صحافيون رساليون فقراء… وآخرون غارقون في الثراء والتخمة
▪️[إلى الزملاء الكُتّاب في الصحف لو أرسلت مقالك لنيويورك تايمز ستقبض ألفين وثمانمائة ريال، لو نشرته هنا ستقبض شيئًا واحدًا…شكرًا على مساهمتك الكريمة] جمال بنون، في مقال (كتّاب الرأي.. أبطال خارقون بلا رواتب)
▪️ القضية ليست شكوى من ضيق ذات اليد، بل سؤال أخلاقي ومهني يطال روح الصحافة ذاتها: من يستحق العيش الكريم؟ أهو من يجعل قلمه منبرًا للناس وقضاياهم، أم من يحوّل الكلمة إلى سلعة علاقات عامة تدرّ ذهبًا وتفتح الأبواب المغلقة؟
▪️الصحفي الرسالي الحقيقي ليس صاحب صوت مرتفع فحسب، بل صاحب ضمير يقظ. يتقصّى الحقيقة ولو خالفت المزاج العام، يقرأ الوثائق، يتحقق من الأرقام، يستحضر السياق، ويضع مصلحة المجتمع فوق مصلحته الخاصة. يرى في الكلمة أمانة لا صفقة، وفي المنبر مسؤولية لا وجاهة. لذلك يدفع أثمانًا باهظة: تضييقًا، عزلةً، وأحيانًا إقصاءً ناعمًا تحت لافتة (السياسة التحريرية). معاناته لا تُختزل في ضعف المقابل المالي، بل في هشاشة البيئة التي لا تحتمل رأيًا مستقلاً طويل النفس.
▪️تجارب عالمية تؤكد أن الصحافة الرسالية مكلفة على أصحابها. في United States عُرف Upton Sinclair بفضح فساد صناعة اللحوم في كتابه «الأدغال»، فدفع ثمنًا اجتماعيًا ومهنيًا قبل أن يُحدث أثرًا تشريعيًا. وفي Russia قُتلت Anna Politkovskaya بعد تقاريرها الاستقصائية عن الشيشان. ليست الغاية استدعاء المآسي، بل بيان أن الصحافة الجادة عمل شاق محفوف بالمخاطر، وأن الاكتفاء بعبارة شكر لا ينسجم مع طبيعة هذا الجهد.
▪️اقتصاديًا، المحتوى هو عصب الصناعة الإعلامية. منصات كبرى مثل The New York Times تبني نموذجها على الاشتراكات الرقمية، وقيمة الاشتراك مرتبطة بجودة المادة المنشورة. الكاتب هناك جزء من سلسلة قيمة واضحة، ولهذا تُرصد ميزانيات للمقال والتحقيق والرأي. المقابل المالي ليس ترفًا، بل اعتراف بأن الفكرة أصلٌ في المعادلة الربحية. تجاهل هذا الأصل يُفضي إلى سوق يطرد الجودة ويستبقي السهل السريع.
▪️على الضفة الأخرى يقف نموذج مختلف: صحفي يوظّف شبكته الاجتماعية، يقترب من دوائر القرار، يُحسن قراءة توازنات القوى، ويصوغ مقاله بما يرضي الممول والمعلن وصاحب المنبر. يتقن فن (الإيحاء) بدل المواجهة، ويقدّم نقدًا مخمليًا لا يزعج أحدًا. هذا النموذج لا يعيش على أجر المقال وحده؛ تُفتح له أبواب الاستشارات، والندوات، والسفريات، وتتهافت عليه المنصات لأنه يجلب جمهورًا وعلاقات. يخطب وده مسؤولون، ويتودد إليه رجال أعمال، لأن كلمته لا تُربك مصالحهم بل تُجمّلها.
▪️ المشكلة ليست في النجاح أو الثراء بحد ذاتهما؛ المشكلة في المعايير. إن صار القرب من النفوذ معيار القيمة، تراجع معيار الصدق. وإن صار الصمت الذكي بوابة العقود السخية، تضاءلت مساحة الجرأة. العدالة المهنية تقتضي نظامًا يوازن بين الاستقلال والمكافأة، يضع عقودًا واضحة، وأجورًا عادلة، ومعايير تقييم شفافة تعتمد على الجودة والتأثير لا على شبكة العلاقات.
▪️الصحفي الرسالي مواصفاته معروفة.. استقلال فكري، دقة توثيق، شجاعة مدنية، حسّ إنساني، وقدرة على النقد الذاتي. مواقفه لا تتبدل بتبدل العناوين، وولاؤه للحقيقة قبل الأشخاص. معاناته مع المنصات تتجلى في مفاوضات شاقة حول سقف النشر، وفي مقالات تُؤجَّل لأنها (حساسة) وفي مكافآت تُختصر إلى مجاملة لفظية. الفقر الذي يطارده ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة بنية لا ترى في المعرفة استثمارًا طويل الأمد.
إصلاح المشهد ممكن. يبدأ بإقرار أن الكلمة عمل احترافي يستحق أجرًا منصفًا، وببناء نماذج تمويل مستدامة: اشتراكات رقمية، صناديق دعم للصحافة الاستقصائية، شراكات شفافة لا تمسّ الاستقلال التحريري. ويستمرّ بترسيخ ثقافة مساءلة داخل غرف الأخبار، تحمي الكاتب من الابتزاز وتكافئه على الجودة.
▪️السؤال الذي ينبغي أن يقلق الجميع: أي صحافة نريد؟ صحافة تُنتج وعيًا وتبني ثقة، أم صحافة تُنتج علاقات وتراكم مكاسب؟
الجواب سيحدد مصير (الصحافيين الرساليين) إما أن يبقوا فقراء ماديًا أغنياء أثرًا، أو يجدوا بيئة تعترف بأن الغنى الحقيقي يبدأ من تقدير من يصنعون الوعي… ويستحقون أن يعيشوا بكرامة.
mhgoub33@gmail.com


