العفو بين السياسة والعدالة في عهد الفريق عبد الفتاح البرهان

العفو بين السياسة والعدالة في عهد الفريق عبد الفتاح البرهان
  • 20 أبريل 2026
  • لا توجد تعليقات

مهدي داود الخليفة

لم يعد الحديث عن العفو في السودان مجرد إجراء سياسي عابر، بل تحوّل إلى قضية مركزية تعكس طبيعة المرحلة واتجاهها. فالتطورات الأخيرة، وعلى رأسها انضمام اللواء النور القبة إلى الجيش السوداني، أعادت إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا حول معنى العفو وحدوده: هل هو أداة لتحقيق السلام، أم وسيلة لإعادة تدوير الفاعلين في الحرب؟

غير أن الأخطر من ذلك، هو ما تلا هذا الحدث من طرحٍ لفكرة العفو حتى عن قيادات في قوات الدعم السريع، في سياق تصريحات صادرة عن قيادات في الحركة الإسلامية الداعمة لسلطة بورتسودان. وهنا، لم يعد العفو مجرد خيار سياسي، بل تحوّل إلى منهج كامل لإدارة الصراع.

حين انضم النور القبة إلى الجيش، قُدّم ذلك باعتباره “تحولًا وطنيًا” يستحق الترحيب. لكن هذا التقديم سرعان ما انهار أمام معطيات أكثر خطورة، إذ تشير تقارير متعددة إلى أن النور القبة يُعد من بين القادة الميدانيين الذين ارتبطت أسماؤهم بالانتهاكات الجسيمة في إقليم دارفور، بما في ذلك أحداث الفاشر التي وُثّقت صورها عبر الأقمار الصناعية، والتي ترقى بحسب توصيفات قانونية دولية إلى مستوى جرائم الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية.

هنا، لا يعود السؤال عن “التحول”، بل عن إمكانية القفز فوق الذاكرة والعدالة.

ثم جاءت تصريحات بعض قادة الحركة الإسلامية لتؤكد أن الأمر ليس استثناءً، بل سياسة، حين أعلنوا استعدادهم للجلوس مع قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، مستندين إلى النص القرآني: “وإن جنحوا للسلم فاجنح لها”.

لكن هذا الطرح يفتح الباب أمام دلالات خطيرة:

تحويل العفو إلى أداة لتسوية الصراع بأي ثمن
نقل النقاش من المساءلة إلى التفاوض
توسيع دائرة العفو لتشمل فاعلين في قلب الحرب
التناقض الأكثر وضوحًا لا يكمن فقط في توسيع مفهوم العفو، بل في الجهة التي تطرحه.

فحكومة الفريق عبد الفتاح البرهان هي نفسها سلطة جاءت عبر انقلاب عسكري أطاح بحكومة الفترة الانتقالية، وأجهض ثورة ديسمبر التي شكّلت لحظة تاريخية في مسار التحول الديمقراطي في السودان.

هذه السلطة، المدفوعة ببقايا النظام السابق، ترفض اليوم الجلوس مع قوى مدنية، وتُخضع شرعيتها لشروط انتقائية، بينما تُبدي استعدادًا للحوار مع أطراف مسلحة متورطة في النزاع.

وهنا يبرز السؤال الحاسم:

من يعفو عن من؟

هل تعفو سلطة انقلابية على قوى مدنية تمثل الامتداد الطبيعي للثورة؟
أم أن العفو أُعيد تعريفه ليصبح أداة تمنح الشرعية لمن يملك القوة، لا لمن يملك الحق؟

إن هذه الازدواجية لا تكشف فقط عن خلل سياسي، بل عن انهيار في المعايير الأخلاقية والقانونية التي يفترض أن تحكم مفهوم العفو.

المفارقة الأكثر حدّة، أن الخطاب ذاته الذي يفتح الباب أمام التفاهم مع الفاعلين المسلحين، يرفض الاعتراف بقوى مدنية مثل “صمود” و ” قوي التغير الجذري” إلا بشروط يزعم أنها تعبّر عن إرادة الشعب.

وكأن القوى التي لفظها الشعب في ثورته، عادت لتُعيّن نفسها وصيّة عليه.

بل إن الاتهامات التي تُوجّه لهذه القوى بمنح الشرعية لقوات الدعم السريع، تتجاهل حقيقة تاريخية لا يمكن محوها:
من الذي أنشأ هذه القوات؟ ومن الذي شرعن وجودها؟

الإجابة تقود إلى نتيجة واضحة:
الشرعية لم تعد مفهومًا قانونيًا أو أخلاقيًا، بل أداة سياسية تُستخدم بانتقائية لخدمة موازين القوة.

