مثالٌ مؤلم؛ حياةٌ مثقلة بالديون، مزاجٌ متقلّب، وعبقرية لا تنقذ البيت من القلق. هنا يتحوّل الأدب من متعةٍ روحية إلى عبءٍ ثقيل، وتصبح الثقافة ذريعةً غير معلنة للإهمال، ويكبر الضجر كما يكبر الغبار فوق الرفوف.
▪️زوجةُ المثقّف المبدع قد تعاني أيضًا من الغيرة الصامتة؛ غيرةٍ لا تُقال، غيرة من كتابٍ يحظى بوقتٍ أطول، ومن فكرةٍ تُفضَّل عليها، ومن جمهورٍ لا يعرف حجم التضحيات التي تتمّ خلف الكواليس. بعض النساء يكتشفن متأخّرات أنّهنّ تزوّجن الحلم لا الإنسان، وأنّ الحلم لا يطهو العشاء ولا يواسي التعب.
▪️الفارق الحقيقي لا تصنعه الثقافة، بل يصنعه الوعي. مثقّفٌ ناضج يدرك أنّ الإبداع لا يزدهر فوق أنقاض الآخرين، وأنّ العبقرية لا تُبرّر القسوة ولا الفوضى العاطفية. وزوجةٌ واعية تفهم أنّها ليست ظلًّا لأحد، بل شريكة حياة كاملة، لها حقّ الفرح والاهتمام والاعتراف…زوجةُ المثقّف قد تحلّق مثل فراشة فوق أزهار الفكر، وقد تُحبس داخل قفصٍ ذهبيٍّ بلا مفاتيح. المتعة أو المعاناة لا يحدّده عدد الكتب ولا عمق الأفكار، بل مقدار الإنسانية المتبادلة بين شخصين قرّرا أن يتقاسما الحياة، لا أن يتقاسما الوهم.
▪️وهكذا تبقى زوجةُ المثقّف سؤالًا مفتوحًا؛ هل هي ملهمة سعيدة، أم ضحية حلمٍ مؤجَّل؟ الجواب لا يسكن الكتب، بل يسكن البيوت الصغيرة، وتفاصيل اليوم العادي، والقدرة على أن يكون الفكر جسرًا للحبّ لا جدارًا للعزلة.


