الفاضل سعيد… حين أضاء الضحكُ ظلامَ السجن

الفاضل سعيد… حين أضاء الضحكُ ظلامَ السجن
الفاضل سعيد
  • 16 أبريل 2026
  • لا توجد تعليقات

أسامة سعيد الحسن

الكاتب برتبة نقيب

في العام 1988، كانت مدينة كوستي على موعدٍ مع حدثٍ استثنائي، لا يشبه ما سبقه من ليالٍ عادية تمضي على إيقاع النيل الأبيض وهدوء الأسواق. فقد وصلت إليها فرقة الفنان الكوميدي الأشهر الفاضل سعيد، تحمل معها ضحكة السودان، وخفة روحه، وذاكرته الشعبية التي يعرفها الكبير قبل الصغير.
تزينت المدينة للحدث كما تتزين العروس، وتحوّل مسرح سينما كوستي إلى قبلةٍ للأنظار، وامتلأت الشوارع بحديثٍ واحد: “الفاضل سعيد جاء”. رجال ونساء، شباب وشابات، حتى الأطفال كانوا يلتقطون اسم الرجل كما يُلتقط الفرح في مواسمه النادرة. كان الحماس يتصاعد كمدٍّ بشري، يسبق العرض، ويصنع له هالةً من الترقب تكاد تُلمس باليد.
لكن، خلف ذلك المشهد الصاخب، كان هناك عالمٌ آخر… عالمٌ لا تصله الأضواء، ولا تدخل إليه ضحكات المسارح. عالم السجن.
هناك، حيث الزمن أثقل، والوجوه أكثر صمتًا، والضحك إن حضر جاء خافتًا كأنه يستأذن. هناك، ولدت الفكرة.
اقترحتُ على سعادة المقدم عبد الله حسن حافظ، مدير السجن، أن نذهب إلى الفنان، لا لنحضُر عرضه، بل لنستقدمه إلى حيث لا يُطلب الفن عادة: إلى فناء السجن. أن يأتي هو، بضحكته، إلى هؤلاء الذين حُرموا من كل شيء… إلا الذكريات.

