من قرية ود النُّورة إلى دار حامد.. المجازر تتغير مواقعها ولكنَّ الاستراتيجية واحدة‼️
صناعة المجازر بالوكالة.. كيف يُدفع المدنيون إلى الموت لخدمة أهداف الحرب؟!
من يتابع مسار حرب البرهان وحميدتي منذ اندلاعها في 15 أبريل 2023م يلاحظ أن هناك نمطاً متكرراً للمجازر قد بدأ يتشكل في أكثر من إقليم ومنطقة، حتى أصبح من الصعب إعتباره مجرد مصادفة.
فبعد أن فشلت رهانات جماعة مايسمي بالحركة الإسلامية في تحقيق الحسم العسكري السريع، وبعد أن تبخرت الأحلام التي كانت تتحدث عن إنهاء المعركة خلال ساعات أو أيام قليلة، إنتقلت جماعة ما يُسمّى بالحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض إلى مرحلة أخرى أكثر خطورة، تقوم على توسيع دائرة الحرب وإدخال المدنيين أنفسهم إلى ساحة القتال ‼️
هذه الاستراتيجية ليست جديدة…
ففي العلوم السياسية والعسكرية والأمنية تُعرف مثل هذه الممارسات ضمن استراتيجيات توسيع مسرح الصراع و نقل كلفة الحرب إلى المجتمع و إستنزاف الخصم عبر المجتمعات المحلية.
وتقوم الفكرة ببساطة على التحريش و دفع المدنيين إلى المواجهة المباشرة مع قوة عسكرية معادية، مع توقع أن يؤدي ذلك إلى ردود فعل عنيفة وسقوط ضحايا وانتهاكات ومجازر..
ثم من بعد وقوع الكارثة تبدأ مرحلة الاستثمار السياسي والإعلامي في الدماء.
وما هي المكاسب المتوقعة من هذه الإستراتجية الشيطانية ؟
أولاً…
استغلال المجازر والانتهاكات في تعبئة الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي ضد الخصم.
وثانياً…
دفع المواطنين إلى حمل السلاح والانخراط في الحرب بدافع الغضب والثأر والانتقام، بحيث يتحول المدنيون إلى مقاتلين يخوضون المعركة بدلاً عن الجيش والقوات النظامية.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه الاستراتيجية تعتمد على ما يسميه بعض المختصيّن في دراسات النزاعات بـ:-
“إستفزاز الخصم” أو “التحريش”.
أي خلق ظروف تدفع الطرف الآخر إلى إستخدام القوة المميتة ضد مجموعات مدنية أو محلية، ثم توظيف تلك النتائج سياسياً وإعلامياً وعسكرياً.
وعندما نتأمل ما جرى في السودان خلال هذه الحرب نجد أمثلة عديدة تستحق الدراسة..
ففي دارفور ، في الجنينة وزالنجي وغيرها ، جرى تسليح مجموعات مدنية وقبلية تحت شعارات مختلفة، وانتهى الأمر بمجازر مروعة دفع ثمنها المواطنون الأبرياء.
وفي ولاية الجزيرة لا تزال مجزرة قرية ود النُّورة حاضرة في ذاكرة السودانيين.
فقد جرى تسليح المدنيين وخلق أجواء من التعبئة والمواجهات الإستفزازية مع قوات الدعم السريع بقيادة أبوعاقلة كيكل والنور قبة ، ثم وقعت الكارثة وسقط عشرات الضحايا من المدنيين.
والسؤال الذي لم يجب عليه أحد حتى اليوم:
أين كانت القوات المسلحة والقوات الحكومية عندما وقعت تلك المجزرة ؟!
وأين كانت واجباتها القانونية والدستورية في حماية المواطنين ؟!
إن الدولة المحترمة لا تطلب من المزارعين والرعاة والتجار والطلاب أن يتحولوا إلى جيوش بديلة.
بل إن وظيفة الجيش الأساسية هي حماية المواطنين لا دفعهم إلى خطوط النار.
واليوم فيما يبدو أن ذات سيناريو قرية ود النورة نفسه يتكرر في مناطق دار حامد بكردفان وتخوم دارفور..
نرى تسليحاً للمدنيين…
ونرى خطاباً تعبويّاً وتحريشاً شيطانياً…
ونرى مقاطع مصورة تنتشر هنا و هنالك تتوعد الدعم السريع… ‼️
ثم نرى في المقابل مخاوف متزايدة من أن تنتشر وتتكرر المأساة ذاتها التي شهدتها مناطق أخرى.
وهنا يبرز السؤال المنطقي:
طالما هنالك قوات مسلحة…
وقوات مشتركة…
وأجهزة أمنية…
وآلاف المقاتلين المدربين…
فلماذا يُطلب من المواطن البسيط أن يحمل البندقية ويخوض معركة ليست معركته؟!
ولماذا يصبح المدني هو خط الدفاع الأول بينما تبقى القوى العسكرية المنظمة بعيدة عن المواجهة المباشرة؟!
إن أخطر ما أنتجته هذه الحرب هو تحويل المدني السوداني من مواطنٍ يجب أن تتم حمايته إلى وقودٍ للصراع يتم المتاجرة به وإستغلاله سياسياً..
فكلما اتسعت دائرة التسليح الأهلي، اتسعت دائرة القتل والكراهية والانتقام .
وكلما تحولت القرى والمدن إلى ساحات قتال، إبتعد السودان أكثر عن السلام والاستقرار.
لذلك فإن الحكمة والعقل والمصلحة الوطنية تقتضي أن يرفض المواطن السوداني الإنجرار إلى هذه الدوامة من العنف التي تصنعها جماعة مايسمي بالحركة الإسلامية وشركائها .
ليست مهمة المدني أن يخوض الحروب نيابةً عن الجيوش.
وليست مهمة القرى أن تتحول إلى ثكنات عسكرية.
وليست مهمة الأبرياء أن يدفعوا ثمن صراعات الساسة والعسكريين..
يا أهل السودان…
احذروا دعاة الحرب…
واحذروا تجار الدماء…
واحذروا الذين يشعلون الحرائق ثم يقفون بعيداً يراقبون ألسنة اللهب وهي تلتهم الوطن وأهله.
فالأوطان لا تُبنى بالمجازر…
ولا تُحمى بتحويل المدنيين إلى أهدافٍ عسكرية…
ولا يربح الحرب من يخسر شعبه.
لا للحرب
لا لتسليح المدنيين
نعم لحماية المدنيين نعم للسلام