العفو عن المعارضين السياسيين يمكن أن يُفهم في سياق تهيئة المناخ للحوار.
لكن ما يحدث في السودان يتجاوز ذلك بكثير.

نحن أمام مسار يتزامن فيه العفو مع:

• إعادة دمج متورطين في انتهاكات جسيمة
• غياب أي آلية واضحة للعدالة الانتقالية
• تبرير الماضي عبر تغيير الموقع العسكري
وهنا يحدث الانزلاق الأخطر:
يتحوّل العفو من أداة للمصالحة إلى مظلة للإفلات من العقاب.

تجربة محمد أبو عاقلة “كيكل” لم تكن سوى مقدمة لمسار يتكرر اليوم بشكل أكثر وضوحًا.

ثم جاء انضمام النور القبة ليكرّس القاعدة الجديدة:
الموقع الجديد يمحو الماضي.

لكن الأخطر ليس في هذا التحول، بل في غياب أي من عناصر العدالة:

لا تحقيقات
لا محاسبة
لا اعتراف بالضحايا
وكأن الدولة تعيد كتابة التاريخ وفقًا لموازين القوة، لا لمعايير الحق

في خضم هذا التوسع في مفهوم العفو، يغيب الطرف الأكثر أهمية: الضحايا.

ضحايا الجزيرة، بارا، الفاشر، الخرطوم…
هؤلاء لا يُستشارون، ولا يُنصفون، بل يُطلب منهم عمليًا التعايش مع واقع يُعاد فيه تقديم من تسببوا في مأساتهم كشركاء في المستقبل.

وهنا تتحول العملية السياسية من مشروع للعدالة، إلى مشروع لإدارة التوازنات على حساب الحقوق.

استمرار هذا النهج يضع السودان أمام مخاطر عميقة:

* تفريغ العدالة من مضمونها، مما يقوّض أي شرعية مستقبلية
* تشجيع العنف كوسيلة تفاوض، حيث يصبح السلاح طريقًا للشرعية
* تعميق الانقسام المجتمعي نتيجة غياب الإنصاف
* إضعاف الدولة أمام الضغوط الدولية بسبب تراكم الانتهاكات دون مساءلة
إن الدعوة إلى السلام، مهما كانت ضرورتها، لا يمكن أن تتحول إلى غطاء لتصفية ملف العدالة.

فالآية: “وإن جنحوا للسلم فاجنح لها”، لا تُقرأ بمعزل عن سياقها، بل في إطار يوازن بين السلام والحق، لا أن يُلغي أحدهما لصالح الآخر.

غير أن التجربة السودانية تُثبت اليوم حقيقة أكثر عمقًا:
لا يمكن تحقيق العدالة في ظل سلطة غير مدنية، ولا يمكن ضمان السلام في غياب نظام ديمقراطي حقيقي.

فالحل لا يكمن في توسيع دائرة العفو، ولا في إعادة تدوير الفاعلين في الحرب، بل في إقامة وضع ديمقراطي مدني كامل، يؤسس لدولة القانون، ويُعيد الاعتبار للمؤسسات، ويضمن استقلال القضاء.

ضمن هذا الإطار فقط، يمكن إرساء عدالة حقيقية تقوم على:

* محاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية
* دون انتقائية أو استثناء
* وبغض النظر عن الجهة التي ارتكبت هذه الجرائم
سواء كانت من القوات النظامية، أو الدعم السريع، أو أي تشكيل مسلح أو سياسي آخر.

إن العدالة ليست أداة انتقام، بل شرط لبناء دولة مستقرة.
والعفو، إن لم يُبنَ على العدالة، يتحول إلى تهديد دائم للسلم، لا ضمانة له.

السودان اليوم لا يحتاج إلى تسويات تُساوي بين الضحية والجلاد،
بل إلى عقد وطني جديد، يقوم على:

* الحكم المدني الديمقراطي
* سيادة القانون
* والمساءلة كقاعدة لا استثناء
ما نشهده ليس مجرد تحول سياسي، بل إعادة تعريف خطيرة لمفاهيم الدولة نفسها:

من العدالة إلى التسوية،
ومن المحاسبة إلى التبرير،
ومن الدولة إلى موازين القوة.

لكن الخطر الأكبر أن يستمر هذا المسار دون بديل واضح.

والبديل موجود، ومفهوم، ومجرب عالميًا:
دولة مدنية ديمقراطية تُؤسس للعدالة، لا تلتف عليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*