عبد الله حسن حافظ بعد ترقيه إلى رتبة لواء


لم يتردد المدير. كان رجلًا يعرف أن الإدارة ليست أوامر فقط، بل روحٌ تُبث في المكان. رجل علاقات عامة بالفطرة، كالغيث حيثما وقع نفع. التقط الفكرة، لا بوصفها اقتراحًا، بل بوصفها فرصة إنسانية نادرة.
تحركنا فورًا.
في مقر إقامة الفاضل سعيد، كان اللقاء مختلفًا منذ اللحظة الأولى. لم نستشعر أننا أمام “نجم”، بل أمام إنسان. استقبلنا بوجهٍ بشوش، وابتسامة لا تعرف التكلّف، وجلس معنا كما يجلس صديقٌ قديم.
تحدث إليه المدير عن السجن… عن النزلاء… عن تلك المساحات التي لا يدخلها الفرح بسهولة، وعن رغبتنا في أن نزرع، ولو لساعة، شيئًا من الضوء في تلك العتمة.
لم يكن ردّه عاديًا.
لم يفكر طويلًا، ولم يسأل عن مقابل، ولم يبدُ عليه تردد الفنان الذي يحسب جهده ووقته. بل استجاب بحماسٍ فاق توقعاتنا. قال إن عرض المسرحية يبدأ مساءً بعد المغرب، لكنه مستعد أن يسبق ذلك بساعةٍ في فترة العصر، ليأتي إلى السجن ويقدم فقراتٍ للنزلاء.
وكان في صوته شيءٌ أعمق من الموافقة… كان فيه إيمان.
إيمان بأن الضحك ليس ترفًا… بل حاجة.
عدنا إلى السجن نحمل البشارة. لم تكن مجرد خبر، بل كانت كأننا نفتح نافذة في جدارٍ صلب. انتشر الخبر بين أفراد القوة والنزلاء كالنار في الهشيم، لكن نارًا من نوعٍ آخر… نار الشوق.
في ذلك اليوم، تغيّر السجن.
لم تتغير جدرانه، ولا أبوابه الحديدية، ولا قوانينه الصارمة… لكن شيئًا في داخله تبدل. كان الهواء نفسه أخفّ، والوجوه أقلّ انقباضًا، والعيون أكثر انتظارًا.
حين دخلت الفرقة، دخلت معها حياةٌ كاملة.
وقف النزلاء في الفناء، بعضهم متحفظ، وبعضهم متشكك، كأنهم لا يصدقون أن هذا الحدث حقيقي. كيف يدخل الضحك إلى هنا؟ كيف يعبر المسرح إلى مكانٍ صُمم ليكون نهاية الحكايات لا بداياتها؟
لكن ما إن بدأ العرض… حتى سقطت الحواجز.
لم يكن ما قدّمه الفاضل سعيد مجرد “فقرات”. كان عرضًا ينبض بالحياة، بالحضور، بالذكاء الشعبي، بتلك القدرة النادرة على قراءة الإنسان في بساطته، ثم إعادته إلى نفسه ضاحكًا.
ضحك النزلاء.
لكن لم يكن ضحكًا عاديًا.
كان ضحكًا يشبه الانفراج بعد اختناق طويل. ضحكًا فيه شيء من البكاء، وشيء من الحنين، وشيء من استعادة الذات التي كادت أن تضيع تحت ثقل الجدران. بعضهم كان يضحك وهو يخفي وجهه، كأنه يخجل من الفرح، وبعضهم أطلق ضحكته كاملة، صافية، كأنها أول مرة يضحك منذ سنوات.
من منظور علم النفس، كان ذلك المشهد تجسيدًا حيًا لما يُعرف بـالتفريغ الانفعالي (Catharsis)؛ تلك اللحظة التي تتحرر فيها المشاعر المكبوتة عبر الضحك أو البكاء. فالسجين، بحكم العزلة والوصمة والحرمان، يعيش حالة من الضغط النفسي المزمن، تتراكم فيها الانفعالات دون منفذ. وعندما يأتي الضحك — الصادق، الجماعي — فإنه يعمل كآلية علاجية، يعيد التوازن الداخلي، ويخفض مستويات القلق والتوتر، ويُنشّط هرمونات السعادة مثل الإندورفين.
أما اجتماعيًا، فقد كان المشهد إعادة بناء مؤقتة لـ”الجماعة”. النزلاء، الذين تفرّقهم التهم والقصص، اجتمعوا حول ضحكة واحدة. في تلك اللحظة، لم يكونوا “نزلاء”… بل جمهورًا. لم يكونوا “محكومين”… بل بشرًا يتشاركون الفرح.
حتى أفراد القوة… أولئك الذين اعتادوا الانضباط والصرامة، وجدوا أنفسهم يبتسمون، ثم يضحكون، ثم ينسون — ولو لبرهة — ثقل المسؤولية. كان الضحك هنا لا يحرر النزلاء فقط، بل يحرر الحراس أيضًا، ويعيد التوازن للعلاقة الإنسانية بين الطرفين.
أما الفاضل سعيد، فقد كان في ذروة عطائه. لم يُقدّم عرضًا “مخففًا” لأنه داخل السجن، بل قدّم أفضل ما لديه. كأنما استشعر أن هذا الجمهور لا يحتاج إلى الإبهار، بل إلى الصدق. وكان صادقًا… إلى حد الإدهاش.
انتهى العرض… لكن الأثر لم ينتهِ.
كان الفناء الذي اعتاد الصمت، يضجّ الآن بذكرياتٍ ستبقى طويلًا. بعض النزلاء ظلوا يتبادلون النكات التي سمعوها، وآخرون كانوا صامتين… لكن بوجوهٍ مختلفة، أخفّ، أهدأ، كأن عبئًا ما قد أُزيح.
أما نحن، فقد أدركنا أننا لم ننظم فعالية… بل شهدنا تحولًا.
قمنا بتكريم الفرقة، وقدمنا لهم الدروع والوشاحات والهدايا التذكارية. لم تكن تلك الهدايا كافية، لكنها كانت تعبيرًا عن امتنانٍ عميق.
وفي تلك اللحظة، قال الفاضل سعيد كلمته التي بقيت في الذاكرة:
“هذه أعلى نسبة سعادة شعرت بها في حياتي وأنا أقدم عملًا مسرحيًا.”
ولم تكن مجاملة.
بل كانت خلاصة تجربة إنسانٍ أدرك أن الفن، حين يخرج من المسرح إلى الحياة، يصبح رسالة. وأن الضحك، حين يدخل مكانًا كالسجن، لا يكون مجرد ترفيه… بل يكون فعل شفاء.
وهكذا، في ذلك العصر من عام 1988، لم يكن ما حدث مجرد عرضٍ كوميدي داخل سجن كوستي… بل كان لحظة نادرة، التقت فيها الإنسانية بالفن، والعلم بالعاطفة، والواجب بالرحمة.
وكان الدرس الأعمق:
أن الإنسان، مهما ضاقت به الجدران…
يظل بحاجةٍ إلى ضحكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*