عبث السياسة… وثبات الشعب: معركة السودان الحقيقية
في السودان، لم تعد الأيام تُقاس بالتقويم، بل بوقع القلق واتساع النزوح. مدنٌ كانت تنبض بالحياة صارت صامتة، وبيوتٌ كانت عامرة بالأهل تحولت إلى ذكريات معلّقة. الحرب لم تغيّر ملامح المكان فقط، بل أعادت تشكيل حياة الناس، ووضعت الوطن أمام اختبار قاسٍ تتداخل فيه المعاناة مع أسئلة المصير.
ومع ذلك، وسط هذا الركام، تظل هناك حقيقة واضحة: شعبٌ يتمسك بالحياة ويرفض الانكسار. فالأزمة السودانية ليست مجرد صراع عسكري طارئ، بل نتيجة تراكمات طويلة من اختلالات سياسية وفشل في إدارة التنوع. دولة لم تُبنَ على أسس عادلة، ونخبٌ انشغلت بصراع السلطة أكثر من بناء وطن يتسع للجميع. ومع كل جولة من الأزمات، كانت الفجوة تتسع، حتى وصلت البلاد إلى هذا المنعطف الحاد.
هنا، لا بد من قول الحقيقة دون مواربة: لم يعد مقبولاً أن يتعامل السياسيون والعسكريون مع السودان كساحة سباق، بينما هو وطن ينهار. المسؤولية اليوم ليست شعارات، بل موقف أخلاقي يفرض عليهم أن يرتقوا إلى مستوى الدولة، لا أن يختزلوها في صراع نفوذ. فالوطن ليس غنيمة، بل أمانة لا يحملها إلا من يدرك معنى المسؤولية.
ورغم قتامة المشهد، يقدّم المجتمع السوداني صورة مختلفة. في غياب الدولة، برزت مبادرات شعبية يقودها الشباب والنساء، تنظّم الإغاثة وتعيد بناء التضامن. هذا هو السودان الحقيقي الذي لا يظهر في نشرات الأخبار، لكنه حاضر في تفاصيل الصمود اليومي.
على المستوى الدولي، لا تزال الاستجابة دون حجم المأساة. تتداخل المصالح وتتأخر القرارات، بينما يدفع المواطن الثمن. ومع ذلك، فإن الحل لا يمكن أن يكون خارجياً فقط، بل يجب أن ينبع من الداخل، مدعوماً بإرادة صادقة.
المخرج يبدأ بوقف فوري لإطلاق النار كمدخل لمسار سياسي جاد، يتبعه حوار وطني شامل لا يُقصي أحداً، إلا الذين هدموا أركان الدولة، واختزلوها في حزبيتهم وعضويتهم الضيقة، واستأثروا بموارد البلاد وثرواتها على حساب الشعب. كما تتطلب المرحلة القادمة سلطة مدنية انتقالية قوية تعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس العدالة والمساءلة، وتضع حداً للإفلات من العقاب.
اقتصادياً، يحتاج السودان إلى خطة إنعاش تعيد الخدمات الأساسية وتستعيد ثقة المواطن. وإعلامياً، لا بد من استعادة السردية السودانية، بحيث يُروى صوت الناس كما هو، لا كما يُختزل.
السودان اليوم أمام خيارين: الاستمرار في الصراع أو فتح طريق نحو دولة تقوم على المواطنة لا القوة. الطريق صعب، لكنه ممكن إذا توفرت الإرادة.
في النهاية، الأوطان لا تُبنى بالبندقية، بل بقيادة تضع الإنسان أولاً، وتؤمن أن الكرامة حق أصيل. ورغم كل شيء، يبقى الأمل قائماً، لأن هذا الشعب قادر، إذا أُتيحت له الفرصة، أن يعيد كتابة قصة وطنه، بعيداً عن الحرب وقريباً من السلام.


