زيارة كامل إدريس إلى الفاتيكان: بين رمزية الدبلوماسية وأسئلة الواقع السوداني

زيارة كامل إدريس إلى الفاتيكان: بين رمزية الدبلوماسية وأسئلة الواقع السوداني
  • 15 مايو 2026
  • لا توجد تعليقات

عادل تاج الدين جار النبي

جاءت زيارة السيد كامل إدريس رئيس الوزراء لحكومة بورتسودان، إلى الفاتيكان في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للسودان، الذي يعيش واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا سياسيًا وإنسانيًا. فالبلاد لم تعد تواجه مجرد صراع عسكري عابر، بل أزمة دولة تتداخل فيها الحرب مع الانهيار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ما جعل أي تحرك خارجي يُقرأ باعتباره محاولة للبحث عن مخرج أو إعادة تموضع في المشهد الدولي.
الزيارة في جانبها الدبلوماسي تحمل رسالة واضحة مفادها أن السودان لا يريد أن يبقى معزولًا عن العالم، وأن هناك سعيًا لإعادة تقديم صورة مختلفة عن بلد اختزلته الحرب في نشرات الأخبار. فالفاتيكان، رغم محدودية تأثيره السياسي المباشر، يظل صاحب حضور أخلاقي وإنساني مؤثر في قضايا السلام والمصالحة، كما أن التواصل معه يمنح أي حكومة مساحة رمزية لإظهار اهتمامها بخطاب الحوار والاستقرار بدلًا من لغة السلاح.
لكن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في بعدها الخارجي، بل فيما تعكسه من إدراك متزايد بأن الأزمة السودانية لم تعد قابلة للإدارة بالعقلية التقليدية نفسها. فسنوات الصراع والانقسامات كشفت هشاشة الدولة السودانية وفشل النخب السياسية والعسكرية في بناء مشروع وطني جامع يستوعب التنوع ويؤسس لعلاقة متوازنة بين السلطة والمجتمع.
ورغم الزخم الإعلامي الذي رافق الزيارة، فإن التقييم الموضوعي يقتضي الاعتراف بأن تأثيرها العملي ما يزال محدودًا. فلا الفاتيكان يملك أدوات ضغط حقيقية لوقف الحرب، ولا اللقاءات الدبلوماسية وحدها قادرة على معالجة جذور الأزمة. لذلك يبقى السؤال الأهم مرتبطًا بما إذا كانت هذه التحركات ستقود إلى مراجعات داخلية حقيقية، أم ستظل مجرد نشاط سياسي لتحسين الصورة الخارجية.
السودان اليوم يحتاج إلى ما هو أبعد من الرمزية الدبلوماسية؛ يحتاج إلى مشروع سلام شامل يعيد بناء الثقة بين مكوناته المختلفة، ويضع حدًا لحالة الاستقطاب والإقصاء التي قادت البلاد إلى هذا الانسداد التاريخي. كما يحتاج إلى حوار وطني لا يحتكر الوطن لصالح فئة أو جماعة، بل يؤسس لدولة تقوم على المواطنة والعدالة والمؤسسات.
فالزيارات الخارجية قد تفتح أبواب الدعم والتعاطف الدولي، لكنها وحدها لا تصنع السلام. السلام الحقيقي يبدأ عندما تدرك القوى الهيمنة و المتحكمة فى مصير البلاد و العباد، أن استمرار الحرب يعني خسارة الجميع، وأن إنقاذ البلاد يتطلب شجاعة سياسية تعلو فوق الحسابات الضيقة وصراعات النفوذ.

الجمعة الجامعة ١٥ مايو ٢٠٢٦

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*