رجعة مؤجلة
في الولاية الشمالية اليوم الصورة مركبة أكثر مما تبدو من الخارج ليست بيوتًا فارغة فقط وليست هجرة وانقطاعًا فقط بل حالة ممتدة من التعلق بالمكان مع تغير شديد في طريقة العيش داخله
كثير من أبناء الشمالية يعيشون خارجها منذ سنوات طويلة بعضهم استقر في دول أخرى وبنى هناك حياة كاملة عمل أسرة وأبناء نشأوا بعيدًا عن المكان الأول ومع الوقت لم تعد فكرة الرجوع قرارًا عاطفيًا بسيطًا بل أصبحت مرتبطة بمقارنة واضحة بين نمطين من الحياة
في الواقع كثير من من عاشوا في الخارج يربطون العودة بسؤال عملي كيف يمكن أن تكون الحياة اليومية في المكان نفسه بعد سنوات من الاعتياد على مستوى مختلف من الخدمات والبنية الأساسية والتنظيم هذا السؤال لا يلغي الحنين لكنه يضعه داخل حسابات الواقع
في المقابل هناك من بقي داخل الولاية ويشاهد هذا التحول من الداخل بيوت تُزار أكثر مما تُسكن وحضور متقطع للأبناء والأقارب وتغير في شكل الحياة الاجتماعية التي كانت أكثر انتظامًا في السابق
داخل هذا المشهد تتكرر على ألسنة بعض كبار السن عبارة تحمل دلالة ثقيلة أن كفاية غربة والعودة تكون لقضاء آخر الأيام في البلد والدفن فيها العبارة تقال أحيانًا بعاطفة وحنين لكنها تعكس أيضًا تصورًا مؤلمًا عن أن العودة أصبحت مرتبطة بنهاية الرحلة أكثر من بدايتها وكأن المكان تحول في الوعي من مساحة للحياة إلى محطة أخيرة
هذا المعنى حتى لو لم يكن مقصودًا حرفيًا يكشف عن فجوة بين الحياة التي تبنى في الخارج والحياة التي يفترض أن تستأنف في الداخل فجوة بين واقع مستقر نسبيًا في المهجر وإمكانات محدودة في الداخل تجعل قرار العودة معقدًا ومؤجلًا في كثير من الحالات
وبين هذا وذاك تبقى البيوت في الشمالية شاهدة على علاقة لم تنقطع لكنها لم تعد مكتملة أيضًا علاقة قائمة على الزيارة والانتظار والذاكرة أكثر من كونها إقامة دائمة
المعادلة في النهاية ليست فقدانًا كاملًا ولا حضورًا كاملًا بل حالة وسط انتماء قوي وحياة موزعة بين أكثر من مكان

