الأحد - 19 محرم 1448 هـ , 05 يوليو 2026 م

بنك السودان المركزي يلغي ترخيص شركة “العسجد” لخدمات الدفع الإلكتروني

موت عالم و مؤرخٍ وسياسي و أديب وبقاء الأثر الطيب

موت عالم و مؤرخٍ وسياسي و أديب وبقاء الأثر الطيب
هاشم طيَّار

بقلوب يعتصرها الحزن، ونفوس مؤمنة بقضاء الله وقدره، ننعى إلى أهل السودان كافة رحيل العالم الجليل، والمؤرخ البارز، والأستاذ القدير، والصديق الوفي، البروفيسور عز الدين عمر موسى، الذي انتقل إلى جوار ربه بعد حياة حافلة بالعلم والعطاء وخدمة الوطن والإنسان.

لقد عرفناه عالماً رصيناً، ومربياً فاضلاً، ومفكراً مستنيراً، ومناضلاً صلباً في مواجهة الشمولية والدكتاتورية، وصديقاً صدوقاً جمع بين سعة المعرفة ونبل الخلق والتواضع الجم. أفنى عمره في البحث والتدريس والتأليف، وأسهم في إعداد أجيال من الطلاب والباحثين، وترك إرثاً علمياً وفكرياً سيظل شاهداً على عظمة عطائه وصدق رسالته.

وبرحيله لا نفقد عالماً فحسب، بل نفقد أخاً وصديقاً وزميلاً عزيزاً ظل وفياً لوطنه وأمته، حاضراً بعلمه وفكره، مؤمناً بأن المعرفة هي السبيل الأقوم لنهضة الشعوب وتقدمها.

وقد كان الراحل، رحمه الله، نجماً ساطعاً في سماء السودانيين بالمملكة العربية السعودية، حيث أمضى أكثر من عقدين من الزمان في خدمة الجالية والعمل العام، مصادماً للأنظمة الشمولية ومدافعاً عن قيم الحرية والكرامة. وعُرف بحبه العميق لأبناء وطنه دون تمييز بسبب لون أو عرق أو جهة، وظل حريصاً على جمع السودانيين على كلمة سواء.

ومن المواقف التي تُحسب له وتبقى خالدة في ذاكرة السودانيين دوره الوطني المسؤول عقب انقلاب الثلاثين من يونيو 1989م، وأثناء أزمة حرب الخليج، حيث قاد تلك المرحلة الدقيقة بحكمة وتفانٍ، وأسهم مع نفر كريم من الوطنيين في الحفاظ على العلاقة الراسخة بين حكومة خادم الحرمين الشريفين والجالية السودانية، رغم الموقف الذي اتخذته حكومة الإنقاذ آنذاك. وكان لذلك الجهد أثره الطيب والنافع على أوضاع السودانيين في المملكة، ولو أردنا تعداد ما قدمه في تلك الفترة لما استطعنا إحصاء جلائل أعماله.

جمعتنا به ساحات العمل العام بالمملكة العربية السعودية، فكان قائداً وملهماً وأستاذاً، لا سيما في أحلك الظروف التي مرت على وطننا. وكان مولعاً بالعلم والتأليف، فرفد المكتبة العربية والعالمية بعدد كبير من الكتب والدراسات، ولم تنقطع مساهماته الفكرية حتى في أيامه الأخيرة، رغم ما ألمّ به من مرض، فظل صابراً محتسباً، مثابراً في عطائه، محباً لبني وطنه، ومدافعاً عن قضايا المرأة وحقوقها.

ويكفي في هذا المقام أن نستحضر ما كتبه في إهداء كتابه الأخير “وقفات مع قضايا سودانية” إلى زوجته أم أيمن، والذي جعله رسالة تقدير للمرأة السودانية الصابرة في زمن الاضطرابات والمحن، حيث قال:

“أما أنتِ يا أم أيمن، فإني أشهد الله أنك رُزقتِ فضيلة الصبر وزيادة، لأنك صبرتِ على رجلٍ متعب لنفسه ومشغول بكتبه وبهموم الناس اجتماعياً وسياسياً وثقافياً، وكنتِ حامدةً شاكرةً في ساعة اليسر، وقانعةً صابرةً في وقت العسر، مقبلةً على بيتك رعايةً لبنيك، حتى أصبحوا بتوفيق الله شموساً وأقماراً.”

كان رحمه الله رجلاً لا يعرف اليأس ولا الخنوع، يمتاز بالشجاعة الأدبية والجرأة في إعلان رأيه وموقفه مهما خالف آراء الآخرين. كما كان واسع الاهتمامات، ملمّاً بالسياسة والأدب والفنون بمختلف أشكالها من غناء وموسيقى ورسم وشعر ورياضة، فكان موسوعة متحركة بين الأجيال.

لقد أدى ما عليه ومضى إلى ربه غير مفرط ولا مقصر، فوفّى وأعطى أهله ووطنه ودينه أقصى ما يستطيع الرجل أن يقدم. وأشهد أنه كان شجاعاً كريماً حكيماً، نسأل الله أن يجعل ذلك كله في ميزان حسناته وزخراً له يوم يلقى ربه.

وكان حريصاً حتى آخر أيامه على نشر ما يكتب وإرساله إلى أصدقائه ومحبيه، وعلى إشراك الجميع في الندوات والحوارات الفكرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إيماناً منه برسالة التنوير ونشر المعرفة. وقد تشرفت بزيارته في منتصف عام 2024م في الولايات المتحدة الأمريكية، وقضيت معه ساعات مضيئة مرت سريعاً، وكان خلالها حريصاً على السؤال عن أحوال الإخوة والأصدقاء في “رياض الخير”، كما عهدناه دائماً.

نتقدم بأحر التعازي إلى رفيقة دربه الحاجة أم أيمن، وإلى أبنائه الوليد وحاتم، وبناته وأسرته الكريمة كافة، وإلى تلاميذه ومحبيه وأصدقائه داخل السودان وخارجه.

رحم الله البروفيسور عز الدين عمر موسى، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من علم نافع وإرث معرفي باقٍ في ميزان حسناته، وألهم آله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

هاشم طيار

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
دخول سجل اسمك المستعار
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور